الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية الإيمانية @ 6ـ إخلاص مقاصد المكلف لله تعالى


معلومات
تاريخ الإضافة: 24/8/1427
عدد القراء: 898
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

تُعد الإرادة من ألصق النوازع الباطنة بالإنسان، بل هي في الحقيقة أعظم ما يُميز الإنسان عن الحيوان، وهي بالنسبة للمكلفين كالوقود للمحركات، فمنها تصدر الأعمال، وبها تتيقظ قوى الإنسان وملكاته المختلفة.

والإرادة موهبة من الله للمكلفين، يُمَكِّنُهم I من خلالها من السيطرة على أجهزة معينة في الجسم، فينطبع السلوك وفقاً لها وقد جعل الشارع الحكيم شرط قبول العمل الصالح: خُلُوص المقصد لله تعالى وحده، فقال U : {…. فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110]، وقال رسول الله r : (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى…)) واستنبط الفقهاء -من خلال الاستقراء- قاعدة: "لا ثواب إلا بنية"، وقاعدة: "الأمور بالمقاصد" فجعل الشارع الحكيم شرط الثواب على الأعمال -مهما كانت في ظاهرها صالحة- اقترانها بالإخلاص، وفَرَض على المكلَّف أن يطابق قصده قصد الشارع الحكيم من وضع التشريع، بحيث يطابق ظاهر الإنسان باطنه -من جهة- ويطابق الهدف الذي من أجله وضع التشريع من جهة أخرى، فتقوم على هذا الفهم وحدة الكيان الإنساني بين الذات الداخلية للفرد، والذات الخارجية له مع المطابقة لمراد الله تعالى، فيؤدي هذا التطابق -بشعبه الثلاث- إلى صفاء الإيمان، والإخلاص في أداء الأعمال والواجبات، ويعرف المكلف من خلال إخلاصه: مقدار مكانته عند الله تعالى.

وحقيقة الإخلاص: "إرادة تمييل الفعل إلى جهة الله تعالى وحده خالصاً"، وهو أن يقصد بطاعته وجه الله، ولا يريد بها سواه، فإن قصد بها سواه كان مرائياً، سواء قصد الناس على انفرادهم، أو قصد الربَّ والناس جميعاً.

ويُعتبر مقام الإخلاص أعلى وأخص الأخلاق الإنسانية؛ "فإن تحصيله هو الأصل في تحصيل كل سلوك إنساني نافع؛ لأن الإخلاص: إشهاد الحق تعالى على العمل الذي قام به المكلَّف، حتى يتولاه سبحانه بالتسديد، فلا يعرض له الباطل، ولا يدخل عليه الإحباط، ومن أشهد الله I على عمله: زهد في مصالحه الضيقة، وبُورك له في عمله".

ومن المعلوم أن ميدان الإخلاص، وتحرير المقاصد لله تعالى يعد من أشد ميادين الجهاد الإنساني، "والشريعة طافحة بإصلاح القلوب بالمعارف والأحوال والعزوم والنيات…. فمعرفة أحكام الظواهر: معرفة لجل الشرع، ومعرفة أحكام البواطن: معرفة لدق الشريعة، ولا ينكر شيئاً منهما إلا كافر أو فاجر"، ولم يكن هذا الميدان سهلاً حتى على أصحاب محمد r، فقد كانوا يعانون منه شدة، وبلغ ببعضهم اتهام أنفسهم بالنفاق المناقض للإخلاص، إلا أن وسيلة تحسين الإرادة وإخلاصها إنما تحصل من خلال المران والدربة المستمرة، ومجاهدة النفس ومتابعتها منذ التكليف حتى انقطاعه بالموت أو العجز التام حين تسقط المؤاخذة.