د. عدنان باحارث http://www.bahareth.org موقع الدكتور عدنان باحارث للتربية الإسلامية الجمعُ بين السَّيئَتيْن مقال شهر ذي القعدة 1438هـ

الجمعُ بين السَّيئَتيْن

           الحمد لله تعالى وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ، أما بعد .. فإن من المفارقات العجيبة في عصر التقنية الفائقة ، وسرعة الاتصالات والمواصلات ، وغزو معالم الفضاء ، وانكشاف المجتمعات فيما بينها ، وتداخل الناس بعضهم في بعض ، حتى لم يعد للستر والتخفِّي موضعٌ يُتحصَّن فيه ، في هذا الوضع الجديد من حياة الإنسان المعاصر ، وفي خضمِّ هذه الطبيعة الحديثة من واقع التفاعلات الإنسانيَّة : يحلو للبعض أن يتنكَّر خلف أقنعة مختلفة ، ويتزيَّا في ألبسة متنوِّعة ، فيظهر الشخص الواحد بكلِّ ألوان الحياة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة ، حتى يبدو - للناظر للوهلة الأولى – حين يراه على هيئة من هذه الهيئات المتعدِّدة : أنه لا يُحسن إلا هذه ، فما يلبث إلا يسيراً ، حتى يظهر في شكلٍ جديد يُتقنه ، ويخرج في نمط مُغاير يُحسنه ، وكأنه – في كلِّ موقف – شخص آخر غير الأوَّل ، وهكذا تراه يتشكَّل بإتْقان في كلِّ مقام ينزل فيه ، دون ما خجل أو حياء ، من قبيح سلوكه الفاضح .

         ولئن كان هذا السلوك الإنساني الرديء : يتعارض بصورة صارخة مع الأخلاق عند كافَّة الأمم ؛ فإنه في الشرع الإسلامي في غاية القباحة والنذالة ، هذا إن لم يكن هو النفاق بعينه ، الذي يعُدُّه الشرع أخبث من الكفر الأصلي ؛ وذلك حين يظْهَر المُتنكِّر – خِداعاً - بثوب الإيمان ، وهو في الباطن مُتلبسٌ بديانة الكفْر .

        وإلى هذا الحدِّ من تصنيف الناس : يبقى الأمر طبيعيًّا في العرْف البشري ؛ إذ لا بدَّ في الناس من : مؤمن ، وكافر ، ومُنافق ، فهذا تصنيف إسلاميٌّ صحيح ، كما جاء مُفصَّلاً في مطْلع سورة البقرة ، ولكن المفارقة العجيبة في هذا العصر ، والقبيحة الفريدة في هذه الحقبة الزمنيَّة : أن يجمع الكافر الأصليُّ بين الكفر والنفاق ، وهذا - لعمر الله – من عجائب الدهر ، ومن نوادر الزمان ؛ لأن من يُظْهر النصرانيَّة ، أو اليهوديَّة ، أو المجوسيَّة ، أو أية ديانة غير الإسلام : فهو كافر أصْلي ، ومن أبطن شيئاً من هذه الديانات ونحوها ، غير أنه أظْهر للناس الإسلام ، وتلبَّس بلباسهم ، ودان ظاهراً بأحكامهم : فهو منافق خالص ، ولكن المُفارقة هنا : أن يجمع الشخص الواحد بين الكفر الأصْلي الظاهر ، والنفاق الأكبر الباطن ، فأيُّ دركة عميقة يهبط إليها أمثال هؤلاء وأضْرابهم من أنذال البشر ؟

         ولا ينبغي للقارئ الكريم أن يتعجَّب من هذا التشخيص الغريب ، أو يستنكر هذا التوصيف الشاذ ، لهذه الهيئة الإنسانيَّة البغيضة ؛ فإن هذا النوع من ملاعين البشر : يجمع في جوفه كلَّ أنواع الكفر ، التي يظنُّ أنها تخدمه في حياته الدنيا ، وفي الوقت نفسه يضمُّ إليها كلَّ دين يحتاج إليه في تعاملاته الظاهرة : الاجتماعيَّة ، والاقتصاديَّة ، والسياسيَّة ، فهو لا يتورَّع عن تبنِّي أية عقيدة ، أو ديانة ، أو عبادة ، أو تصوُّر ، أو مفْهومٍ ، ظاهراً كان أو باطناً : يُحقَّق له – حسب ظنِّه - مصالحه الدنيويَّة ، فيجمع بكفاءة وبراعة بين السيئتين ؛ سيئة الكفر ، وسيئة النفاق .

         وبنظرة عابرة على المجريات السياسيَّة الحديثة في هذا العصر ، لا سيما بعد ما يُسمَّى بالربيع العربي ، وما تمخَّضت عنه أحداثه الثوريَّة من الآلام والمآسي ، وما تكشَّفت به من الحقائق والدسائس ، وما انتهت إليه من المواقف والأحداث : تبيَّن بوضوح كيف استطاع أئمة الكفْر المعاصرين ، من الجمع بكفاءة فائقة نادرة ، ومكْرٍ عميق خبيث : بين الكفر والنفاق الأكْبريْن ، حتى إن عوام المسلمين : لم يكن ليخطر ببال أحدهم حجم الكذب والخداع ، والمكْر والدهاء ، الذي يتعاطاه هؤلاء الفجَّار السياسيون ، في لعبهم الاقتصادي والسياسي والعسكري ، بمقدَّرات الشعوب وأرواحهم ، مما لا يجد الواصف له وصفاً ، إلا ما ذكره الله تعالى في نعت قوم نبيِّ الله نوحٍ – عليه السلام – : ( وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ) (71/22) ، وهو الغاية في المكْر ، والنهاية في السوء .

         ولئن كان المُثقَّف العربي الحرُّ : يُدرك بوضوح - منذ عقود الاستعمار – حجم الجريمة الغربيَّة في حقِّ الشعوب العربية والإسلامية ؛ فإنه اليوم - بعد سنوات الربيع العربي القاسية – أنضج من ذي قبل ، وأوعى بالحقيقة ممَّا مضى ، بل هو اليوم أكْفر ما يكون بدعايات فجَّار السياسة ودهاقنتها ، فقد أدرك اللعبة السياسيَّة القذرة ، وأعرض عن الكذبة الديمقراطية الخادعة ، وصُمَّ عن الآلة الإعلاميَّة المُنافقة ، فماذا تُراه بقيَ لم يُكشف بعد ؛ من عورات الساسة الغربيين ، وحُلفائهم من الشرْقيين ؟ فهم لو تدثروا بجميع ثياب الدنيا وأقْمشتها : ما سترت شيئاً من عوراتهم الغليظة المكشوفة ، ولا يتعامى عن هذا الواقع البائس ، ويُصدِّق بكذبهم ، إلا عبدٌ منْكوس ، أو مُرْتزِقٌ مأجور ، أو تائه معْتوه ، على طريقة من وصفهم الله تعالى بالقردة والخنازير : ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ...) (5/42) .

          وإن من غرائب المسالك البرْجماتيَّة في السياسة الغربيَّة : هذا الثبات العجيب على هذا النهج القبيح الخادع ، في الجمع بوقاحة ولآمة بين السيئتين العظيمتين ، على طول سنوات المكْر ، دون ملل ولا كسل ولا فتور ، وكأنما هي الشياطين تنفُخ في روعهم ، كلَّما خبت نيران نفوسهم : زادوهم وقوداً وسُعاراً ، حتى ما يقضي أحدهم عقود عمُره التعيس : إلا على نحو ما بدأه من المكْر : (...ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ...) (24/40) ، فما يزداد الشقيُّ منهم بطول عمُره : إلا كفراً على كفر ، ونفاقاً على نفاق : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (3/178) .

          وإن المُتأمِّل ليدْخُله الذهول من حجم خداعهم بالباطل ، ومن قوَّة تماديهم في الكذب ، حتى اتَّخذوا من الوهم صناعة لهم ، يُروِّجون بها باطلهم ، ويُزيِّفون بها خداعهم ، ويُغلِّفون بها دجلهم ، إضافة إلى ما يُحقِّقونه من الصفقات التجاريَّة الكبيرة ، من بيع الأسلحة المتكدِّسة لديهم ، وتجريب أدائها على رؤوس المُستضعفين ، ومع ذلك كلِّه لم ينْفُضِ الساسة العرب ، والمُقاومون الأحرار : أيديهم من هؤلاء الأنجاس ، فما زالون يدوكون في طواحين أوهامهم الخادعة ، ويدورون في متاهات دروبهم المظلمة ، فما بلغوا في سعيهم شيئاً ، وما ازْدادوا بهم إلا خبالاً .

          وليتفحَّص الناظر في شأن الثورة السوريَّة على وجه الخصوص ، التي أحرجت الكافرين والمنافقين على حدٍّ سواء ، حتى لبسوا أثواب بعضهم بعضاً ، وتلحَّف بعضهم بألحفة بعض ، وما بقي لهم من عورة مستورةٍ : إلا بدت كأغْلظ ما تكون بروزاً وبشاعة ، حتى إنه لم يعد للمُتعاطين - في هذه الأزمة الفاضحة - وجهٌ يتميَّزون به ، فقد عادت مطالع صورهم : أدباراً لا وجوه لها .

           وإن الإنسان العاقل ليتعجَّب من حجم ما في قلوب هؤلاء الساسة الفجَّار ، من القسوة والغلظة والجبروت ، وما انطوت عليه نفوسهم من القوَّة والعنف والبطش ، حتى ما عاد للخير فيها موضع ، ولا للرحمة فيها مكان ، ولهذا لن يكون لهم في الآخرة من نصيب ولا خلاق ، وإنمَّا هي النار مثواهم ، وبئس المصير : ( أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (11/16) ، وليس ذلك ببعيد ؛ فإن كلَّ آتٍ قريب : ( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ، وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) (70/6-7) ؛ فإن يوم النصر الكبير ، الذي لا تعقبه هزيمةٌ أبداً ، ويوم الفوز العظيم ، الذي لا يشوبه نكدٌ ولا ألم : قادمٌ لا محالة ، ولكنَّه لن يكون في الحياة الدنيا ، فإنه لم يبقَ من الدنيا إلا بلاءٌ وفتنة ، وإنما هو نصْر الآخرة وفوزها : (...ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (9/72) ؛ فإن الظفر في الدنيا ، لا بد أن تعْقبه خسارة ، والنصر فيها ، لا بدَّ أن تتبعه هزيمة ، وما خلصت الدنيا لأحد قطُّ ، فكلُّ نعيم فيها مشوبٌ بنكد ، وكلُّ لذة يُخلطها ألم ، وكلُّ فرحة يُداخلها حُزن ، أبى الله - الحكيم العليم – على الدنيا إلا أن تبقى دنيَّة ، وأبى – سبحانه وتعالى – على الآخرة إلا أن تبقى عليَّة ، فعمَّا قليلٍ تنتهي المُهلة المحدودة ، ويأتي الوعد الحقُّ ، وينقضي أمر الدنيا ، وتُغْلق صحائفها ، وتُسدل سُتورها ، فلا يبقى منها إلا قيعانٌ مُصفْصفة ، قد سُوِّيَ منها كلُّ شيء ، فما بقي فيها علَمٌ لأحد ، ثم يأتي السؤال القاطع ، الذي لا جواب له من أحد ، إلا من الواحد الأحد : (...لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) (40/16) .

           هذا يوم فوز المؤمنين الصادقين العاملين ، هذا هو اليوم الحقُّ ، فلا كرب عليهم بعده ، فهم من حينه يتقلَّبون من فوز إلى فوز ، ومن نصر إلى نصر ، ومن خير إلى خير ، حتى يُؤذن لهم بدخول جنات النعيم ، تحت لواء سيد المرسلين – صلى الله عليه وسلم – ثم هم فيها - بعد ذلك - في نعيم مُتجدِّد ، وأنس متواصلٍ ، وقرَّة عين لا تنقطع ، وملك لا يبلى : ( لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ ) (37/61) ، ثم هم فوق ذلك على الدوام : (...مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ، عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ) (83/34-35) ، إنه ضحكٌ أهل الجنة على أرائك النعيم ، ليس هو كضحك الكافرين في الدنيا ، حين (...كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ) (83/29) ، بل هو ضحكٌ تنْشرح به الصدور ، وتبْتهج به النفوس ، في مقابل بكاء طويل لا ينقطع ، وحُزن دائم لا ينْجبر ، ممَّن كانوا يرقصون على دماء المستضعفين المسلمين ، ويتندَّرون بآلامهم وأشلائهم ، على النهج البرجماتي النفعي البغيض ، فخابت ظنونهم ، وانقطعت آمالهم : ( فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) (9/82) .

           ولهذا يتطلَّع المؤمنون إلى الآخرة ، ينتظرون يوم الخلاص ؛ يوم الفتح الأكبر ، والنصر الأعظم ، فلا يبتهجون لملذات الدنيا بإغراق ، ولا يأنسون لراحتها باطمئنان ، ولا يسكنون لأنسها باسترخاء ، بل هم دوماً في حذر الأتقياء ، وفي يقظة الأصفياء ، وفي نباهة الأولياء ، لا يطْمئنون للإنعام ، ولا يأْمنون الانتقام : (...فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) (7/99) .

 

 

]]>
Sun, 23 Jul 2017 11:48:56 +0300
مقتضيات الأمانة بين الظاهر والباطن                                         

  مقال شهر شوال 1438هـ     

مقتضيات الأمانة بين الظاهر والباطن

        الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه في الأرض ولا في السماء ، والصلاة والسلام على خير الناس ، نبيِّنا محمد بن عبد الله الهاشمي ، وعلى آله وصحبه الأخيار الأبرار ، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد .. فإن الطباع البشريَّة تتنوَّع مُتشكِّلة في صور ومشاهد وسلوكيَّات : يعجز المراقب عن حصرها في قائمة واحدة محكمة ؛ فلكلِّ خُلقٍ إنسانيٍّ – حسنٍ كان أو رديء – ينتظم في درجات ودركات من الصعود والهبوط ، التي يتشابه فيها الناس ، ولكنَّهم – مع ذلك - لا يتطابقون في جزئيَّاتها الشخصيَّة ، التي – غالباً – ما تختلف أقدارها وأحْجامها من شخصٍ إلى آخر ، فما من خُلق إنسانيٍّ إلا وقد ناله نصيبه من انتهاكات البشر ، يقلُّ ذلك أو يزيد ، بقدر بعْدهم وقرْبهم من معالم الرسائل والنبوَّة .

         غير أن السنة النبويَّة أشارت بوضوح ، إلى أن أوَّل ما يُنتهك من الأخلاق الإسلاميَّة - بعد اكتمال الدين - هو خُلُق الأمانة ، فيكون أوَّل خُلقٍ يدخله الخلل ، وينْتابه النقص ، فما يزال الناس يفقدون عناصر من أماناتهم شيئاً فشيئاً ، حتى يبلغون زمناً يندر وجود الأمين بينهم .

         وهذا نذير خطر في أن يتعامل الناس - فيما بينهم - دون مراعاة الأمانة الاجتماعيَّة ، وأخطر منه وأنكى أن تختلَّ أمانة المكلَّف فيما بينه وبين ربِّه – تبارك وتعالى – فلا يرْعى أمانة التكاليف الشرعيَّة ؛ بدءاً من صدق اعتقاده في الله تعالى ، ومروراً بصحَّة مقاصده ونيَّاته ، وانتهاءً بضبط طهارته ووضوئه وصيامه ، فلا سلطان على المرء – فيما يكون بينه وبين ربِّه – إلا ما يبعثه وازع الإيمان في قلبه ، الذي يحثُّه - من داخله - على التزام مقْتضاه في عباداته وأعماله الخاصَّة .

         وبنظرة سريعة بلا تأمُّل طويل ، يُدرك الناظر في الشرع الحنيف : أن النفاق الأكبر ليس أكثر من فقدان أمانة الباطن ، مع ما قد يبدو على السلوك من الالتزام بأمانة الظاهر ، فأمانة التكاليف بشقِّيها - الظاهر والباطن – تقتضي بالضرورة تمام الانسجام بينهما ، ولئن كان للعفو والمسامحة مدخلٌ هنا ، فهو في الشقِّ الظاهر من التكاليف الشرعيَّة فحسب ؛ لما قد يعتريه من الخطأ والنسيان والغفلة ، وما قد يحصل للمُكلَّف كُرْهاً بلا اختيار ، أما عمل الباطن بسلامة النيَّة والقصد ، فهذا القسم لا تدخله المسامحة ولا العفو ؛ لأن تحديد الإرادة ، وتعيين القصد ، وتوجيه النيَّة : لا يدخله الخطأ ، ولا يعتريه النسيان ، فمن قصد إلى الصيام ، فهو صائم شرعاً ، حتى وإن أكل أو شرب ناسياً في نهار رمضان ، ومن اجتهد قاصداً طهارة لباسه من النجاسة ، ولم يتفطَّن لنجاسة علقت به : ما ضرَّ ذلك صلاته ، ومن اقترض مالاً ، وقد عزم على ردِّه في أجله فعجز : لم يلحقه بعجزه إثم ، فالنيَّة الصالحة في مثل هذه الأمور الشرعيَّة ونحوها : تمنع لحوق الإثم بالمُكلَّف .

           وأبعد من هذا : أن من نوى مُتمنِّياً مقام قارئ القرآن ، أو أداء المنفق في سبيل الله تعالى ، أو دور معلِّم الناس الخير : فإنه ينال مثل أجورهم ، لا ينقص ذلك مما قدَّر الله لهم من الأجور شيئاً ، ولهذا جاء في الحديث أن : ( نيَّة المؤمن خيرٌ من عمله ) ، فهو بالنيَّة الصالحة يبلغ من الأجور ما لا يستطيعه بجهده إن حاوله .

           في حين أنه لو فسد مقصده من القيام بالأمر ، ثم ظهر أداؤه موافقاً للشرع : لم يكن له بذلك أجر ؛ كمن صلَّى صلاته رياءً ، أو أنفق ماله سمعة ، أو قاتل قتاله حميَّة ، فهؤلاء وأمثالهم كأنهم ما قاموا بشيء ، بل هم مأزورون على قبيح مقاصدهم غير مأجورين .

          ولهذا ربط النبيُّ صلى الله عليه وسلم - برباط وثيق - بين الإيمان والأمانة ؛ فقال : ( لا إيمان لمن لا أمانة له ) ، فلولا ضعف إيمانه برقابة الله تعالى ، وغفلته عن التهديد والوعيد : ما أقدم على تضييع أماناته التكْليفيَّة ؛ فإن ما استقرَّ في القلب – من الخير أو الشر – لا بدَّ أن يرشح أثره على السلوك ، فينطلق الإنسان موافقاً لباطنه .

          ومن هنا : فإن حاجة النشء إلى التربية على تعظيم الأمانة في نفوسهم ، يُعدُّ ضرورة شرعيَّة ؛ بحيث تتضافر مؤسسات المجتمع التربويَّة ، على تأكيد معانيها من الناحية الفكرية والعلميَّة ، ورعاية معاملاتها الاجتماعيَّة من الناحية السلوكيَّة والتطبيقيَّة ، فيكمل للناشئ الوسيلتين التربويَّتين : العلميَّة والعمليَّة في آنٍ واحد .

          ولئن كان الحديث عن الأمانة حاضراً : في الخطابات والرسائل الإعلاميَّة ، وفي خُطب الجُمَع المنبريَّة ، وفي المناهج والمقرَّرات الدراسيَّة ، وفي كثير من حديث الناس الاجتماعي ؛ فإن هذه المعالجات الفكريَّة والعلميَّة والوعظيَّة : تبقى عاجزة – بمفردها- عن تكوين اتجاهات سلوكيَّة حميدة لدى الناشئين ، ما لم يرافقها – جنباً إلى جنب – اتجاهٌ سلوكيٌّ جماعي ، يمارس – في الواقع الاجتماعي - تعاملات الأمانة وآدابها ؛ بحيث يعيشه الناشئ واقعاً اجتماعيًّا حيًّا ، فيتربَّى عليه بغير قصد مباشر ، ويتشرَّب معاييره دون تكلُّف مُرهق ، ومعلومٌ تربويًّا أن الأصل في الأخلاق الاكتساب ، فنيل الخُلُق يحصل للمرء بالتعاطي والمِران ، حتى يصبح له خُلقاً معتاداً ، يصدر عنه بيسر وسهولة ، فلا يحتاج أحدهم – لممارسته - بذل كثير جهد ، وهذا لا يحصل إلا بعد معاناة التربية .

        ولعلَّ في ضرب المثال ما يُجلِّي المقال ؛ ففي سلوك أمانة الطريق ، بإماطة الأذى عنه ، والامتناع عن تلويثه بالقاذورات ، حين يلتزم بهذا الأدب الكبار ، في تعاطيهم مع مخلَّفاتهم الشخصيَّة والمنزليَّة ، فيمتنع المربِّي القدير عن إلقاء ورقة مهملة في الطريق العام ، فضلاً عن أن يُلوِّثه بالقمامة المُتعفِّنة ، أو الفضلات الآدميَّة الجارية ، فهذا من شأنه تكوين نمط سلوكيٍّ إيجابيٍّ لدى الناشئ الصغير ، في احترام أمانة أدب الطريق ، حتى وإن لم يُرافق هذا السلوك الحميد كثير وعظ وإرشاد .

        في حين أن السلوك الاجتماعي العام ، المُعاكس لهذه الآداب ، والمُناقض لها في اتجاهها : لا يمكن أن يشكِّل عند النشء الجديد سلوكاً خُلقيًّا مُغايراً ، مهما تأيد بالآلة الإعلامية ، أو تأكَّد بالمنهج المدرسي ، أو استُدلَّ عليه بالنصِّ الشرعي ؛ لأن الدليل بالفعل والممارسة الواقعيَّة – في الطبيعة الإنسانيَّة – أقوى من الدليل بالقول المُجرَّد ، العاري عن الفعل الواقعي .

         بل إن الإنسان الملتزم بأدب الطريق - حين يتحرَّج من إلقاء منديلٍ في الطريق العام – يستهجن المجتمع - من حوله - سلوكَه ، باعتباره شذوذاً عن مسلك الجماعة العام ، الذي لا يُقدِّر للمارَّة حقَّهم في نظافة الطريق وطهارته ؛ فإن التمادي في إلقاء المهملات اليسيرة في الطرق : قد يسوق إلى الأفحش ؛ فإن من استخفَّ بالصغيرة هانت عليه الكبيرة ، حتى يبلغ بالوضيع إلى أن يقضيَ حاجته في موارد الناس ، فينال لعناتهم على قبيح صنيعه .

          ثم إن مشاعر الأمانة اليقظة - في حسِّ الإنسان المُرهف - لا تسمح له بانتهاك مكْروهاتها ، فضلاً عن أن يبلغ مُحرَّماتها ؛ فإن الشقَّة السلوكيَّة بين الفضيلة والقبيحة : تبدأ بغفلة يسيرة ، ثم ما تلبث حتى تتسع الهوُّة بينهما ، بما لم يكن يخطر ببال الغافل ، حتى ينتهي به المطاف إلى استمراء القبائح ، في غير خجل ولا استحياء ، وربَّما تمادت به خطوات انتهاكات حُرمات الأمانة ، لتعمَّ كلَّ جوانب الشخصيَّة الإنسانيَّة ، حتى ما تسلم منها زاوية .

           ولئن كان النفاق الخالص يتمُّ للتعيس باجتماع أرْباعه الأربعة : الغدرٌ ، والخُلْفٌ ، والكذبٌ ، والفجور ؛ فإن الواحدة من هذه كافية لهدم جانب من شخصيَّة الإنسان ، وتشويه صورته ، فكيف باجتماعها جميعاً في شخص واحد ؟ فالغدر بعد العهد لؤْمٌ ، والخُلْف بعد الوعد خيانة ، والكذب بعد الصدق قبيحة ، والفجور بعد الأخوَّة رذيلة ، وكلُّها انتهاكٌ للأمانة ، وانتقاصٌ من حُرمتها .

          والإنسان في تفاعلاته الاجتماعيَّة ، وتعاطيه مع الجماعة : لا يعدو أن يكون بين هذه الأركان الخلقيَّة الأربعة ؛ فهو بين وعد يقْطعه ، أو عهد يُبْرمه ، أو كلمة يُطْلقها ، أو خصومة يتنازعها ، فإذا فقدَ مقْتضياتها من الأمانة التكليفيَّة : فقد فاته من إنسانيَّته بقدر ذلك ، فهو من السوء بين مُستكثرٍ ومُستقلِّ ، فإذا اجتمعت له هذه القبائح الأربع ، فلا تسأل عن هلاكه .

         

 

 

]]>
Sun, 25 Jun 2017 14:29:42 +0300
صورة المرأة في المناهج الدراسيَّة مقال شهر رمضان 1438هـ

صورة المرأة في المناهج الدراسيَّة

     

          الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد .. فإن من محاسن الشرع الحنيف : أن الرسالة الخاتمة ، التي انقطع بعدها الوحي المبارك عن أهل الأرض : جاءت كاملة مكمَّلة ، شاملة مستوعبة ، متطوِّرة متجدِّدة ؛ بحيث تواكب مستجدات الناس ، وحاجاتهم المتنوِّعة، في كلِّ زمان ومكان ، فيجد المجتهدون - حين يستفتون الشريعة - أجوبتهم عما يستجد لهم من قضايا علمية وفقهية ، مما يفتقر إلى نظرات المجتهدين واستنباطاتهم ، وهذا دائمٌ مستطرد من فعل الشريعة ، فلن يأتي يومٌ على المسلمين : يعجزون فيه جميعاً عن معرفة الحكم الشرعي ، في أيِّة قضية تظهر لهم ، من مستجدات تفاعلاتهم الحياتية : العلميَّة والعمليَّة ، ما داموا يرجعون - في كلِّ ذلك - إلى شريعتهم المباركة ، مستفتين ومتتلْمذين .  

         ورغم ما استجدَّ في العصر الحديث من القضايا الكثيرة ، والمشكلات الإنسانيَّة العويصة ، لا سيما المتعلِّقة بالاتصالات والمواصلات ، وتقنية المعلومات ، ومسائل الاقتصاد ، والعلاقات الدوليَّة ، والنزاعات السياسية والعسكريَّة ، وقضايا الغلو والتطرف ، وما يُقابلها من قضايا الفساد والإفساد ، ونحو ذلك مما هو كثير وواسع : فما زالت الشريعة – كما كانت - تُجيب عن كلِّ ذلك ، بلا حرج ولا قصور ، فإن وُجد تباطؤٌ ، أو قصورٌ عند بعض مجْتهدي العصر في الاستنباط الشرعي ، لبعض الوقائع المستجدَّة : فهذا لا يرجع إلى الشرع العظيم ، وإنما يرجع إلى قدرات المجتهد ومهاراته ، وقبل كلِّ ذلك يرجع إلى ما يُقدِّره الله تعالى للعالِم من التوفيق والتسديد ، للاستخراج الفقهي الأصوب ، والاستنباط العلمي الأكمل ، فلا لوم في ذلك على الشرع ، فنصوصه المباركة غير مُتناهية العطاء .

         ولعل من أبلغ الأمثلة في هذا المجال : ما يتعلَّق بقضايا ومسائل فتاوى المرأة ، أو ما يُسمَّى : ( فقه المرأة ) ، فرغم ما حظيت به النساء من الوحيين - الكتاب والسنة - من العناية التامَّة ، والرعاية الربَّانيَّة الخاصَّة ، والرحمة النبويَّة الحانية ، وما أبدعه علماء الأمة من المجتهدين الأوائل حول قضاياها المختلفة ، فما زال الواقع الحديث يتعثر في كثير من مسائل المرأة الفقهية ؛ بين مانع بإغلاق ، وبين مُنفلت بإفراط ، والشرع قطعاً ودائماً هو وسط بين المذمَّتين ، غير أن كُلاً من الفريقين يدَّعي لنفسه الوسط ، ويدفع عنها الإفراط والتفريط .

         وبلاد الحرمين الشريفين ، معقل الإسلام وملاذه الأول والأعظم ، فهي أوْلى البلاد الإسلامية للتعبير عن الوجهة الدينية الصحيحة ، والالتزام بقضايا الشرع الحنيف ، في كلِّ مناحي الحياة الإنسانية المختلفة ، خاصَّة فيما يتعلَّق بالمستجدات الحديثة ، في قضايا المرأة المسلمة وشؤونها الخاصَّة والعامة ، لا سيما في هذا الزمان ، فإن ما يُمارس في حقِّها في عالم اليوم ، في كثير من بقاع العالم المعاصر ؛ من الظلم والاضطهاد ، والخسف والاستغلال ، والفتك والتدمير : شيءٌ مهول ، يُخرس أدعياء تحريرها المُبطلين ، ويُلْجم أفواههم بالحقائق المؤلمة ، والوقائع الآثمة المستمرة ، ونظرة واحدة إلى المرأة السورية ، أو العراقية ، أو اليمنية ، أو البورمية : تقطع كلَّ دعاوى حقوق المرأة ، وتفضح أكاذيبهم وحكاياتهم ، فقد أيقنت شعوب العالم المعاصر : أن حقوق المرأة نداءات جوفاء ، لا تعدو حدَّ الاستهلاك الإعلامي ، والدعاية الصحفيَّة الرخيصة ، ولا تتجاوز – في جملتها - إطارات التنميق والتزويق ، الذي تتطلبه دبابيج مُفْتتحات وثائق الأمم المتحدة ، ومنظماتها الدوليَّة المُتهالكة ، التي لم يعد لها دورٌ فاعلٌ تقدِّمه للإنسانيَّة بعامَّة ، والمرأة بصورة خاصَّة ، إلا أن يكون التسويغ الرسميُّ للانتهاكات البشعة ، والمظالم المُجْحفة ، بحقوق الضعفاء والمُضْطهدين ، في عالم الغابة الدوليَّة المُوحشة ، التي لا ترحم الضعفاء ، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من انتهاك حقِّ الضعفاء والمساكين بعامَّة ، فقال : ( إن الله لا يقدِّس أمة ، لا يأخذ الضعيف حقَّه من القوي ، وهو غير مُتعتع ) ، وقال في حقِّ اليتيم والمرأة بخاصَّة ، مُؤثماً الظلمة : ( اللهم أني أحرِّج حقَّ الضعيفين : اليتيم والمرأة ) .

           وفي هذا الخضم العظيم من مآسي المرأة المسلمة المعاصرة ، وفي هذا المعترك المؤلم من واقع الأمة المُتردِّي : تُطرح للنقاش المستَهلك - في مجلس الشورى - قضية صورة المرأة في المقررات الدراسية ، ضمن المناهج التعليميَّة في بلاد الحرمين الشريفين ، بعد أن نجح تعليم المرأة في المملكة بكلِّ المقاييس ، وبلغ أعلى مستوياته العلميَّة ، دون التعرُّض لمثل هذه المسائل المثيرة ، التي تُضعف اللحمة الوطنيَّة ، وتثير النزاع الاجتماعي ، في وقتٍ البلاد فيها أحوج ما تكون إلى الألفة والاجتماع .

          ثم يأتي هذا الطرح للنقاش : بعد أن اقتحمت أجساد غالب نساء العالم كلَّ صعب وذلول ، من مرافق الحياة وأنشطتها المختلفة بلا استثناء ، فضلاً عن صورهنَّ التي عجَّت بها زوايا الدنيا بأجمعها ، حتى ما عاد للمرأة - فضلاً عن صورتها – حُرمة يقف عندها التجَّار المروِّجون ، والفُجَّار المُتجرِّئون ، حتى غدت أجساد النساء : مطيَّة المُستهلِك إلى المُنتجات التجاريَّة ، ثم لم يبقَ - بعد كلِّ هذا العجِّ - إلا مناهجنا الدراسيَّة ، التي تفتقر إلى صور النساء المشاركات في التنمية !! باعتبار أن تقصُّد هذا الإغفال لصورهنَّ : سلوك مشين في حقِّهنَّ الاجتماعي ؛ لكونهنَّ مُقاسماتٌ للرجال في الجهود التنمويَّة ، فالحجَّة تكمن في عضويَّة المرأة ضمن قطاعات القوى العاملة ، فمن كان عضواً مُشْتغلاً بشيء من الأنشطة الاقتصاديَّة العامة ، فلا يجوز إغفال دوره على أيِّ نحوٍ كان ، ولو كان ذلك في مجرَّد حرمان المرأة من البروز بصورتها في المناهج الدراسية ، مُناصِفةً الرجلَ في حجم تكرار حُضورها الفوتوغرافي ، سواءً بسواء .   

         وبناءً على هذا المنطق في اعتبار الحقوق على هذا النحو ؛ فإن ما يُراد دفعه من الظلم عن المرأة بالصور ، لمجرَّد كونها مشاركة في التنمية ، فهو عين ما يجب دفعه عن طبقات العمَّال الوافدين ، الذين قامت التنمية على أكتافهم منذ عقود ، وما تزال قطاعات كاملة في دول الخليج تزْخر بهم ، فهم عناصر تنمويَّة أصيلة ، ومع ذلك لا يُشار إليهم في المناهج الدراسيَّة من قريب ولا من بعيد ، ولا يجدون من ينافح عنهم في ذلك ، بل تَوجُّه السياسات الاقتصاديَّة يسير ضدَّهم ، ضمن خطط توطين الوظائف العُمَّاليَّة .

          ولا يصحَّ رفض اعتبار ذلك حقًّا منطقيًّا للوافدين ؛ لتقاضيهم أجوراً على مشاركتهم في جهود التنمية ، فالنساء المواطنات المشاركات في التنمية : يتقاضين أجوراً أيضاً على جهودهنَّ ، سواءً بسواء ، وحجَّة تحويل الوافدين أكثر أموالهم خارج البلاد ، فهذا مع كونه حقًّا مشروعاً لهم بالدرجة الأولى ، وواجباً شرعيًّا عليهم ، تجاه من خلَّفوهم وراءهم في بلادهم من النساء والذرِّية ، وكونهم مُرحَّلين إلى أوطانهم في نهاية المطاف ؛ فإن المعيب على كثير من المواطنين أبلغ في تحويلهم - مُخْتارين - مبالغ ماليَّة طائلة نحو دول أجنبية ؛ لمجرَّد المتْعة الصيفيَّة ، لا تقلُّ في حجمها عن تحويلات الوافدين ، فضلاً عن الاستثمارات التجاريَّة والصناعيَّة ، التي يعقدونها ويُقيمونها خارج بلادهم الأصلية ، وليتأمل – من له بصيرةٌ – في فرْحة الرئيس الأمريكي المُنتخب لعام 2017م : دونالد ترامب ، وهو يُبشِّر شعبه – بملء فيه - بوظائف جديدة كثيرة ، بعد إبرامه عقوداً اقتصاديَّة فلكيَّة الأرقام ، مع بعض دول الخليج العربية ، فلا عيب على من يسعى لمصلحة نفسه ، وإنما العيب - كلُّ العيب - على من لا يسعى لمصلحة نفسه .

          ومن هنا ، فالأولى بالحريصين على حقوق المرأة : تجنُّب استخدام هذه الحجَّة لتسويغ إبراز صورهنَّ في المقرَّرات الدراسيَّة ، فإعطاء المرأة حقوقها لا يكون بنشر صورها الفوتوغرافيَّة ، وإنما بإعمال ما قرَّرته الشريعة المباركة ، في نصوص الوحي المقدَّس ، التي وضعت أعضاء المجتمع جميعاً في منازلهم اللائقة بهم ، فأية منزلة تُراها ألْيق بالمرأة المسلمة ، حين يُشير صاحب الرسالة – عليه الصلاة والسلام – للرجال جميعاً ، ويُلفِت اهتمامهم إلى موضع الجنة عند أقدام أمَّهاتهم ؟ في مقابل من ينافح لوضع صورتها على أوراق كتب مدرسيَّة ، مصيرها معلومٌ في نهاية العام الدراسي .

          وعلى الرغم من كثرة الدراسات العلمية الميدانيَّة ؛ العربيَّة منها والعالمية ، التي اهتمَّت بصورة المرأة في وسائل الإعلام ، والأخرى التي اهتمَّت بصورهن في المناهج والمُقرَّرات الدراسية بوجه عام ؛ فإنها تكاد تُجْمع - في غالبها - على تخلُّف حضورهن من جهة العدد والتكرار ، وتخلُّفهنَّ أيضاً من جهة الحضور الإيجابي ، ضمن مواقف تشريف مرْموقة ، تُبرز مكانة المرأة في صدر التفاعلات الاقتصاديَّة والتنمويَّة .

           وهذه النتيجة العلميَّة هي انعكاسٌ طبيعيٌ – غير مقصود - للواقع الاقتصادي العالمي ، الذي حصر – غالب – مناشط المرأة الاقتصادية ، ومشاركتها في القوى العاملة : ضمن القطاعات الخدميَّة ، التي تشبَّعت بأعدادهنَّ المُتكدِّسة ، ضمن وظائف مُتدنية لا بريق لها ، مما يزهد في شَغْلها الرجال ، ما لم يكن بعضهم مضطَّراً إليها .

        ولئن كان لكلِّ قضية من قضايا المرأة أنصارٌ ينادون بها في المجتمع ؛ كهذه المسألة ، فإن مسألة تصوير الأحياء ، مما لا ظِلَّ له : قد قال بها جمهور فقهاء العصر ، لا سيما عند قيام الحاجة إلى التوثيق ، ومع ذلك ليست صورة المرأة كصورة الرجل ، فلا يجعلُهما في حكم تشريعيٍّ واحد ، إلا من استرخص حسَّه الفطري ، وعطَّل نظره العقلي ، ممن فقدوا مشاعرهم الطبيعيَّة ، فلم يعودوا يُميِّزون بين أجساد الرجال وأجساد النساء ، فهذه مسألة لا تحتاج إلى بيان ، ولولا هذا الفارق البيِّن بين الجنسين : ما طُرحت المسألة أصلاً للنقاش والحوار .

        والمُراجع لفتاوى العصر : يجد عناية العلماء بالترخيص الشرعي ، لكلِّ ما يفتقر إليه الناس ، من مسائل التشريح ، والتجسيم ، فضلاً عن التصوير ، غير أن كلَّ ذلك مقيَّد عندهم بقيود الشرع وضوابطه ، وليس هو موكولٌ إلى أهواء الناس وميولهم ، وما يُقدِّرونه بعواطفهم ومشاعرهم ، خارج أصول وضوابط الاستنباط الفقهي .

        ولعلَّ في ذكر بعض هذه الضوابط والقيود الشرعيَّة : ما يُجلِّي هذه القضية المطروحة للتداول والنقاش ، ويُسهم – بإذن الله تعالى – في تسديد الرأي ، وبلوغ الصواب :

  1. 1.   عورة المرأة أوسع ساحة في الشرع من عورة الرجل .
  2. 2.   عناية الشرع بستر عورات النساء أعظم من عنايته بستر عورات الرجال .
  3. 3.   الخلاف الفقهي في إبداء وجه المرأة للأجنبي : لا يجعل حكم النظر إليه كحكم النظر إلى وجه الرجل ؛ بحيث تُنصب صورة المرأة منْظرةً للجميع ، لا سيما صور المُستحسنات منهنَّ .
  4. 4.   إظهار شيء من صور جسد المرأة : مقيَّد بحجم الحاجة الشرعيَّة إلى ذلك ، فالرخصة التعليميَّة في هذا تُقدَّر بقدرها ، وتزول بزوالها .
  5. 5.   ما أمكن التعبير عنه من جسد المرأة بغير الصورة الحقيقية : تعيَّن الذهاب إليه ، إذا تحقَّق به المقصود التعليمي .
  6. 6.   يمكن لمجموع الرسوم : الرمزيَّة ، والتشكيليَّة ، والكرتونيَّة ، أن تقوم مقام الصورة الحقيقية للمرأة ، في الأداء التعليميِّ المطلوب .

           هذا من الوجهة الشرعيَّة للمسألة ، أما من وجهتها التربويَّة ، في التعامل التعليميِّ الأمثل مع عقليَّة الطفل ؛ فإن مراعاة التعبير باللَّفظ أنضج لعقل الطفل وأفضل من التعبير بمطْلق الصورة ؛ لأن اللفظ اللغوي أبلغ في تشغيل دماغ الطفل ، وأنفع في إثارة خياله ، في حين أن الصورة - بالفعل - تختصر الوقت المُخصَّص لتقديم الفكرة التعليميَّة ، ولكنها – مع ذلك – تُعطِّل جزءاً مُهمًّا من نشاط الطفل العقلي ، الذي يعتمد على المعاني التعبيريَّة ، وقائمة المُفردات اللغوية ، التي تعمل – بمجموعهما – على إثراء حصيلته اللغويَّة النامية بمفردات جديدة من جهة ، وفتْق ذهنه بالمعاني التعبيريَّة من جهة أخرى ، وما زالت اللغة أداة الإنسان الأولى والأهم في بناء عقله ، ونضج فكره ، وتنمية ذكائه .

         ولهذا ينتفع الطفل بالدمية البدائية الصنع ، الناقصة المعالم والملامح ، وباللَّعبة السهلة الساذجة : أكثر من انتفاعه بالدمية فائقة التصنيع ، وما يلحق بها من الألعاب الصناعيَّة المُتْقنة ، ذاتية الحركة والتشغيل ، مما لا يكون للطفل معها دور إيجابي في أدائها والتفاعل معها ، في حين أنه يَبْعث خياله ، ويُعْمل ذهنه ، ويُحرِّك بدنه : مع الألعاب الساذجة اليسيرة ، فيُكمل بخياله نقصها الشكلي ، ويُتمُّ بيديه قصورها الحركي .   

          وكلُّ متأمِّل في سلوك الأطفال الصغار : يجدهم - في الغالب – يرفضون السلبيَّة في تناول الألعاب الصناعيَّة - ذاتيَّة الأداء والحركة - من نوع ما : يرقص ، أو يُغنِّي ، أو يجري ، ولهذا قلَّما تستهويهم هذه الألعاب لمدَّة طويلة ، فغالباً ما يتناولها أحدهم بالفتْك والتحْطيم ، في حين تبقى لهم مُتعة الألعاب الساذجة مدَّة أطول ، مع ما تخْلُفه عليهم من الإيجابيَّة العقليَّة ، ولعل هذه الإيجابيَّة الفريدة وراء الإذن الشرعيِّ ، في الترخيص للأطفال بمثل هذه الألعاب .     

          وبناء عليه : يُستحسن – تربويًّا - أن يبقى مطْلق استخدام الصور ضمن نطاق الحاجة التعليميَّة التي لا بدَّ منها ، ولا يُتجاوز بها حدود الرخصة الشرعيَّة بضوابطها ، فضلاً عن أن تكون الصور موضع متعة وتفرُّج ، لما أمر الله تعالى بستره وحفظه من العورات بعامة ، وعورات النساء بخاصَّة .  

 

 

]]>
Sat, 27 May 2017 18:31:35 +0300
نقد طاغوت العلمانيَّة مقال شهر شعبان 1438هـ

نقد طاغوت العلمانيَّة

            الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيِّدنا رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد .. فإن الصبغة الربَّانية للشخصيَّة الإسلامية : تتغلغل في كلِّ مفاصل وجزئيات حياة الإنسان ، فلا يفوتها منه باطنٌ من : اعتقاد ، أو نيَّة ، أو إرادة ، أو خاطر ، أو هاجس ، ولا يفوتها منه أيضاً ظاهرٌ من : قول ، أو فعل ، أو سلوك ، فكلُّ ذلك مشْمولٌ بصبغة الله تعالى ؛ بحيث يخلُص العبد كلُّه لله تعالى ، فلا يبقى منه حظٌّ للنفس أو الشيطان : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) (51/56) .

          إن تصوُّر هذا الشمول ، على هذا النحو المُطْبق على الكيان الإنساني بأجمعه ؛ بحيث لا يفوت منه معنويٌّ ولا مادي : لن يكون قبوله مستهجناً على العقل البشريِّ إن هو تأمل وتدبَّر ؛ فإن مُقتضى الملك - في عُرف الناس - يقتضي حقَّ المالك في التصرُّف الكامل فيما يملك ، والله تعالى يقول في كتابه عن شمول ملكه في الإنسان : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) (37/96) ، فالذي خلق الإنسان كياناً ، وخلق تصرُّفاته وأفعاله الإراديَّة والعفويَّة سلوكاً : لا بدَّ أنه مالكٌ لكلِّ ذلك قطعاً ؛ إذ ليس في الوجود إلا خالقٌ ومخلوق ؛ خالقٌ له مطْلق الكمال التَّام بلا مُنازع ، ومخلوقٌ ناقصٌ قاصرٌ ضعيفٌ ، يستمدُّ بقاءه من صاحب البقاء المطْلق سبحانه وتعالى ، وهذا يقتضي أن لا يكون في الوجود إلا ربٌّ ومرْبوبٌ ؛ ربٌّ واحدٌ يُنشئ عبيده من عدم ، ثم يتولاهم بإحسانه وفضله ، ويكْلؤهم برعايته ورحمته ، ومربوبٌ فقيرٌ مُعوز ، مُحتاجٌ إلى ربِّه – بصورة دائمة مطْلقة - في جميع شأنه ، وفي كلِّ وقته .

          وهذا الواقع الكونيُّ – بالضرورة - يستلزم في نهاية المطاف : أن لا يكون في الوجود إلا إلهٌ واحد معبود ، وكلُّ ما سواه – سبحانه - عبيدٌ يتألَّهونه ، إما بإرادتهم واختيارهم ، وإما بقهْره وجبْره إيَّاهم ، وسلطانه التَّام عليهم ، فيشملهم ذلك جميعاً ؛ سواءً العاقل منهم أو البهيم ، الماديُّ أو المعنوي ، الساكن أو المُتحرِّك ، الحيُّ أو الميِّت ، لا يشذ عن ذلك شيء في الوجود : من كبير أو صغير ، عظيم أو حقير : (...وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (10/61) .                   إذا تقرَّر هذا : كان الله – جلَّ وعلا – وما زال هو وحده المُستحقُّ للعبادة الخالصة ؛ وذلك لخلْقه وقهْره ، وفضله وإحسانه ، وتمام مُلكه وسلطانه ، فهذه مقْتضيات الملك ، التي مُنع منها كلُّ مخْلوق ؛ إذ لا تنبغي إلا لواحد ، أحد ، صمد ، قادر : (...وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (5/17) ، فليس في الوجود شيء خارجٌ عن ملكه وإرادته وجبروته : ( إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) (19/93) ، فليس للمخلوق مع خالقه – جلَّ جلاله – إلا مقام العبوديَّة وحده ، يتزكَّى به ويصلح ، ويتشرَّفُ به وينبُل ، أو له الأخرى الحقيرة : مهْبط الكبْر والعُجب والإباء : يُذلُّ بذلك ، وينْحطُّ به ويخْنس ، كحال اللعين الأول : ( قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا...) (7/18) .

          إذا استقرَّ هذا الفهم ، عن شمول ملكه – سبحانه – لكلِّ الموجودات ؛ لكونه خالِقُها ومُوجدها : فإن مقتضى هذا الملك ، وأهم مستلزماته ، وأخصُّ خصائصه ، هو حقُّه – تبارك وتعالى - في الأمر ، المُتضمِّن حقَّ التشريع للعبيد ، وإلْزامهم بأنواع التكاليف المختلفة ، فيقول - جلَّ وعلا – جامعاً بينهما : (...أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (7/54) ، فلا يكون أبداً خلْقٌ بلا أمر ؛ إذ يستحيل في العرف والعادة أن ينفصل حقُّ المُلك عن حقِّ التصرُّف ، فهُما قرينان لا ينفصلان ، وكذلك في الجانب الآخر – كما هو مفروضٌ شرعاً - لا يكون أمرٌ بلا مُلْك ؛ إذ لا بدَّ للآمر بأمره أن يكون خالقاً لمُلكه ، وهذا مُستحيلٌ على العبيد المخْلوقين ، فلا يكون إلا لمالك الملك وحده سبحانه وتعالى .

           وبناء على ذلك ، فإذا تصرَّف المخْلوق بأمر نفسه - سواء في ذاته أو في غيره - إنما يغتصب حقَّ الخالق وحده في الانفراد بالأمر ، ولهذا دائماً ما يدَّعي الطاغوت الألوهيَّةَ من أجل الأمر والنهي ، ولا يدَّعي الربوبيَّة لعجزه البيِّن عن الخلْق ، فما زال الطواغيت - في القديم والحديث - تستعبدون الناس قهْراً بالطاعة والإذعان لتشريعاتهم ، ولكن يخسأ أحدهم حين يروم تعبيدهم بحقِّ خلْقِه إيَّاهم .

           ورغم وضوح الفرق الجليِّ ، بين من يخلُق ومن لا يخلُق : ( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) (16/17) ؛ فإن عمى البصيرة قد ينْزل بالمبْصرين ، فتخْتلط عليهم صفات الخالِق العظيم ، بصفات المخلُوق الأثيم ، فيخْلعون على الطواغيت من صفات الألوهيَّة والربوبيَّة : ما لا يجوز إلا للخالِق وحده جلَّ وعلا ، فينطلقون يأمرون وينْهون من عند أنفسهم ، ويُحلِّون ويُحرِّمون بأهوائهم ، فيتبوَّأ الطاغوت - من خلال اغتصابه حقَّ التشريع - مقام الخالِق – سبحانه - صاحب الأمر ، فلا يجد المُسْتعبدون الأذلاء ، إلا الإقرار للطاغوت بألوهيَّته عليهم : ( وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ...) (7/127) ، وفي قراءة : ( وإلاهتك ) ، قال أهل اللغة : (الإلاهة : العبادة ؛ فالمعنى : يذرُك وعبادة الناس إيَّاك ) (زاد المسير لابن الجوزي 3/244) ، وقال الأستاذ سيد قطب في ظلال القرآن (3/1353) : ( إن فرعون لم يكن يدَّعي الألوهيَّة ؛ بمعنى أنه خالِق هذا الكون ومُدبِّره ، أو أن له سلطاناً في عالم الأسباب الكونيَّة ، إنما كان يدَّعي الألوهيَّة على شعبه المُسْتذل ؛ بمعنى أنه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه...وهذا ما يدَّعيه كلُّ حاكم يحكم بشريعته وقانونه ) ، فإعطاء حقِّ الطاعة المُطْلقة لمخلوقٍ ، يحكم بهوى نفسه ، بغير هدىً من الله تعالى : فهذه عبادةٌ له ، حتى وإنْ ادَّعى – العابد والمعبود – غير ذلك : ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ...) (9/31) ، وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم – رضي الله عنه – في طاعة النصارى المطْلقة لرهبانهم ؛ يُحلِّون ويُحرِّمون حسب أهوائهم : (...فتلك عبادتكم إيَّاهم ) ؛ إذ ليس مفهوم العبادة قاصراً على مظاهر الذل البدني ؛ من ركوع وسجود وانكسار ، بل هو أشمل من هذا ، وربَّما أخطر منه ، حين يستوي الخالقُ والمخلُوقُ - في حقِّ التشريع - في حسِّ الإنسان ، فلا يُفرِّق بين مَن له حقُّ التشريع المطْلق بمقتضى الملك ، وبين مغتصبٍ فاجر ، يدَّعي الألوهيَّة لنفسه على الناس .

          وهذه تسْوية مرفوضةٌ حسًّا ومعنىً ، ومع ذلك يقول بها العُميان – رغبةً أو رهبةً – حتى إذا وَافُوا القيامة بضلال عبادتهم : برُّوا في قسمهم على ضلالهم ، وصدقوا في حَلِفِهم على شرْكهم : ( قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ، تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ، إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (26/96-98) ، فكيف خفيَ - على هؤلاء الضُّلال - فساد هذه التسوية المقيتة ؟ وهم يشاهدون قصور طواغيتهم البيِّن عن مطْلق الخلْق : (...إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ...) (22/73) ، ثم هم بعد هذا العجْز الفاضح عن مطْلق الخلْق - ولو كان في شأن أحْقر الكائنات - هم أيضاً عاجزون - ولا بدَّ - عن مقْتضاه من المُلك : (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ) (34/22) ، فلا هم يخلقون ، ولا هم يملكون ، فكيف لمثلهم أن يتألَّه على من دونه من الناس ؟!

           إنهم لا يتمكَّنون من ركوب رقاب الناس ، وإخضاع نفوسهم وشُخُوصهم ، إلا حين يفقد الواحد منهم إنسانيَّته ، وتنحطُّ نفسه وكرامته ، فتتعطَّل قدراته العقليَّة ومداركه ، التي تُميِّزه عن البهيمة العجماء ، التي لا تُفرِّق بين من يمْتطيها من الراكبين ؛ فقد يركبها نبيٌّ مُرسل ، وقد يركبها شقيٌّ مُبْطل ، بل إن بعض الأشقياء : ليلْتذ بالذل والمهانة ، لذة العزيز بالحريَّة والكرامة ، وهذا من أعجب ما يكون من بني آدم : ( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) (39/45) ، فما يكون فيه عزُّ أحدهم بالتوحيد والحريَّة : يستبدله بما فيه ذلُّه ومهانته من الشرك والعبوديَّة ، قال الأستاذ سيد قطب في ظلال القرآن (5/3055) على مفهوم هذه الآية : ( فمن الناس من تشمئزُّ قلوبهم ، وتنْقبض نفوسهم ، كلَّما دُعوا إلى الله وحده إلهاً ، وإلى شريعة الله وحدها قانوناً ، وإلى منهج الله وحده نظاماً ، حتى إذا ذكرت المناهج الأرضيَّة ، والنظم الأرضيَّة ، والشرائع الأرضيَّة : هشُّوا وبشُّوا ، ورحَّبوا بالحديث ، وفتحوا صدورهم للأخذ والردِّ ) .

         إن هذا التأصيل العقدي للمسألة التشريعيَّة في نظام الحكم الإسلامي - على هذا النحو - يدحض الفكرة العلمانيَّة من جذورها ، ويقْتلع قضيَّتها من أصولها ، فلا يبقى لها مستندٌ ترجع إليه ، ولا حجَّةٌ تركن إليها ، فما يُحاول أن يلوكه العلمانيُّون من مسوِّغات فصل الدين – الذي هو إرادة الله الشرعيَّة من عبيده – عن معترك الحياة العامة : هو في حقيقته لا يعدو أن يكون محاولةً بائسةً يائسةً ، لاقْتطاع جزء من ملك الله تعالى العتيد ، واغتصاب طائفة من سلطانه المجيد ، ليكون في يد طاغوت حقير مريد ؛ إذ الكلُّ يعلم أن دعوى فصل إرادة الله الدينيَّة عن الحياة بأكملها ، أو حتى عن جزء يسير منها : هي دعوةٌ كاذبة في جوهرها ومضمونها ؛ لأن من لا يملك نفسه ، ولا يخلق فعله : هو قطعاً لا يملك غيره ، ولا يصنع فعله ، فكيف ساغ لمن دونه موافقته على مشروعه الآثم ، في فصل مراد الله تعالى الشرعيِّ – صاحب الخلْق و الأمر - عن طائفة من مناشط الحياة الإنسانيَّة ، فضلاً عن الاستبعاد الكامل لشرع الله تعالى المنزَّل .

           إن الطاغوت العلماني لا يحتاج إلى تبرير جريمة طغيانه واغتصابه ، فهو يتلذذ بالسلطة على الأغبياء ، ويتنعَّم بالترأس على السفهاء ، فعلامَ يتحرَّج المستفيد من طُغيانه ؟ وإنما العجب كلُّ العجب ممَّن يستلذ مسْتمْتعاً بالهوان ، ويرضى خانعاً للطغيان ، وهو في كلِّ هذا خاسرٌ بكلِّ حال ، وإنما حظُّه من الذل والهوان : أن يذوب مُحترقاً لأنس غيره بلا مقابل : (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ) (40/47-48) ، فهذه هي - وربِّ الكعبة – الخسارة الكبرى ؛ إذ ليس وراء خسارة حظوظ الآخرة أكبر منها : (...قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (39/15) .

          إن ممَّا ينبغي أن يُستوعب من خطر الفكرة العلمانيَّة : أن اغتصاب حقِّ الله تعالى في يسير السلطة التشريعيَّة ، كالاغتصاب في كثيرها ، فكلاهما جريمة لا تُغتفر ، فاستباحة اليسير من حقِّ الله تعالى في التشريع والسلطة ، كاستباحة الكثير منه ؛ إذ لا يحتاج الطاغوت لولوج الكفر الأكبر : أن يُخالف مُسْتحِلاً كلَّ الشرع المُحكم المُتفق عليه ، بل إن واحدة من ضروريَّات الدين المعلومة المشهورة للعامة والخاصَّة : تكْفيه للدرك الأسفل من النار .

           ولئن كان الكفر بعضه أشدُّ من بعض ، والإثم بعضه أكبر من بعض ، وجهنَّم طبقاتٌ ودركات ، ومع ذلك فالنار مثواهم جميعاً : (...إِنَّا كُلٌّ فِيهَا...) ، فأقلُّهم عذاباً من له نعلان من نار ، يغلي منهما دماغه ، لا يرى أن أحداً أشدُّ منه عذاباً ! فما أغنى عن الطاغوت العلمانيِّ قليل كفره ، وقد حُبس في النار مع أئمة الكفْر ؟ فالذنب الأكبر قد حبس الجميع ، إلا أن يكون بعضهم أشدُّ عذاباً من بعض : (قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ) (7/38) .

          إن العبيد المكلَّفين لا يجوز لهم أن يُزاحموا إرادة الله تعالى الشرعيَّة في قليل ولا كثير ممَّا بلَّغتهم به الرسل ، فليس لهم في ذلك إلا الطاعة ظاهراً وباطناً ، تماماً كما أنهم كلُّهم لا يزاحمونه – سبحانه – في شيءٍ من إرادته الكونيَّة القاهرة ، فهم إن كانوا عاجزين عن التأثير في شيء من مُجْريات الكون وأسبابه ، فإنهم كذلك عاجزين عن التشريع لأنفسهم ، في قليل شأنهم وكثيره ، فلا مدخل للفكرة العلمانيَّة ، في محاولة فصل جزء من الحياة عن سلطان الله تعالى التشريعي ، تحت أيِّ اعتبار من : تحديث ، أو تطوير ، أو تجديد ؛ لأن الحكمة الربَّانية في الرسالة المحمديَّة الخاتمة : قد استوعبت تماماً جميع الثوابت والمُتغيِّرات ، فلم يعْزب عن اللطيف الخبير – جلَّ وعلا – صغيرٌ ولا كبيرٌ من حاجات وتحسينيَّات عباده التشريعيَّة ، فضلاً عن رعايته – سبحانه تعالى – لضروريَّاتهم التي لا بدَّ لهم منها ، فالقصور الشرعي الذي يحكيه طاغوت العلمانيَّة ، ويرمي به الوحيَّ المُنزَّل قبل قرون ، هو عين قصور قدرته - في ذاته الحقيرة – عن الملك ، فضلاً عن الخلْق ، فمن لا يخلُق لا يملك ، من لا يملك لا يحكم : (...ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ) (35/13) ، فمن لا يملِك قشْرةً رقيقةً من نواة مهملة ، فماذا تُراه يملِك فوق ذلك ليحكم فيه ؟!         

 

]]>
Thu, 27 Apr 2017 19:20:59 +0300
العودة إلى العادة السرية بعد التوبة Fri, 14 Apr 2017 05:35:43 +0300 ابنتي ذات الاربع سنوات Wed, 05 Apr 2017 22:57:52 +0300 واقع حقوق الطفل في ظلِّ حماية منظَّمة الأمم المتَّحدة مقال شهر رجب 1438هـ

واقع حقوق الطفل في ظلِّ حماية منظَّمة الأمم المتَّحدة

          الحمد لله الذي خلق فسوَّى ، والذي قدَّر فهدى ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يضْلل فلا هاديَ له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، خير هادٍ إلى الهدى ، وأفضل مرْشد إلى التُّقى ، بلَّغ رسالة ربِّه ، وأدَّى أمانة دينه ، ثم ترك أمته على أفضل ما يُمكن أن تكون عليه ، وأسدى إليهم أحسن ما كان من نبيٍّ لأمته ، فصلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وأولاده أجمعين .. أما بعد فإن انطلاق الحديث عن حقوق الطفل ، منذ منتصف القرن العشرين الميلادي ، مع ولادة منظَّمة الأمم المتحدة ، بعد انتهاء حقْبة ما يُسمَّى بعصبة الأمم ، وخروج دول العالم بوثائق متعدِّدة ، تتضمَّن حُزمة من المواد الحقوقيَّة ، التي يجب أن يتمتَّع بها طفل الدول المنْضوية في المنظَّمة ، فمنذ ذلك الحين - وقد تجاوز صدور هذه الوثائق منْتصف العقد الثاني من الألفيَّة الثالثة – لم يتمتَّع غالب أطفال هذه الدول بحقوقهم المقرَّرة ، على الوجه المُسطَّر في هذه الوثائق الموقَّع عليها من جميع مندوبي دول المنظَّمة ، وإنما انحصرت جُلُّ منافع الأطفال الحقوقيَّة : ضمن اجتهادات الدول المتقدِّمة والغنيَّة ، حسب رؤاهم واختياراتهم ، وفق مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسيَّة .

          وعلى الرغم من تعدُّد المؤتمرات والندوات : العالميَّة والإقليميَّة والمحليَّة ، التي تولَّتها المنظَّمة منذ ذلك الحين - بطريق مباشرة أو غير مباشرة – لتفعيل وثائق حقوق الطفل ، وتحريك آليَّاتها التطبيقيَّة ، ومتابعة الدول الموقَّعة في ذلك : لم يحظَ الطفل – في العموم – بكثير ولا بقليل ، مما كان تحقيقُه مأمولاً من هذه الدول ، بل إن الواقع العالمي في العموم ، وما يُسمَّى بالعالم الثالث على الخصوص : شهد تراجعاً خطيراً ، وانحداراً ذريعاً ، وهبوطاً سحيقاً في حقِّ الطفل ، فوق ما كانت المنظَّمة تأمل – في ذلك الزمن - رفعه من المظالم والآصار ، فكانت الفاجعة في حقِّه أكبر ، والأزمة عليه أعنف ، ونسب الانتهاكات الحقوقيَّة أوسع وأشمل ، على عكس ما كانت المنظَّمة تهدف – على فرض أن القائمين والمقرِّين كانوا صادقين في تبنِّيهم للمقرَّرات المُعلنة - ولا يُستثنى من هذا الإخفاق بلدٌ من البلدان ، فعلى الكلِّ سُجِّلت ووُثقت وقائع متنوِّعة ضدَّ الطفل ، تزيد أحياناً وتنقص أحياناً أخرى ، حسب درجة الضبط الأمني في ذلك البلد ، ودرجة الوعي الخُلُقي لدى أهله ، وسلطة الاعتقادات الدينيَّة عليهم ، وحجم الرفاهية الاقتصاديَّة التي يعيشونها .

          بل ربَّما انعدمت حقوق الطفل تماماً في بعض الأمصار المعاصرة ، حتى غدا حقِّه في البقاء حيًّا بلا طعامٍ ولا مأوىً : هدفاً مأمولاً ، تُطالب به المنظَّمات الإغاثيَّة : العالميَّة والمحليَّة ، في دول ما أُطلق عليها : دول الربيع العربي ، فقد أصبح الطفل الصغير – فضلاً عن الشيخ الهرم والمرأة العجوز – جزءاً من أدوات الصراع الحربيَّة القذرة ، التي تستخدمها الدول الكبيرة المُستعمِرة ، وأذرعها المحلَّية والإقليميَّة المُجْرمة ، لتحقيق مكاسب سياسيَّة وطائفيَّة ضيِّقة ، فتستهدف بآلتها الحربيَّة المُحرقة : كلَّ حيٍّ وميت ، وشجرٍ وحجر ، ضمن طاحونة الحرب المدويَّة ، التي لا ترحم أحداً من المدنيين ، فضلاً عن أن ترحم الرجال المُقاتلين .

          والمتابع لما جرى في حقِّ الطفل – ما زال يجري – من الفتك والتدمير والتهجير - في هذه الحقبة التاريخيَّة البائسة – يتأكَّد لديه الاعتقاد الجازم بإبطال العمل بهذه الوثائق ، التي انحصر دورها - في هذا العصر - في الدعائيَّة الإعلاميَّة المُنمَّقة ؛ فالوقائع الإجراميَّة الموثقة بالصورة والصوت والمُوضع : قد أجهزت على البقيَّة الباقية من دعاوى حقوق الإنسان بعامَّة ، وحقوق الطفل بخاصَّة ، بل قد أتت - هذه الوقائع - على مسوِّغ وجود المنظَّمة الأمميَّة من أصله ؛ إذ لم يعد لوجودها – ولا للمنظِّمات والهيئات التابعة لها - معنىً تسند إليه ، بعد أن أخفقت في الواجبات الأصلية ، التي قامت من أجلها ، فكما انتهت حقبة عُصبة الأمم في العقود الأولى من مطلع القرن العشرين ، بسبب تعثُّراتها المُتكرِّرة ، في مهمَّاتها السياسيَّة والأمنيَّة ، فكذلك الشأن مع هذه المنظَّمة الشائخة ، التي لم يعد لوجودها مسوِّغ سياسي أو أخلاقي أو إغاثي ، إلا ما يُشرْعِن للفجَّار المُتنفِّذين قبيح صنيعهم ، وعظيم تجاوزاتهم في حقِّ الإنسانية ؛ فتمدُّهم بالتشريع القانوني ، وتحوطُهم بالمظلَّة الدوليَّة ، في الوقت الذي تكفُّ فيه المُتظلِّمين عن مجرَّد الشكوى ، فضلاً عن إقرارها حقَّهم في ردِّ المُتسلِّط المعتدي ، أو دفع المارد الصائل ، التي تأتي أولويَّة سياسيَّة وأمنيَّة ، ضمن الأسس والمهمَّات الأصلية لعمل المنظَّمة وأدائها ، مما تضمَّنته بنود الوثائق الأساسيَّة الأوليَّة وموادها التفصيليَّة ، التي صدرت مع ولادة المنظَّمة ، وما لحقها بعد ذلك تِباعاً من مُقرَّرات وبنود أخرى أصيلة ، دخلت بالضرورة ضمن عملها وواجباتها الدوليَّة ، فإن الأصل الأول في مشروعيَّة وجودها : إحقاق الحقِّ ، وردِّ الظلم ، وكفِّ المنازعات المسلَّحة ، والعمل على المصالحات السياسيَّة ، إضافة إلى حقِّها المشروع ، في استخدام القوَّة العسكريَّة ، لتحقيق هذه المقاصد النبيلة .

         إن هذه المرحلة التاريخيَّة البغيضة من عمر منظَّمة الأمم المتحدة : سوف تبقى وصمة عار في وجه الأمم الشاهدة ، وحكوماتها الموقِّعة والمُقرَّة ، تلحقهم جميعاً بقدر حجم تفريطهم وتقصيرهم في حقِّ الإنسان ، بل إن لعنة الظلم والتآمر والتواطؤ : سوف تنال كلَّ مجرم شارك بإسهامٍ ما ؛ في : ظلمٍ ، أو دعمٍ ، أو فتوى ، في هذه الجرائم الإنسانيَّة البشعة ، التي كانت المنظَّمة - وما تزال - شاهدة عيان عليها ، وسوف يتحمَّل المجتمع الدولي بأكمله ، سواء منهم : المُتآمر الماكر ، أو المنفِّذ الآثم ، أو الساكت الأخرس ، فالكلُّ سوف يتحمَّل قسطاً ما ، من تبعات هذه المآسي البشريَّة المُتراكمة في مُستقْبل الحياة ، تطال الجميع بلا تمييز ولا تفريق ، في صورٍ من الرفض السياسيِّ العنيف ، والتمرُّد الشبابيِّ الشديد ، والسخْط الاجتماعيِّ الحاد ، مما سوف يبدو بارزاً في سلوك جيلٍ الأزمة وطِباعِهم ، التي بنتْها - في نفوسهم – القسوة والظلم والبؤس ، وغذتها المؤامرات المحليَّة والإقليميَّة ، وأكَّدها لديهم التواطؤ الدولي على مقدَّراتهم ومصالحهم ، في أيسر حقوقهم المتَّفق عليها بلا نزاع .

          إن الإنسان هو الإنسان ، كما خلقه الله تعالى على فطْرته الأولى : حُرًّا عزيزاً صالحاً ، يأبى الظلم والاضطهاد ، ويرفض التسلُّط والاستبْداد ، فإذا خالطت فطرته النقيَّة لوثات الانحراف والفساد ، وداخلت نفسه مظالم العنف والاستبداد ، وحاصرته الحاجات المُلحَّة والضروريَّات : فإنه – حينئذٍ - لا يُسأل عمَّا قد يصدر عنه من حجم العنف والغلو والشطط ، فإن الغضب - في السلوك الاجتماعي المعتاد – كثيراً ما يخرج بصاحبه عن المألوف الخُلُقي ، فيأتي الغضوب بما لا يُستحسن من السلوك القبيح الأرعن ، فكيف تُراها تكون شخصيَّة من فُتك بأسرته وداره ومتاعه ، فلم يبقَ له شيءٌ ممَّا يُبهج الإنسان في الحياة ؟ فأيُّ سلوكٍ يمكن أن يُعبِّر عن حجم سخطه وغضبه ، تجاه من فتك به ؟ وتعظم أزمة المجتمع الدولي حين يكثُر المضطَّهدون ، وقد تراكمت مآسيهم وتشابهت ، فيكون منهم تيَّار بشريٌّ جارف ، لا يُميِّز – في كثير من الأحيان – بين الصديق والعدو ، بل ربَّما – من فرض الغضب والأسى – توجَّه الشخص المُغْلق بالانتقام نحو الذات ، حين لا يجد - سواها - مُتنفَّساً لعظيم حنقه وانتقامه .

        إن الوصول بالإنسان إلى هذه المرحلة القاسية من التوتُّر والإغلاق، وانْسداد أفق الأمل : له تبعات اجتماعيَّة واقتصادية وسياسية خطيرة ، لا سيما إذا وجد المتأزِّمون صيغاً فكريَّة تُؤطِّرهم ، ومسلكاً سياسيًّا يجمعهم ، ضمن تيَّار جماعيٍّ يرفع راية الخلاص والانتقام ، وفق رؤىً صلبة حادَّة الزوايا ، لا تتقبَّل قريباً لا يُوافقها ، فضلاً عن عدوٍّ يتجهَّمها ، حينها تتحمَّل المجتمعات قاطبة – رغماً عنها – ما قد يصدر عن هذه الفئات المأْزومة ، التي نشأت مظلومة مقهورة محْرومة ، في ظلِّ مجتمع دوليٍّ غشوم ، لا يرحم الضعيف ، ولا يلين للمسكين ، ولا يعطف على الصغير .

          إن من المعيب على مجتمعات اليوم : أن يدخل ألفيَّتها الميلاديَّة الثالثة ، محمَّلة بكلِّ هذه المآسي الإنسانيَّة البغيضة ، بجانب ما حقَّقته من الإنجازات الحضاريَّة الكبرى ؛ في العمارة والاتصال والمواصلات وغيرها ، فتجمع - في مسيرها الحضاري المعاصر - بين المُتناقضات الصارخة ، التي يستحيل - عند العقلاء - الجمع بينها في باب من أبواب الحياة ، إلا حين يتنكَّب - إنسان العصر المظْلم - بوصلته الإنسانيَّة ، وطبيعته البشريَّة ، فيغدو مسيره في الحياة مُنكبًّا على وجهه ، فلا يُبصر – من أبعاد النظر وجهاته المتعدِّدة - أبعد من موضع قدميه : ( أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (67/22) .

 

 

]]>
Wed, 29 Mar 2017 12:18:03 +0300
المسيرة التاريخيَّة للتربية الإسلاميَّة مقال شهر جمادى الآخرة 1438هـ

المسيرة التاريخيَّة للتربية الإسلاميَّة

             بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله تعالى ، نبيِّنا وقدوتنا وسيِّدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فإن المسار التاريخي للتربية الإسلاميَّة : بدأ بالتنزُّل القرآني على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمِن ذلك الحين خطَّت التربية الجديدة مسارها الأوحد الفريد ، على وقع آيات الكتاب المبين ، ونهْج صاحب الرسالة – صلى الله عليه وسلم - النبيِّ الأمين ، حتى إذا اكتملت أُسسها المتينة ، وقام بناؤها الشامخ ، وشُيِّدت حصونها المنيعة : أذن الله تعالى بقبض نبيَّه صلى الله عليه وسلم ، وقد ترك أمته على بيضاء نقيَّة ، واضحة المعالم ، كاملة البنيان ، لا غبش فيها ولا كدر ، فحمل أصحابه – رضي الله عنهم - من بعده الدين كما شرعه الله تعالى ، وكما مارسته عمليًّا الأسوة النبوية ، ثم حمله التابعون من بعدهم ، ثم تعاقبت على حمل الدين أجيالٌ بعد أجيال ، كلٌّ يغترف من معين لا ينضب ، ويعبُّ من مورد لا ينقطع ، فكانت الحياة إسلاميَّة النشأة والمسيرة والتطوُّر ، في كلِّ مناشطها : التعبديَّة ، والتشريعيَّة ، والفكْريَّة ، والعلميَّة ، والاجتماعيَّة ، والاقتصاديَّة ، والسياسيَّة .

         غير أن الأمة قد تبعُد أحياناً عن نهجها القويم ، فتندُّ عن مسْلكها الإسلاميِّ الفريد ؛ لعارض يعرْض لها في مسيرها ، أو مُعيقٍ يعوقها عن مواصلة طريقها ، ثم ما تلْبث أن تعود إلى رشدها ، متجدِّدةً أفضل وأحسن ما كانت ، تنفي الخبث عن نفسها ، وتُزيل النجس عن ثوبها ، فكلَّما ندَّ شاذ من أفراد الأمة عن الطريق القويم ، وتنكَّب نهج الصراط المستقيم : عُولج على رجوعه أو قُطع ، فلا كرامة لأحد في الأمة بغير الدين ، ولا مكان لفردٍ منهم بغير الإيمان ، فالأمة حين تبْعد عن نهْجها لا تُبدِّل أصول دينها ، ولا تُغيِّر أسسها ومبادئها الأصيلة ، فتنقلب – والعياذ بالله تعالى - مرتدَّة على عقبيها ، وإنما هي الغفلة والسهو عن الطريق ، وربَّما انْتابها شيءٌ من الهوى الغالب ، فتبْعد عن مسيرها بقدر غلبة ذلك عليها ، إلا أنها – مع كلِّ هذا – لا ترى لدينها بديلاً ، ولا تطْلب له مثيلاً ، فإن فاتها السلوك القويم ، لم يفتْها الاعتقاد السليم .

          وعلى هذا النحو عبرت الأمة الإسلاميَّة قرونها الماضية : تُقبل تارة ، وتُدْبر تارة أخرى ، فتعاقبت على قيادة الأمة - في مسيرها هذا - دولٌ وسلاطين ، تشرَّفوا بحمل الشريعة ، وعملوا بمقْتضى الإيمان ، وفق ما أدَّاه إليه اجتهادهم ؛ فمُصيبٌ ومُخْطئ ، ومُحسنٌ ومُسيء ، غير أنهم - في كلِّ هذا – لم يُجاوزا حدَّ الإسلام ، ولا ندُّوا عن أصل الإيمان ؛ إذ لم يكن أحدٌ من الأمراء – أياً كان – يجْرؤ على نبذ الشرع ، أو يُنْكر ما عُلم منه بالضرورة ، وإنما هو اجتهادٌ بالشرع مأْجور ، أو ذنبٌ بالتوبة مغْفور .

         وعلى هذا النحو كان مسير الأمة التاريخي في حِقَبها الغابرة ، حتى كان العصر الحديث ، زمن السقوط المدوِّي الذريع للدولة العثمانيَّة ، التي كانت تمثل الرمز الباقي لوحدة الأمة الإسلاميَّة ، وما تبع سقوطها – بعد ذلك - من إلغاء مقام الخلافة الإسلاميَّة ، التي كانت تُعبِّر – مع كلِّ ما كان فيها آنذاك من النقص والتقصير - عن الوحدة السياسيَّة للأمة الإسلاميَّة ، في رمزها الشامخ ، المُعبَّر عنه بالخلافة الإسلاميَّة ، التي حملت رايتها الدولة العثمانيَّة قروناً متطاولة من الزمان ، حتى إذا شاخت طاعنةً في السن ، وقد لحقها ما لحقها من معايب الشيخوخة وقصورها ، ومكر بها من مكر من أبنائها العاقِّين ، وكادها من كادها من منْدسِّيها المُنافقين ، عندها كانت فرصة أعدائها التاريخيين ، فتداعت عليها أمم الأرض المعادية قاطبة ، لتُجْهز على البقيَّة الباقية من معالم الدين والشرع ، فكانت حقبة الاستعمار الأوروبي البغيض ، الذي احتلَّ بقوَّة السلاح والعتاد ، وبأساليب الكيد والخداع : ديار المسلمين ، من العرب والعجم على حدِّ سواء ، إلا أجزاءً من الجزيرة العربية ، فمكث جاثماً مُتسلِّطاً على جميع مقدَّرات الأمة ومصالحها ، عقوداً متتالية من الزمان ، لم يتْرك من شؤونها شيئاً إلا صبغه بصبغته الفاجرة ، فغيَّر من معالم الأمة في دينها وأخلاقها وسلوكها : ما قُدِّر له من ذلك ، حتى العقيدة لم تسْلم من عبثه وإفساده ، ففُتن بزيفهم طوائف من أبناء المسلمين ، لم يكونوا متحصِّنين بعلوم الدين ، ولا مسْتبصرين بأنوار الوحي .

          ولقد كان من أولويَّات المُستعمر السياسيَّة : العبث بفكْر الأجيال المسلمة وثقافتها ، وذلك بقطع صلتها بتراثها العلمي السابق ، من خلال تغييبه عن الطلاب تارة ، أو تشويهه عندهم تارة ، أو تجهيلهم بمواضع مظانِّه ، وأساليب التعامل معه والاستفادة منه تارةً أخرى ، فتعاقبت أجيالٌ من أبناء المسلمين – على هذا الوضع الثقافي الشاذ – مقْطوعة الصلة بالتراث الإسلامي العريق ، جاهلة بعظيم شرفه ، وعلوِّ شأنه ومقامه ، حتى وصفه الجاهلون بالكتب الصفراء ، كناية عن القِدم والتهالُك ، وما أدركوا أنهم محْرومون من حظوظهم الثقافيَّة ، ومُغيَّبون عن كنوزهم العلميَّة ، بل حتى من كان من أبناء الجيل الجديد محْظوظاً بشيء من الثقافة الإسلاميَّة ، والحماسة الدينيَّة ، فقد كان عاجزاً - بقدراته وظروفه ، ومكبَّلاً بالنظم التعليمية والإداريَّة - عن بلوغ مراده من ثروة الأمة العلميَّة .

         إن أسوأ ما مُنيت به الأمة في حقبة الاستعمار وما أعقبها من أحوال وأهوال : هو تفريغ الجيل الناشئ من معالم ثقافته التراثيَّة الماضية ، التي تُميِّزه عن غيره بحزمة من المفاهيم والتصوُّرات والأفكار الخاصَّة ، التي – غالباً – ما تعتزُّ الشعوب بها ، وتتحمَّس بقوَّة لها ، فما تزال الأمم - قاطبة منذ أول الدهر وحتى اليوم - تعتزُّ بثرواتها التراثيَّة ، حتى وإن كانت غريبة وضيعة ، فتُوظِّفها بشكل فعَّال في شحذ الهمم شعبيًّا ، وربط الجماعة والأفراد روحيًّا ، حتى إن الشعوب الوثنيَّة ، والأقوام أصحاب الديانات الغريبة الخرافيَّة ، وطوائف كثيرة من حملة المعتقدات الشاذة الضلاليَّة ، مما لا يُعقل ولا يُفهم ولا يُصدَّق ، كلُّ أولئك - على ضلالهم وشذوذهم - يحْتفون معْتزين بأنواع تراثهم الثقافي ، ويلْتفُّون مجتمعين حوله ، فلا يخْجلون من إحياء معتقداتهم الخرافيَّة في مواسمهم الدينيَّة ، بصورة مستمرَّة مديدة ، باعتبار ذلك - في تصوُّرهم - تراثاً حضاريًّا محْترماً ، يستحقُّ إبرازه للعالَم ، والإشادة به بين الشعوب ، وإظهاره للدنيا في غير خجل أو وجل ، حتى إن أكثر الأمم تقدُّماً تكْنولوجيًّا في شرق آسيا ، في هذا العصر : تحتفل كلَّ عام - بصفاقة كاملة ، وشناعة مخْزية – بما يُسمَّى : مهرجان القضيب !! فيشْترك الشعب بكلِّ فئاته الاجتماعيَّة : الرجال والنساء ، والصغار والكبار ، والعامة والخاصَّة ، في ممارسة طقوس دينيَّة مشينة ، ضمن حركات حقيرة ووضيعة ؛ من صور التمسُّح والتنسُّك والتبرُّك والإجلال لرمز القضيب ، الذي تحمله الجماهير – بأحجام مختلفة - على أكتافهم تارة ، أو بين أيديهم تارة أخرى ، فيجُوبون به الشوارع والطرق ، مُبْتهجين بهذه المناسبة ، فيهْتفون ويتغنَّون ويتباركون ، ضمن مظاهر سلوكيَّة مشينة مؤلمة ، هي إلى الوقاحة الخُلُقيَّة والسلوكيَّة : أقرب منها إلى الفكْرة الدينيَّة .

        إن احترام العالَم المُتحضِّر في ألفيَّته الميلاديَّة الثالثة ، لمثل هذه المسالك الدينيَّة الشاذة والقبيحة ، باعتبار هذا السلوك المُخْزي من حقوق الشعوب المشروعة المحترمة ، في الوقت الذي يستهجن فيه ألف عامٍ من التحضُّر والمدنيَّة في تاريخ الإسلام ، ارتقت فيه الإنسانيَّة الوضيعة ، من أوحال الضلال والفساد والظلم ، إلى مقامات العقل والشرف والرحمة : هو في الحقيقة جريمة خُلُقيةٌ وأدبيَّة مشينة ، لا يغْسل أدرانها النجسة ماء البحر ولا النهر ، فدين الطهارة والنقاء ، والغُسل والوضوء ، والستر واللباس : يُوسم بضدِّه ؛ من الفُحش والقُبح والتخلُّف والهمجيَّة ، ثم لا يكون هذا الظلم - في حقِّ الإسلام وأهْله - من فعل الكفَّار المعادين ، وإنما يتنادى به بعض أبناء المسلمين الغافلين والمفْتونين ، ممن تربَّوا على مناهج المستعمر وبرامجه التعليميَّة ، في الوقت الذي حُرموا فيه من رحمة شريعتهم وعلومها .

         لقد استطاع المُستعمر الغربي – بمكْر ودهاء أحياناً ، وبقوَّة السلطة والنفوذ أحياناً أخرى - أن يحول بين الجيل الناشئ ، وبين تراثه الإسلامي العريق ، فكان من جرَّاء ذلك : وقوع جمهرة من المسلمين في الاعتقاد الآثم ، بقصور دين الإسلام عن مواكبة عصر النهضة العلميَّة الحديثة ، حتى استقرَّ في أذهانهم : أن مَن رام التحضُّر ، أو أراد التقدُّم ، لا بدَّ له أن يسْلك طريق المُتحضِّرين ، وينهج سبيل المتقدِّمين ، فاسْتقرَّ هذا الاعتقاد الخادع في نفوس الكثير من أبناء المسلمين ، فكان للمستعمر ما أراد من قطع صلة الجيل الجديد بتراثه الإسلامي السابق .

         والغريب في أمر الأمة في هذا الشأن التربوي خاصَّة : أن زوال جحافل الاستعمار عن ديار المسلمين ، وغياب أدوارهم المباشرة في مقدَّرات الأمة ومصالحها : لم يُغيِّر من طبيعة الوجهة التربويَّة وسياساتها الاستعماريَّة ، إلا بالقدر الذي يُسْتخفُّ به السذج والسفهاء ، ممن تولَّوا آنذاك وضع سياسات التعليم وتسييرها ، في تلك الدول التي زال عنها حكم الاستعمار المباشر ؛ إذ كان من المُتوقَّع - بل من المفروض الذي لا يجوز غيره – أن تسعى السياسات التعليمية – فكريًّا وتطبيقيًّا – إلى إزالة الآثار التربويَّة المُدمِّرة ، للحقبة الاستعماريَّة البغيضة ؛ بحيث تعمل جادَّة على إعادة مسار التربية التاريخي إلى طبيعته قبل مرحلة الاستعمار ، فتربط - من جديد - نهضة الأمة المنشودة والمُرتقبة بتراثها السابق ، فتعود اللُّحمة التاريخيَّة نسيجاً واحداً ، كما كانت عبر أحقاب القرون الإسلامية الماضية .

         غير أن المفاجأة المرَّة كشفت لاحقاً : أن وارث المُستعمر - في القيادة السياسيَّة - كان أخلصَ له من نفسه ؛ إذ لم يتغيَّر شيءٌ ذو بالٍ في السياسة التربويَّة ، سوى أن الذين يتولَّون تنفيذ السياسات التعليميَّة : هم أبناء المسلمين أنفسهم ، مما أعطى قراراتهم - المعارضة لجوهر الدين - صبغة شرعيَّة .

          وكان من نتائج هذا الوضع التربويِّ الشاذ : استمرار سياسات الاستعمار التعليميَّة ، ولكن هذه المرَّة بأيدي إسلامية ، تُكرِّس في الأمة التخلُّف والتبعيَّة ، وتؤكِّد القعود والرجعيَّة ، فانطلقت البعثات إلى أرض المعاد في أوروبا ، ثم قامت – على إثر ذلك - المعاهد والكلِّيات والجامعات ، في ضوء اجتهادات المُبتعثين العائدين إلى أوطانهم ، فمنهم : الباحث ، والكاتب ، والمُترجم ، والناقد ، كلُّهم – إلا قليلاً – ظاهره الإسلام وباطنه الاستعمار ، حتى إن البصير اليقظ من أبناء الأمة ، لا يكاد يجد فرْقاً جوهريًّا ؛ بين ما كتبه الأوروبيُّون في مجال العلوم الإنسانيَّة ، وبين ما يكتبه وينْشره المُبْتعثون القادمون من هناك ، إلى أن عجَّت المكتبات والمراكز العلميَّة بالمؤلَّفات : إما ترجمة عن غير المسلمين ، وإما نقلاً عنهم ، بلا نقد ولا تمحيص ، حتى وجد المُبطلون من بعض سفهاء الغرب ، وشذاذ الفكر ، وحمقى الرأي : سوقاً رائجة في بعض جامعات العالم الإسلامي ، باعتبار ذلك علماً يستحقُّ التدريس ، ومعرفة ضروريَّة لبناء شخصيَّة الطالب ، إلى درجة أن وقاحات عابد الفروج اليهودي : سيجموند فرويد ، التي يخْجل الحييُّ من روايتها ، فضلاً عن تقديرها واحترامها : كانت – للأسف - ولا تزال حتى الآن : موضع اهتمام واحترام كثير من الباحثين النفسيين العرب ، فخرافاته الجنسية مترجمة باللغات ، ومتوافرة في جميع المكتبات ، وفوق ذلك لا تخضع للرقابة – غالباً – من الجهات الإعلامية ولا الدينية ، باعتبارها مراجع ودراسات علمية !! في الوقت الذي قد تُمحَّص فيه الآراء العلمية الموثقة ، التي تردُّ على فواحشه وافتراءاته ، وربَّما تعرَّض بعضها للمنع والإبعاد .

          إن هذا الوضع التربوي العام - على اختلاف درجاته في المجتمعات الإسلامية – لا يُمكن له أن يبني شخصيَّة إسلامية محترمة ، يمكن الاعتماد عليها في حمل المسئوليَّة التربوية ، وإنما يُخرِّج أجيالاً مشوَّهة ، لا تصلح للقيام على أنفسها ، فضلاً عن أن تقول على غيرها ، فإن من المسْتقرِّ تربويًّا ، ومن المُتفق عليه عقْلياً : أن المنهج التربويَّ المسْتورد – مهما كان مستواه من التفوُّق العلمي – لا يُمكن أن يُعبِّر عن ثقافة محليَّة لم يصدر عنها ، كما أنه - بالضرورة – لا بدَّ أن يحمل في طيًّاته بعضاً من ثقافة المولد ، إن لم يكن هو - في ذاته - تعبيرٌ صادقٌ عن ثقافة المنْشأة الأول ؛ إذ من المستحيل - في جميع مجالات العلوم الإنسانيَّة - الفصل بين ما هو علميٌّ بحْتٌ ، وبين ما هو ثقافيٌّ محْضٌ ، فهذا عند الخبراء من أعظم الكذب والافتراء ، وإنما يُمكن قبول دعوى الفصل هذه ، في مجالات العلوم الطبيعيَّة ، التي تقوم في أصلها الكوني على أساس الحياد .

           ولهذا يحاول المبْطلون عبثاً : أن يُقْنعوا غيرهم بالتطابق العلميِّ ، بين مناهج البحث في العلوم الطبيعيَّة ، ومناهج البحث في العلوم الإنسانيَّة ، فيزعمون أن ما ينطبق في مباحث الكون ؛ في الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا ونحوها ، ينطبق على التخصُّصات في العلوم الإنسانيَّة ؛ في العقيدة ، والاقتصاد ، والتربية ، والنفس وغيرها ، دون اعتبار للفروق الجوهريَّة بين ما هو ماديٌّ صرف ، وبين ما هو مزدوج الأصل والخلْقة .   

           إن هذه الفوضى الفكريَّة في مجالات التربية : تُحتِّم على رجال الفكر ، وقيادات العلم ، ورجالات الرأي : أن يُراجعوا حاجة مجتمعاتهم ، وافتقارها إلى منهج التربية الإسلامية ، بأبعاده التربويَّة الشاملة ، وعمقه الروحيِّ الإيمانيِّ ، ليكون أساس الانطلاقة العلميَّة للأمة ، والأصل الأصيل المعتمد عليه للنهضة ، فإن ما أصلح أوَّل هذه الأمة ، وقام ناهضاً بها ، لا يزال كما هو صالحٌ في هذا العصر ، وفي كلِّ وقت ، لينهض بالأمة المُتعثرة من جديد ، ويسوقها نحو آفاق سامقة عالية ، من معالم التقدُّم والازدهار ، التي تنْشُدها الأمة منذ عقود ، ولا تهتدي إليها .

 

 

 

 

]]>
Tue, 28 Feb 2017 21:37:19 +0300
المنْطلقات العقديَّة لدراسة تاريخ التربية مقال شهر جمادى الأولى 1438هـ

المنْطلقات العقديَّة لدراسة تاريخ التربية

         الحمد لله الخالق البارئ المصوِّر ، الذي أحسن كلَّ شيء خلقه ، وبدأ خلق الإنسان من طين ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ به – سبحانه – من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، ونصلِّى ونسلِّم على خير خلْق الله تعالى ، ومُصطفاه من أنبيائه ورسله ، سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد فإن المقْصود من عنوان تاريخ التربية ، أو ما يُطْلق عليه : مقدمة في التربية ، أو مدخل إلى التربية ، وربَّما وُجد تحت عنوان الأساس التاريخي للتربية ، كلُّ هذه العناوين تتحدَّث بصورة مباشرة – في جوانب رئيسة منها - عن الإنسان من الوجهة التاريخيَّة ؛ ابتداءً من واقع وجوده ، ومروراً بأحوال تطوُّره عبر الأزمان المُتعاقبة ، وانتهاءً بتاريخه الحديث ، وما يتبع ذلك من الحديث عن رجالات الفكْر والفلسفة ، ممن كان لهم أثرٌ ما في حياة الشعوب والأقوام .

         وعلى الرغم من أهميَّة هذا الموضوع من الوجهة الدينيَّة ، عند كلِّ أصحاب الديانات السماويَّة – كما هو مفْروض - فإن قدْراً كبيراً من الظنِّ والخرْص والوهم : يكْتنف الحديث عن حقيقة تاريخ الإنسان ؛ لأن جزءاً طويلاً من تاريخه كان ولا يزال محْجوباً ضمن عالم الغيب ، لا سيما في الفترات التاريخيَّة السحيقة ، فيما قبل مراحل التدوين التاريخي للوقائع والأحداث ، إذ لا سبيل إليها إلا من خلال الوحي الصادق الصحيح ، بواسطة أنبياء الله الكرام - عليهم جميعاً الصلاة والسلام - الذين رافقوا – بالدعوة والشهادة - جميع المجتمعات الإنسانيَّة ، من أوَّل ظهورها إلى أن خُتموا بسيِّدهم وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم . 

          والعجيب أن غالب الخرَّاصين في هذا المجال : هم من المنْتسبين إلى أهل الديانات السماويَّة السابقة ؛ من يهود ونصارى ، ومن ربَّما قلَّدهم من الباحثين المسلمين المعاصرين ، بعلمٍ منهم أو بجهل ، فيشوِّهون تاريخ الإنسان القديم ، ويصفونه بأبشع الأوصاف ؛ من الانحطاط الخلقي ، والهمجيَّة السلوكيَّة ، والتخلُّف العقلي ، وفوق ذلك كلِّه : يجْزمون بضلاله الدينيِّ والعقدي ، فهو عندهم إنسانٌ فاقد الهويَّة الدينية ، قد أمضى فتراته الحجريَّة الساحقة ، في غياهب الأديان الوثنيَّة ، التي تُلائم عصْره المُتحجِّر ، ضمن مجْتمعات بشريَّة ضالَّة ، فلا يعْدو الإنسان القديم – في نظر هؤلاء - أكثر من حيوان ذكي ، يفوق في ذكائه - المُتنامي والمتطوِّر - جميع المملكة الحيوانيَّة مِن حوله ، فهو عند بعضهم من أصل حيواني متطوِّر ، وعند الآخرين خلْقٌ ناقص بليدٌ متحجِّر ، وكلا الفريقين يحطُّ من قدْره ، فيُجْمعان جميعاً على انْحطاطه وهبوطه ، عن مرْتبة الإنسان في عصوره المتأخِّرة والحديثة .

         ولئن كان لغير الباحثين المسلمين عذرٌ بالجهل ، في شأن أصل الإنسان ونشأته ، من جهة ضياع وثائقهم الدينيَّة أو تحريفها ، أو ما قد يكتنفها من الغموض ؛ فإنه لا عذر للباحث المسلم في هذا المجال ؛ بأن يختار لنفسه رأياً غير ما أوحى به الخالق جلَّ وعلا ؛ فإن الحديث عن نشأة الإنسان الأوَّل ، وما رافق هذه النشأة الفريدة من أحوال وأحداث وقضايا ، كلُّ ذلك مضبوطٌ ومحكمٌ بوثيقة قرآنيَّة صادقة ، لم يتطرَّق إليها شكٌّ قطُّ ولا ريب ، ولن يكون ذلك ممكناً في مسْتقبل الأزمان ، فمن المعيب حقًّا : أن يتناول باحث تربويٌّ مسلم ، قضيَّة غيبيَّة ماضية ، قد أصبحت في ذمَّة التاريخ ، فلا يعود بها إلى أصول وثائقها الصادقة المُتاحة ، وإنما يعود بها إلى ظنونٍ وأوهامٍ من آراء القوم الضالِّين ، فيها ما فيها من الشكوك العقليَّة المضْنية ، والأوهام العقديَّة المُفْزعة ، والإغلاقات الفكْريَّة المُخْجلة ، مما لا تقوم به قطُّ حجَّةٌ تستريح لها النفس ، ولا يحصل بها علمٌ يستقيم به الدرْس ، على نحو ما صرَّح به المؤرِّخ الحائر هربرت جورج ويلز ، في كتابه : ( موجز تاريخ العالم ) ، وهو يتحدَّث – باضطراب - عن بداية نشأة العالم ، حيث يقول : «...إن قصة عالَمِنا لا تزال بتراء ، يعتورها النقص ، وجمهرة الناس اليوم يرون : أن العالم الذي نعيش فيه - فيما تشير إليه الظواهر - كان موجوداً طوال حقبة هائلة من الزمن ، وربما لم تكن له بداية...» .

        إن هذا التعبير المفْعم بالحيْرة والتردُّد والشكوك والتناقض ، وقد ضاق به عقل المؤرِّخ ، وأُغْلقت به نفسه ، حتى كتب بقلمه ما يستحي من مثله المراهقون الصغار ، فيُلْقي – في الوقت نفسه - الفكْرة التاريخيَّة وضدَّها ، في مسألة إنسانيَّة تاريخيَّة كبرى ، بل هي - في الحقيقة - أكبر المسائل التاريخيَّة وأخْطرها على الإطلاق ، فينْطلق يُقرِّر حيْرته المزْعجة ، ويبث شكَّه المُقْلق ؛ ليكون ذلك علماً يسْتحقُّ النشر ، ومعرفة تسْتوجب النظر ، وهي - في الحقيقة – لا تعدو أن تكون عباراتٌ قاصرة قاصية ، تنمُّ عن ضلال عقديٍّ كامل ، وقصور فكْريٍّ مُطْبق ، على نحو ما يسِمون به – حسب زعمهم – شعوب العصور الحجريَّة الهالكة ، إضافة إلى الدلالة الواضحة ، بحجم الجهالة التاريخيَّة القديمة .

          ولئن كان لشعوب العصور الحجريَّة عذرٌ في تيههم العقدي ، وضلالهم الفكري – حسب ما يزْعمه هؤلاء – فأيُّ عذر بالجهالة تُراه يُقْبل من باحثين مرْموقين – كما هو المفْروض فيهم - فيما يُسمى بعصور النور والتنْوير ، وهم يتيهون في أهم وأكبر قضايا التاريخ الإنساني ؟! في الوقت الذي يعتبرون فيه شكوكهم العقليَّة ، وعبارات تردُّدهم العلمي : مادة للنشر والتداول ، غير آبهين بعقول مسْتبصرة ، ولا مكْترثين بنفوس مهْتدية ، تعرف بيقين حقيقة النشأة الأولى ، من خلال الوحي القرآني المبارك ، مع ما بقي بين يدي القوم ، في كتبهم التي يُقدِّسونها ، من إشارات صريحة لأصل الإنسان ، مُتفرِّداً بخلْقة ربَّانية مُسْتقلَّة عن سائر عالم الحيوان ، فمن أعْرضَ عن هذا التصريح التاريخي في كتابه المقدَّس ، واخْتار عليه الخُروص السقيمة ، واستبْدله بالظنون المخْجلة : فهو لما مع المسلمين من الحقائق التاريخيَّة اليقينيَّة أعْرضُ وأكْفر .

          إن من الخطأ الفاحش : الربط - غير المعقول - بين تخلُّف الإنسان المادي في العمارة والصناعة والتجارة ونحوها ، وبين تخلُّفه العقديِّ والعقلي والسلوكي ؛ بمعنى أن المتخلِّف حضاريًّا ، لا بدَّ أنه – في الوقت نفسه – متخلِّفٌ عقليًّا ودينيًّا ، وهذا التصوُّر المقيت ينْدرج ضمن الفُحْش الفكْري ، الذي تأباه العقول الصريحة ، وتُنْكره الأحداث التاريخيَّة ، وترفضه الوقائع الحياتيَّة ؛ فقد يفْقد العالِم الكبير المتخصِّص أجْهزة بحثه العمليَّة ، ويُحْرم مجالات عمله الميدانيَّة ، فيتعطَّل تماماً عن عطائه العلمي ، ومع ذلك لا يفقد – بين الناس - مقامه في المعرفة ، ولا مرتبته في التخصُّص ، كما أن المخبول في عقله ، لو أُتيحت له المعارف بأقسامها ، وتيسَّر له العلم بأنواعه ، وقُدِّم له الدرس بمختلف طرقه وأشكاله : ما انتفع من ذلك بشيء ، بل إن أذكى الناس ، وأقدرهم على العطاء الفكري ، وأبلغهم في الإنتاج العلمي : قد يسْتسيغ عبادة الصنم ، أو تقديس البقر ، أو تأليه البشر ، فلا يرى غضاضة ، ولا يسْتشعر شيْناً في الجمع - في وقت واحد - بين أذكى المسالك وأغباها ، وبين تفوُّق العقل وضموره .                    وهكذا الإنسان دائماً ، هو ذاته الإنسان لم يتغيَّر ولم يتبدَّل ، فهو ما زال على أصل فطرته البشريَّة الأولى ، في كلِّ عصر من عصوره المختلفة ، وفي كلِّ موضع من مواضعه الأرضيَّة المتنوِّعة ، في السابق واللاحق : يحمل في ذاته – بصورة دائمة - كلَّ مقوِّمات الإنسانيَّة وقدْراتها ، ابتداءً من القدْرة على التعلم والتعليم ، واكْتساب المهارات المختلفة ، وتبنِّي الأفكار والمعتقدات ، وانتهاءً بالقدْرة على الإنتاج والعمارة والصناعة ، ومن ثمَّ بناء صروح الحضارة ، وما يتبع ذلك ويتخلَّله من قدرته الأصيلة على تحمُّل مسئوليات التكاليف الدينيَّة ، فكلُّ مراحله السابقة ، وأجياله المتعاقبة ، لم تغيِّر من كينونته الإنسانيَّة الأصيلة شيئاً ، فالإنسان المعاصر هو عين الإنسان في العصور السابقة واللاحقة ، وما يطرأ عليه من تغيُّر في اعتقاداته وتصوُّراته ، وفي أخلاقه وسلوكيَّاته ، وفي أفكاره وآرائه ، وفي لغاته وتعبيراته ، وفي ملْبوساته وهنْدامه ، وفي آلاته وصناعاته .. كلُّ ذلك لا يُغيِّر من جوهر الإنسان شيئاً ، فهو على ما كان عليه في السابق ، وسوف يكون كذلك أيضاً في اللاحق ، ولهذا اتحدت كلمة الرسل والأنبياء جميعاً – عليهم الصلاة والسلام – في أصول التكاليف الدينيَّة ، التي بُعثوا بها إلى أقوامهم ، وإنما وقع شيء من التنوُّع - فيما بينهم - في بعض التشريعات ، التي لا تُفيد تغيُّراً في جوهر طبيعة الإنسان المسْتعدَّة للتكليف ، والمبْنيَّة – في أصلها – على أهليَّته العقليَّة ، وقابليَّته – منذ أول الخِلْقة – للتقدُّم والإنجاز الحضاري ، فقد أُهْبط أبو البشر آدم - عليه السلام – إلى الأرض ، وقد خزن الخالق العظيم فيه من العلوم والمعارف ما الله تعالى به عليم ، فلم يكون يُضير آدم في عقله ، ولا في دينه ، ولا في علمه ، أن يبدأ بناء الحضارة الإنسانيَّة من أولها ، وأن يؤسس للعمارة الأولى من أصولها الأوليَّة ، دون سابق تجْربة ينْسج على منوالها ، أو إنجاز متقدِّم يقيس عليه ، وكذلك بنوه من بعده ، هم على شاكلته في كلِّ ذلك : (...فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ...) (30/30) .

         وبناء على ما تقدَّم : فإن الباحث المسلم في مجال تاريخ التربية ، وما يلْحق بهذا التاريخ من قضايا الإنسان الإيمانيَّة المختلفة : يجب عليه – وهو يخوض غمار هذه المفازة العقديَّة الخطيرة – أن تنْتصب بين عينية سبعة منطلقات أساسيَّة ، تحكم بحثه ، وتُرشِّد رأيه ، وتضبط مساره ، وفق المقْتضيات الإيمانيَّة ، المتضمَّنة في القرآن الكريم ، والسنة المطهَّرة ، وذلك على النحو الآتي :

1)   المنطلق الأول : أن الله تعالى هو وحده خالق الأكوان ، فهو المالك لكلِّ موجود ؛ ومقْتضى هذا الملك يستلزم - بالضرورة - حقَّ التصرُّف فيه بالحكم والتشريع لعبيده كلِّهم ، من أوَّلهم إلى آخرهم ، في كلِّ مراحل تاريخهم البشري الطويل ، فمن شرَّع للناس – في أيِّ زمان أو مكان - بغير إذن من الله : فقد نازع الله تعالى سلطانه ، فهو بذلك وكلُّ من طاوعه يحيون في سخط الله تعالى .

2)   المنطلق الثاني : أن الله خلق الإنسان لعبادته ؛ بمعنى أن مسئوليَّة المكلَّفين جميعاً ممارسة العبوديَّة ، وفق ما بلغهم وصحَّ عندهم من التشريع الإلهي ، فمن لم يعبد الله تعالى من الأقوام السابقين ، وفق ما شرعه لهم : فقد خرج عن الغرض الأساس لوجوده ، وأصبح في موضع لعنة الله وسخطه .

3)   المنطلق الثالث : أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم : كاملاً مكمَّلاً ، كأحسن وأفضل ما تكون الخلْقة الآدميَّة في أصلها الأوَّل ، من جهة : الهيئة العامة ، والعقل الراشد ، والعلم الواسع ، والعقيدة الصحيحة ، ثم امتحنه بالتكليف الأوَّل ، فما لبث أن أخفق فأكل من الشجرة الممنوعة ، فكان قضاؤه الهبوط إلى الأرض ، ليبدأ الإنسان نمطاً جديداً من التكاليف الشرعيَّة ، ويخوض ساحات أخرى واسعة من الابتلاءات ، فينقسم الناس في ذلك بين مؤمن وكافر ، صالح وفاسد .   

4)   المنطلق الرابع : أن الله تعالى سخَّر للإنسان كلَّ ما في الكون ؛ ليستعين بذلك على حُسن عبادته ، ويعمُر الأرض وفق نهج هدايته ، فيسْتوعب مُدْركاً – من خلال الوحي المُنزَّل - حقيقة التسخير الكوني ، ونظام سننه الطبيعيَّة ، في علاقاته بما حوله من الموجودات المختلفة ، فكلُّ ذلك من أجله ليُحْسن العبادة ، فمن جهل من المكلَّفين مفهوم التسخير وغايته ، وتاه عن نهج هدايته ، وفرَّط في مسئوليَّة عبادته : ضلَّ سعيه ودأبه في الحياة الدنيا ، ولم تنْفعه في ذلك إنجازاته الحضاريَّة ، ولم تشفع له إنشاءاته المعماريَّة .

5)   المنطلق الخامس : أن الله تعالى خلق الإنسان كائناً متفرِّداً ، بلا شبيه يُقاس عليه ، ولا مثيل يُحاكم إليه ؛ فليس هو ملكٌ من أقسام الملائكة ، ولا حيوانٌ من طوائف الحيوانات ، ولا شيطانٌ من أنواع الجانِّ ، فمن رام تصنيف الإنسان خارج المحدود البشري : فقد ضلَّ بذلك عن سواء السبيل ، وخرج بالإنسان عن طبيعته الفطريَّة ، التي خلقه الله تعالى عليها ، وأسقط عنه بذلك مسئوليَّاته التكليفيَّة ، التي شُرعت – من أصلها – للإنسان ، دون سائر المخلوقات .

6)   المنطلق السادس : أن الله تعالى ما زال يبعث - في الناس المُتعاقبين على الأرض - رسلاً مُبشِّرين ومنْذرين ، منذ آدم حتى محمد صلى الله وسلم عليهم جميعاً ، فشمل البعث الإلهي كلَّ قومٍ دبُّوا على الأرض ، فيُخاطبون بما يعقلون ويُدْركون ، من أنواع التكاليف الإيمانيَّة والتشريعيَّة ، فكانت السنة المطْردة في هؤلاء الأقوام هو الانقسام ؛ بين مكذب ومصدِّق ، جاحدٍ ومؤمن ، ثم كانت – بناء على ذلك أيضاً - السنة الإلهيَّة الماضية والمطْردة في هذا ، هو هلاك المكذبين ، ونجاة المؤمنين .  

7)   المنطلق السابع : ضرورة الوعي الجازم بواقع وطبيعة الصراع الدائم والمستمر : بين الحقِّ والباطل ؛ بين أهل التوحيد والإيمان ، وبين أهل الشرك والكفْران ، فهذه سنةٌ اجتماعيَّة ماضية مطْردة ، لم تتخلَّف عن أهل أولِّ الزمان ، ولن تتخلَّف أيضاً عن أهل آخر الزمان ، وهذا المفهوم يستلْزم الاعتقاد بدوام وجود الحقِّ وأهله ، بإزاء وجود الباطل وأهله ، وما قد يعتري حجَّة أهل الحقِّ من ضعف في بعض الأزمان : لا يُبطل حجَّة الله على المكذبين .

          إذا تقرَّرت هذه المنطلقات العقديَّة السبعة في خَلَد الباحث التربوي المسلم ، وما يلْحق بها من مستلْزمات ومفاهيم شرعيَّة ، وما يتْبعها من آداب وأخلاق علميَّة ؛ فإنه غالباً ما يُحْكِم أداءَه العلميَّ في هذا المجال ، وفق ما ثبت من أخبار الوحي التاريخيَّة ، فيتجنَّب معايب البحث العلمي في عالم الغيب ، فلا يقع في الأوهام والخُروص والظنون ، التي تشين أصحابها ، وتزْدري أهلها ، وتحطُّ أتباعها ، حتى وإن كانوا علماء مرْموقين ، أو بحَّاثة مشْهورين : ( وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) (53/28) .

 

 

]]>
Sat, 28 Jan 2017 13:33:17 +0300
القواطع الحسان في الفروق الفطرية بين الإنسان والحيوان مقال شهر ربيع الثاني 1438هــ

القواطع الحسان في الفروق الفطرية بين الإنسان والحيوان

         الحمد لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيِّد الناس ، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. فإن بعض النظريات الفلسفيَّة ترى أن الفارق بين عالمي الإنسان والحيوان ، وطبيعة العلاقات الاجتماعيَّة التي تميِّز بينهما : ليست كبيرة ، بدرجة تُوحي بالانفصال التام ، بين الأصل الفطْري للعالَـمَين الإنْسي والحيواني ، فالفارق - في نظرهم – في الدرجة فقط ، وليس في الأصل الفطْري ، الذي يجمع بينهما في جذر أصل واحد .

         وعلى الرغم من أن الأديان السماويَّة ، التي ينتمي إليها أدعياء هذا الاتجاه الفكْري ، تعتقد باختلاف أصْلي الإنسان والحيوان ، ومع ذلك تجد هذه الأفكار المتطرِّفة رواجاً في بعض الأوساط العلميَّة ، باعتبارها نظريَّة جديرة بالاحترام .

         وبتجاوز الردود العلميَّة الحديثة على هذه النظريَّة ، بما أثبته العلم الحديث في إبْطالها ، من خلال تقنياته العلميَّة المتطوِّرة ، فيما يتعلَّق بالدراسات الجينية في علم الوراثة ، فضلاً عن إخفاق محاولات الربط الأُحْفوري ، بين الآثار المتحجِّرة للإنسان القديم ، وبين سلالات أنواع من القردة : فإن المحاكمات العقليَّة ، والمشاهدات الحسيَّة ، والحقائق التاريخيَّة ، كلُّها تجتمع مجْهزة على هذه النظريًّة من أساسها ، فلا يحتاج العاقل الفطن إلى كثير اسْتدلال لدحْضها ، فضْلاً عن حاجته إلى معامل مخْبريَّة حديثة ، تُبرْهن له على كذبها على الحقيقة الفطريَّة ، وحيْدتها عن جادة الصواب العلمي .

        ولهذا لا يتكلَّف المتأمِّل كثيراً في نظرته إلى طبيعة التجمُّع البشري ؛ بأبعاده الإنسانيَّة المتعدِّدة ، وألْوانه السلوكيَّة المتجدِّدة ، واختياراته العقليَّة المتطوِّرة ، وإلى طبيعة التجمُّع الحيواني ، في تنوُّعه وتعدُّده وانْتشاره ، وفي رتابته وصرامته وتكراره ، فلا يحتاج – أمام هذه الحقائق المحْسوسة المشاهدة – إلى أن يتردَّد في وصف الأشياء بأوصافها الواقعيَّة ، التي تُغالب أوهام العقول الخربة ، وتبدِّد ظلمات النفوس الموحشة ، التي تحاول جاهدة اسْتبعاد معْطيات الدين عن معْترك الحياة الإنسانيَّة ، باعْتقاد أن قدرة الإنسان العقليَّة في غنىً عن الاهتداء بالوحي المنزَّل ، مع غفْلة مطْبقة معْتمة ، بل تغافلٍ فاضح مشين ، عن الحقيقة الربَّانيَّة القائمة ، التي خلقت الإنسان وعقْله ، وأنزلت الوحي وأمْره ، فكلاهما – الإنسان والوحي – ينْتميان إلى مصْدر واحد ، فخالق الإنسان بكلِّ قدْراته ومواهبه ، هو ذاته – سبحانه تعالى –  مُنْزل الوحي ، بكلِّ مضامينه وأخْباره ، فالفصْل بينهما يُفْضي – ولا بدَّ - إلى تعطيل حقِّ الإله في الأمر والنهي ، وأقبح من هذا حين يُؤدِّي إلى إبْطال الربوبيَّة ، ولهذا غالباً ما يتبنَّى هذه الأطروحات الفجَّة : الملْحدون ، الذين يُنْكرون مقام الربوبيَّة ، ويقولون بالعبثيَّة الكونيَّة ، التي تأباها العقول الفطريَّة السليمة ، فضلاً عن الأديان السماويَّة كلِّها .

          إن مجرَّد تأمُّل الرتابة المستديمة في السلوك الحيواني : كافية للحجْز بينه وبين السلوك الإنساني ، الذي ينْفر منها ، ويسْتهجن في سلوكه التكْرار ، فما زال الحيوان – بكلِّ أنواعه وفصائله وأشكاله – يعيش دهوره المتعاقبة على نمط سلوكيِّ واحد ؛ فكلُّ نوع منها ينْهج طريقة واحدة لا تقبل التطْوير أو التغيير ، في حين لا يتقبَّل الإنسان شيئاً من هذا النهج لنفسه ، بل ولا يتقبَّل المجتمع من شخصٍ تكلَّف التكرار في سلوكه الاجتماعي ، حتى يسمه بالخبل والجنون ؛ فلو أن رجلاً تعمَّد - محاولاً - أن يُعيد أفعال الأمس وأعمالَه التي أنجزها فيه ، فيُعيدها مكرَّرة مرَّة أخرى ، تماماً كما كانت بالأمس في يومه هذا ؛ فإن المجتمع من حوله لن يتقبَّل سلوكه هذا ، معْتبره نوعاً من الجنون ، الذي لا يليق بالإنسان العاقل .

          وللناظر أن يتخيَّل رجلاً زار خالة له بالأمس ، لم يرها منذ أشهر ، وقام أيضاً بصيانة مركبته ، وسدَّد فاتورة هاتفه...ثم أراد أن يعيد هذا السلوك عينه في يومه هذا – كما يفعل الحيوان مكرِّراً نشاطه في كلِّ يوم – فهل تُرى يتقبَّله المجتمع ، فضلاً عن أن يُطاوعه عقْله وشخْصه لقبول سلوك مشين كهذا ؟!

         ولهذا يعْتمد المجتمع سلوك التعقُّل عند الإنسان ، ويسْتنْكر فيه السلوك الغريزي حين يصدر عنه ، باعتباره سلوكاً حيوانيًّا ، تأباه الطبيعة الإنسانيَّة المكرَّمة ؛ فالقطَّة حين تُحبس في غرفة مصقولة نقيَّة لا تراب فيها ، فإنها - حين تحتاج إلى قضاء حاجتها - تُمارس – كالمعْتاد - عمليَّة حفْر الموضع ، ثم دفن الفضلات !! فهي غريزيًّا تعْجز عن إنْجاز عمليَّة الإخْراج الفطْريَّة ، دون القيام بطقوسها الطبيعيَّة المعْتادة ، فلو أن إنساناً صادف أمامه باباً مغْلقاً ، ليس له مقْبضٌ يمكن تناوله باليد ، ثم أخذ – منْهمكاً - يُمارس فتحه كالمعْتاد ، وكأن المقْبض في يده يُحرِّكه ، وهو قطعاً ليس هناك ، أكان سلوكه هذا متقبَّلاً اجتماعيًّا ؟! أو أنه فقَد مفتاح عربته ، ثم أخذ يمارس فتح بابها كالمعتاد ، وكأن المفتاح في يده يُديره ، وهو قطعاً ليس هناك !! فهذه السلوكيَّات الغريزيَّة مقْبولة حين تصدر عن الحيوان ، أما حين تصْدر عن الإنسان ، فإنها مسْتهْجنة مُسْتنْكرة ؛ لأن التعقُّل ضروريٌّ لطبيعة السلوك الإنساني .

         ثم هذا العطل الحضاري ، الذي أحاط بعالم الحيوان ، منذ دهور سحيقة مضت ، فلم يتمكَّنوا – ولا طائفة منهم – أن يُنْجزوا خطوة واحدة في سلَّم الحضارة الحيوانيَّة !! أو يُبدعوا منْجزاً ثقافيًّا مُتواضعاً ، على غرار ما يُخرْبشه أطفال المدارس في كرَّاسات الرسْم ، فما زال الحيوان محصوراً في أنماط سلوكيَّة غريزيَّة رتيبة ، حتى وإن بدت بعضها : زخْرفيَّة الأشكال ، أو غزْليَّة الأوتار ، أو نسْجيَّة الخيوط ، أو إنشائيَّة البناء...فكلُّ ذلك سلوكٌ غريزي الدافع ، غير مُتعلَّم ولا مُتدرَّب ولا مُكْتسب ، وإنما هو هداية ربَّانيَّة محْضة ، لا خيار فيها للحيوان ، ولا قصْد له فيها ولا غاية ، وإنما تصدر عنه فطريًّا بلا إرادة ، وغنيٌّ عن أن يُقال : أن الإنسان ليس كذلك .

          وإن من عجائب خلْق الحيوان هذا التطابق الكامل في طبيعة النوع الواحد منه ، في الأشكال والطبائع والسلوك ، فما يزال كلُّ نوع منها محافظاً على وضْعه منْذ وُجد ، إلا أن تفْرض عليه ظروف البيئة الطبيعيَّة والمُناخيَّة تعديلاً ما في بعض أنماطه السلوكيَّة ، وإلا فإن الواحد من الأسود : يدلَّ بطباعه السلوكيَّة على طبيعة نوع جنْسه ، فلا يحتاج الباحث العلمي إلى تقصِّي طبيعة سلوك كلِّ أسد على حدة ، ليفهم طبيعتها السلوكيَّة ، بل الواحد منهم يدلُّ على جنْسه ، ومهما تكرَّرت الدراسات على قطْعان الأسود ، عبر سنوات متعدِّدة ، فلن يخرج الباحثون بنتائج ، غير تلك التي خرج به الباحث الأول ، إلا ما كان سببه التغيُّر البيئي ، الذي قد يطرأ على بعض المناطق والغابات ، فيُؤثر – بشكل ما – على سلوك الحيوان ، أما ما كان دافعه غريزيًّا ، فهذه خِلْقة لا تقبل التغيير ولا التبْديل ، ضمن الطائفة الحيوانيَّة الواحدة ، وفي البيئة الفطريَّة المتشابهة ، في الوقت الذي لا تقبل فيه طبيعة السلوك الإنساني التماثل  أو التطابق ، فما زال كلُّ إنسان قضى الله تعالى وجوده ؛ في الماضي أو الحاضر أو المسْتقبل : يختلف عن الآخرين ، ولو كانوا يعيشون بيئته وزمانه وموْضعه ، حتى وإن كانوا توائم متطابقة الخلْقة ، فأنى لهم أن يتطابقوا في أخلاقهم السلوكيَّة ، أو اتجاهاتهم الفكريَّة ، أو ميولهم النفسيَّة ، فكلٌّ إنسان عالم قائمٌ لوحده ، حتى وإن بدت بعض المظاهر مُتشابهة ، في المجالات : الفكريَّة ، والسلوكيَّة ، والنفسيَّة ، فإن عدم التطابق بين اثنين من بني البشر ، هو آية من آيات عظمة الخالق جلَّ وعلا ، وعظيم قدرته .

         ولعل فيما يلْمسه المتأمِّل من طبيعة التسخير الحيواني ، الملازمة لخلْقتها : ما يكفُّ الغلاة عن التسْوية بين الإنسان والحيوان ؛ إذ كيف يسوغ للمتساويين في الطبيعة الفطريَّة ، أو حتى المتقاربيْن فيها : أن يتفوَّق أحدهما – بصورة دائمة على الآخر – في تسخيره لخدمته ؛ في حمل أثقاله ، وإشباع بطنه ، وترويض خُلُقه...مما لا يتأتى من مجانين بني آدم ، فضلاً عن أسْويائهم ؛ لأن التمرُّد على السُّخْرة والاسْتعباد والإذلال طبع عامٌ فيهم ، لا يتقبَّلون شيئاً من ذلك على ذواتهم أبداً ، حتى وإن فقدوا عقولهم ، في حين هو سلوك حيوانيٌّ مقْبول ، لا يُكلِّف الإنسان كثير جهد وتعب ، حتى يبلغ من الدابة حاجته منها ، وفق مصالحه وأهْوائه .

         ثم هذه الأخلاق ، التي تفرَّد بها الإنسان ، وأصبحت عنواناً له : أين هي من عالم الحيوان ؟! فما زال الإنسان : يصْدق ويكْذب ، ويُكْرم ويبْخل ، ويُؤمن ويجْحد ، ويتعلم ويجهل ، ويحْترم ويسْتهْزئ...ضمن قائمة طويلة من الأخلاق الفطْريَّة والمُكْتسبة ، التي تأتي ضمن ضروريَّات الطبيعة البشريَّة ، التي حُجب عنها عالم الحيوان بأسْره ؛ ولهذا يحتاج سائس الحيوان إلى جهد كبير ، وزمن طويل ؛ ليبلغ من الأسد أو الفرس أو الدُّب أو الكلب : سلوكاً واحداً مُغايراً لطبيعته الفطْريَّة ، التي خلَقه الله تعالى عليها ؛ لذا يأتي السلوك الجديد مثيراً للإعْجاب ، حين يصدر عن الحيوان الأعْجمي ، حتى وإن كان سلوكاً يسيراً ومحدوداً ، في حين يتعلَّم الطفل الصغير بفطرته الطبيعيَّة - من خلال مجرَّد المعايشة الاجتماعيَّة - سلوكيات ومهارات وأنشطة ، تفوق - الواحدة منها - تعلُّم أجود الحيوانات في سنوات تدْريب طويلة ، فضلاً عمَّا يتعلَّمه الطفل سريعاً من مسالك التعقُّل الاجتماعي ، والتعاطي الخُلُقي والأدبي .

         ولهذا كان التكليف الإلهي – من خلال الرسل والرسالات – خاصيَّة إنسانيَّة من الدرجة الأولى ، لا مكان فيها للمملكة الحيوانيَّة بأجْمها ، فلم يُؤْثر أن خُصَّت طائفة من الحيوانات برسالة ربَّانيَّة ، فهذا القاطع الجذري ، بين عالميْ الإنسان والحيوان : لا يجوز لعاقل – من أية ملَّة أو نحْلة – أن يُعْرض عنه ، ليُشاغب – في المسألة - بغيره ، فهذا فاصل جذريٌّ ، لا يقبل الجدال ولا المحيد ، ولهذا تُجْمع الأديان السماويَّة : على أن وجود الإنسان طارئ على الطبيعة الأرضيَّة ، قد جاء إليها من خارجها ، وَفْق ما جاء في الكتب المنزَّلة ، من خبر نزول آدم وزوجه - عليهما السلام – إلى الأرض ، ثم هو - بعد زمن مقدَّر ومعْدود - يصير إلى جنة أو نار ، في حين أن الحيوان – كان وما زال – جزءٌ من مكوِّنات الطبيعة الأرضيَّة ، لا يُتصوَّر انْفكاكه عنها بحال ، فقد بدأت نشأته منها ، وهو عائدٌ إليها في نهاية المطاف .

         وممَّا يُذكر هنا من الفوارق البارزة : انْفراد الإنسان – منذ أوَّل وجوده – بنوع واحد ، فكلُّ إنسان - عبر التاريخ البشري – ينْتمي إلى ذات النوع في غير تعدُّد أو تنوُّع أو اختلاف ، في حين أنه لو قُوبل هذا الانفراد الإنساني الأوحد : بحجم التنوِّع والتعدُّد والاختلاف والتطوِّر الحيواني ، لكان الفارق بينهما – عند كلِّ عاقل - في غاية الشقَّة والمباعدة والاتساع ، لا سيما إذا أُضيف إلى قائمة الحيوان كلَّ : طائر ، وزاحف ، وسابح ،  إضافة إلى ممالك الحشرات المختلفة بأنواعها ، فحينئذٍ يتَّضح التصوُّر المذهل عند كلِّ متأمِّل منْصف .

         وخاتمة الحجج العقليَّة في هذا المقام - مما يأتي مُجْهزاً على كلِّ معْترض مُكابر – قضايا : الكلام ، والضَّحك ، والبكاء ، التي انْفرد الإنسان بها وحده ، دون سائر المملكة الحيوانيَّة ؛ فاللغة الرمزيَّة ، التي تصدر عن الإنسان بحرفٍ وصوت ، مما حُرم منه الحيوان أجْمع : قد اخْتصرت له الزمان اخْتصاراً ، ومهَّدت له طريق المجْد الحضاريٍّ تمهيداً ، وذلك حين حوَّلت الأفْكار والأشياء ، والتفاعلات البشرية كلَّها إلى رموز لغويَّة ، يمكن للفرد التعبير عنها بسهولة ، بحيث تحمل اللغة - بين الحروف والأصوات - المعاني المطْلوب إيصالها إلى المتلقِّي ، بحيث تبْلغه مسْتوفية حاجة الطرفين – المتكلِّم والسامع – إلى البيان ، فهذا – في حقِّ الإنسان - وصف كمال ، وليس وصف نقْص ؛ ولهذا اتصف البارئ – جلَّ وعلا – بصفة الكلام ، فكلُّ كمال توافق عليه أسوياء البشر ، فالله تعالى أولى به .

           وللمتفكِّر أن يُمعن عقْله في حجم المعاناة الاجتماعيَّة ، عندما يعْجز الأبكم عن إيصال رسالته عبر اللغة الرمزيَّة اليسيرة ، فيلْجأ مضْطرًّا إلى الإشارة والصياح ، فلو قُدِّر أن هذا هو أسلوب التواصل الاجتماعي والفكري عند البشر من أوِّل الخليقة ، فلا يكون لهم رموز لغويَّة يتبادلونها فيما بينهم : فأيُّ عطل مُجْهز ، يمكن أن يُحيط بالإنسانيَّة ؟ وأية أزمة حضاريَّة ماحقة ، يمكن أن تنْتاب البشريَّة ، مما يمكن لواصف بليغ أن يصف حالها ؟! فهذا العطل البياني ، هو الذي حاق بعالم الحيوان ، مما عافى الله منه عالم الإنسان .

          وأما الضَّحك فمقْطوعٌ به أنه إنسانيٌّ بامتياز ، فليس في المملكة الحيوانيَّة ما يَضْحك ، فهذه خاصيَّة بشريَّة مفْردة ، لا يُنْكرها إلا مكابر لئيم ؛ فإن الحسُّ والوقائع والخبرات : تشْهد كلُّها لذلك بلا نزاع ؛ إذ الحيوان أحْوج إلى طبع الغضب منه إلى الضَّحك لحفظ ذاته ، ولهذا تغضب الحيوانات ، وربَّما ظهرت علامات ذلك واضحة على وجوه بعضها ، لا سيما الثديَّات منها ، فكيف يُسوِّي عاقل بين ما يضْحك وما لا يضْحك ؟ فإن الضَّحك صفة كمال بشري ، كخاصيَّة الكلام عندهم ، ولهذا اتصف الخالق – تبارك وتعالى – بصفة الضَّحك ، كما صحَّت بذلك الآثار ، فكلُّ كمال : الله تعالى أحقُّ به من المخْلوق .

         وكذلك حال البكاء لا يخرج – بالنسبة للإنسان – عن الخاصيَّتين السابقتين ، غير أنه ليس من صفات الباري – سبحانه وتعالى – لما فيه من الانْكسار والتخشُّع ، مما لا يليق بالغني الجبَّار – تبارك وتعالى - ولهذا لا يُعدُّ البكاء – في حقِّ الإنسان – كمالاً بإطلاق ، إلا إذا كان باعثه نبيلاً ، ولا يُقال هذا في صفتي الكلام والضَّحك ؛ لأن الأصل في القدْرة عليهما هو الكمال .

          وأما ما يُنقل في السير من أخبار حيوانات تبكي ، وأخرى تتكلَّم ، ولعلَّ بعضها يتعقَّل ، فهذه – إن صحَّت مرْويَّاتها في الجملة- فمحمولة على الإعجاز الربَّاني ، في إنْطاقها ، أو بُكائها ، أو نصْحها ، كما في حكاية القرآن عن نصْح النملة لأخواتها ، في خبر تعجُّب نبيِّ الله تعالى سليمان – عليه السلام - فهذه الخوارق الإعْجازيَّة ، لا تدفع الحقائق الفطْريَّة الثابتة ، ولا تردُّ المشاهدات الواقعيَّة المتواترة ، وإلا لم يكن للإنسان ميزةٌ يتميَّز بها ، إذا كانت الحيوانات تسْلك موافقة لسلوكه ، وتتعقَّل مطابقة لنهْجه !! كمن يزعم – مشاغباً - أن الببغاء يتكلَّم كالإنسان ، وقد غفل عمَّا هو أعْجب منه ؛ فهذه الجمادات كالمذياع والتلفاز والهاتف الجوال ، ونحوها كلُّها تتكلَّم ، وربَّما تفاعل بعضها ، مثل الروبوتات الحديثة الفائقة ، التي تحاكي بعض سلوك الإنسان ، فإن المتكلِّم - من هذه الجمادات – بغير أجْهزة الكلام ؛ من لسان وفكٍّ وحبال صوتيَّة : أعْجب وأدْعى للدَّهشة من الببغاء ، الذي يتكلَّم وقد امْتلك أجهزة الكلام .

          ولئن كان الجهل بالدين الحقِّ عذراً لبعض الغافلين ، حين ضلُّوا في تحديد أصل الإنسان ؛ فإن عذر المسلم يضيق ، بل يتلاشى فلا يبقى له عُذرٌ يُقْبل ، حين يتيه في معْتقده حول أصل الإنسان ؛ فتختلط عليه الحقيقتان الإنسانية والحيوانيَّة ، فلا يعود يُميِّز بينهما ، وهو يقرأ قول الحقِّ – سبحانه وتعالى – في مركزيَّة الإنسان في الكون : ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (45/13) ، ويقرأ قوله – جلَّ وعلا -  في تكريم الإنسان : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (17/70) ، فمن لا يهتدي بنحو هذا ، بماذا تُراه يهْتدي ؟ 

 

 

]]>
Sun, 01 Jan 2017 18:23:49 +0300
العبادة الحضارية مقال شهر ربيع الأول 1438هـ

العبادة الحضارية

           الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيِّد الناس ، وحبيب الحقِّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماَ كثيراً ، أما بعد .. فقد كشف الله تعالى للمكلَّفين من الإنس والجنِّ الغاية من وجودهم على الأرض ، يخلف بعضهم بعضاً ، فقال الله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) (51/56) ؛ إذ ليس للخالق – جلَّ وعلا – غرضٌ من إيجاد الثقلين على هذه الأرض ، إلا من أجل تحقيق العبوديَّة الخالصة له تبارك وتعالى ، التي شملت بتكاليفها كلَّ مجالات الحياة الدنيا والآخرة ، في جميع تشعُّباتها وطرائقها المختلفة ؛ في نهج التنسُّك والتألُّه ، وفي نهج المعاملة والمخالطة ، وفي نهج السعي والعمارة ؛ فقد شرع المولى – عزَّ وجلَّ - للمكلَّفين نهج عبادتهم حين يتنسَّكون ويتألَّهون ، ونهج عبادتهم حين يتعاملون ويتخالطون ، ونهج عبادتهم حين يسعون ويُعمِّرون ، فكلُّ ذلك مضْبوطٌ بالوحي : (...وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (16/89) ، فلن يفوت الوحيُ شيئاً من مصالح العباد ، مهما كان دقيقاً ، فضلاً عمَّا يفتقرون إليه من جليل الأمر وعظيمه .

           ولئن كانت النظم الوضعيَّة تتسابق فيما بينها ، لوضع منْظومة تشريعيَّة شاملة ومحْكمة ، لا تفِّوت – حسب زعم مشرِّعيها – مصلحة صغيرة ولا كبيرة ، فإنهم مهما ادَّعوا من الشمول والضبط والدقَّة ، ومهما بذلوا من الجهد والبحث والنظر ؛ فإنهم قطْعاً لن يحقَّقوا للإنسان مصلحة الآخرة ، فقصارى جهودهم مهما بلغت ، ومنْتهى غاياتهم مهما عظمت : لن تتعدَّى بالإنسان – إن كُتب لبعضها النجاح - حدَّ الحياة الدنيا ، في حين أن مصْلحة الآخرة ، التي إليها مصير الناس جميعاً ، ونهاية كلِّ مساعيهم ، وغاية جميع مسالكهم : قد غابت بالكليَّة عن المشرِّع الوضْعي ، إما عن قصد أو عن غير قصدٍ ، فكلاهما – القاصد وغير القاصد – من المشرِّعين الوضعيين : سواءٌ في شأنها ؛ لأن مصْلحة الآخرة منوطةٌ بالمبلِّغين عن الله تعالى ، من الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فلا سبيل إلى تحقيق مصْلحتها إلا عن طريقهم .

         وهؤلاء المشرِّعون – مهما ادَّعوا من التواضع – فهم طائفة من الأرباب المزْعومة ، الذين نصبوا أنفسهم آلهة تُطاع من دون الله تعالى : ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ...) (9/31) ؛ فإن من أخصِّ خصوصيَّات الإله : حقُّ التشريع لعبيده : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) (23/115-116) ، فالخلْق بلا أمر ، ولا نهي ، ولا إلزامات تشريعيَّة - في حقيقته - عبثٌ يستحيل في حقِّ الله تعالى .

         لذا فإن ربوبيَّة الله تعالى - المسْتلْزمة لألوهيَّته - تقْتضي حتْماً أن ينفرد وحده – جلَّ وعلا – بحقِّ التشريع لعباده ، فلا يُنازعه في حقِّ تعبيد العبيد أحد ؛ إذ هو – سبحانه وتعالى – أغنى الشركاء عن الشرك ، فلا بدَّ أن يخلُصَ له الخلْق وحده ؛ في توجُّههم العبادي ، وفي نهج تنسُّكهم ، وفي نوع حكْمهم ، وفي كلِّ دقيقٍ وجليلٍ من شؤونهم ، فلا يكون لله تعالى أندادٌ من الخلْق ، فتخْلُص بذلك العبوديَّة له وحده : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) (1/5) ، بمعنى : إيَّاك أريد بما تريد ، فليس للعبد المملوك إرادةٌ تعارض إرادة السيِّد المالك سبحانه وتعالى ، إنما هو عبدٌ ينهج طريق ربِّه ، وهذا من ضروريَّات مقْتضيات الملْك ؛ إذ لا معنى لملْك لا يكون للمالك فيه إرادةٌ نافذة ، وحقٌّ كاملٌ في التصرُّف المطْلق : (...أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ...) (7/54) .

           غير أن الباري - جلَّ وعلا – بحكْمته البالغة : جعل للمكلَّفين إرادة محدودة ، ضمن مشيئته العامة ، يختارون لأنفسهم مسالكهم التعبُّديَّة ، فلا يتعدُّون بإرادتهم حدود مشيئته التي أذن لهم فيها ، وبمقتضاها تكون المحاسبة والمؤاخذة يوم القيامة ، فينقسم الناس – بناء على مراداتهم - إلى شقيٍّ وسعيد ، فلا يُتجاوز بالمكلَّف اختياره لنفسه ، بمقتضى إرادته الحرَّة ، ضمن مهْلة التكليف ، التي أمهله الله تعالى إيَّاها : (...وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ) (21/102) .

           وبناء على هذا الفهم : فلن تكون العبودية مهمة خارج قدرات الإنسان وطبيعته ، بحيث يعجز عن تحقيقها ، فهي مهمَّة ضمن القدْرة البشريَّة ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فهي تكليفٌ موافق للفطْرة الإنسانية الطبيعيَّة ؛ إذ لا بدَّ للإنسان أن يعبدَ ويتألَّهَ شيئاً ما ، فإما أن يعبد الإله الحق ، وإما أن يعبد آلهة باطلة ، فإلْحاح الفطرة للتعبُّد لا يسْمح بشغور موضعها من النفس الإنسانيَّة دون إشْغال ، فإذا لم يجد الإنسان طريق العبادة الصحيح ، فيهتدي إلى النهج القويم ؛ فإنه – بالضرورة - يتعبَّد آلهةً أخرى ؛ إذ الخلَّة النفسيَّة للتعبُّد لا تسكن إلا بممارستها ، حتى إن الضال من الناس يغيب عن عقله في ممارسات تعبُّديَّة لا تُعْقل ولا تُفْهم ، فقد عبَّر المؤرخ الأمريكي ول ديورانت في كتابه الكبير ، المعنْون بقصَّة الحضارة ، عن طبيعة الإنسان الملحَّة للتعبُّد ، وضلاله – في ذلك -  حين يضلُّ ، فقال : ( ما من حيوان في البيئة ، إلا كان - في يوم من الأيام - مقدَّساً عند أمة من الأمم ، باعتباره إلهاً ) ، فلا حدَّ للضلال العقدي عند الإنسان ، حين يفْقد مسْلك الاستقامة والهدى ، فيهبط بنفسه إلى دركة سحيقة ، ليس دونها ما يمكن الهبوط إليه . 

           وهذا السقوط البشري المدوِّيٍ ، هو نفسه سقوط كلِّ كافر ومشْرك من أهل الملل والأهواء ، لا سيما من عبَّاد الأصنام في العصور الجاهليَّة السابقة ، ومَن شابههم في العصور الحديثة القائمة ، فما زال الإنسان – منذ القديم – يفصل بين سلوكه التعبُّدي الضال غير المنْطقي ، وبين مقْتضيات العقل الصريح في العمارة الحضاريَّة ، حتى إنه يقيم الحواجز المتينة المحْكمة ، بين ما هو عبادي غير معْقول ، وبين شؤون الحياة المتعَقَّلة ، فلا يضيره اجتماعيًّا أن يمارس السلوكيْن بكفاءة كاملة ، ولا يشينه في نفسيًّا أن يكون عاقلاً ومجنوناً في وقت واحد .

         ولعلَّ ما يجلِّي الفكرة قصَّة نبيِّ الله إبراهيم – عليه السلام – مع قومه ، حين أراد يقظتهم من غفْلتهم المطْبقة ، من خلال كسْر الحواجز السوداء المظْلمة بين العبادة والعقل : ( فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ، مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ ، فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ، قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ، قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ) (37/91-97) ، فرغم وضوح حجَّة العقل ، وسقوط زيف الوهم ، وانْكشاف الحقيقة جليَّة بيِّنة - ومع ذلك - غلبت الأهواء المسْتحْكمة على صريح العقول المكلَّفة ، فلم تُغْنِ قوَّة البيِّنة عن الهالك شيئاً ، وإنما زادته رجْساً إلى رجْسه ، وصلَفاً إلى صلَفه .

         وعلى الرغم من أن مُقتضى وجود الأهليَّة العقليَّة عند الإنسان : أن يكون سلوكه ، واختياراته ، وأهدافه : مُتعَقَّلة منْطقيَّة ، فلا يصدر عنه إلا ما يوافق مقتضيات العقول الفطريَّة السليمة ، فكيف ساغ للعاقل المكلَّف أن يفصل هذا الفصل المقيت ، بين ما هو تعبُّدي تنسُّكي ، وبين ما هو إنشائيٌّ حضاري ؟! فتراه في سلوكه التعبَّدي أبعد ما يكون عن التعقُّل ، في حين هو في مصالح دنياه حضاريٌّ متعقِّلٌ بامتياز ، في الغاية من ذلك في تعامله الحضاري مع البيئة الماديَّة ، فما زال الضال من بني آدم يجوب الفضاء بأقماره الصناعيَّة ، ويغوص الأعماق بغوَّصاته الذريَّة ، ويُعمِّر الأرض بقدراته الإبداعيَّة ، ويجدِّد ويُطوِّر في كلِّ مجالات العمارة ، فيأتي بما يُبْهر العقول ، ويذهب بالألباب ، في الوقت الذي هو فيه منْحطٌّ عقْديًّا ، ومنْكوسٌ تعبُّديًّا !! ولهذا لما أُسْقط في أيديهم – يعني قوم إبراهيم – وبانت لهم الحجَّة البالغة الدامغة ، وحصلت لهم - بوقْعها الباهر على عقولهم - اليقظة الضروريَّة : إذا بهم ينْتكسون من جديد ، راجعين إلى انحطاطهم العقلي السابق : ( فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ ) (21/64-65) ، فإذا بخرَس الأصنام ، الملازم ضرورة لطبيعتها ، مما هو نقصٌ وقصور : يتحوَّل - عند مجانين التعبُّد - دليلاً لردِّ الحجج الماديَّة الساطعة ؛ بحيث يكون الواقع القاصر المخْزيُّ للآلهة المزْعومة : حجَّة لا بدَّ من احترامها !!

          وهكذا عالم الإنسان لا يكفي فيه قيام الحجَّة - مهما كانت واضحة وجليَّة - ما لم تكْتنفها إرادة إلهيَّة نافذة ، وهداية ربَّانيَّة راحِمة : ( وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ، يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) (76/30-31) .

         من هنا فإن العبودية الحقَّة نهج شامل كامل ، ينتظم الإنسان بكل أبعاده الشخصيَّة ، المكوِّنة لذاته البشريَّة ، المفْتقرة إلى التنسُّك والتألُّه ، من خلال الشعائر التعبُّديَّة ، كما يشمل – في الوقت نفسه – حركته الحياتيَّة في جميع أنشطته البيئيَّة المخْتلفة ، المتعلِّقة بسعيه الحضاريِّ في الإنشاء والعمارة وإثارة الأرض ، فكلُّ ذلك - في جميع كليَّاته وتفصيلاته - عبادة معْقولة ، لا يخرج شيء منها عن نطاق الإرادة الإلهيَّة الشرعيَّة : ( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (10/61) ، فمحْراب الصلاة موازٍ تماماً لمحراب المخْتبر ، يتناغمان معاً في المسْلك التعبُّدي ، ويتطابقان معاً في الغاية نحو رحاب الله تعالى ، كلٌّ حسب نهج هدايته ، فتتحقَّق – من خلال المحْرابين في تناغمهما وتطابقهما – العبوديَّة الحضاريَّة ، التي أرادها الله تعالى من خلافة الإنسان في الأرض ، فلا منازعة ولا مخاصمة بين نهْجي العبادة : الشعائرية التنسُّكيَّة ، والتعميريَّة الإنشائية ، فكلاهما يتوافق مع الآخر ، في خطِّين مستقيمين متوازيين ، لا يختلفان ولا يتقاطعان ، يشقَّان طريقهما نحو غاية كليَّة نهائية : هي مرضاة الله تعالى .   

        وبناء عليه : فإن كلَّ نشاط موافق للشرع يدخل في مفهوم العبادة ؛ فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه ، فلا يشذ عنها شيء من حركة الإنسان الظاهرة ، ولا مراداته ومقاصده الباطنة ، كلُّ ذلك مشْمولٌ بمنهج العبادة ، بما في ذلك فروض الكفايات ، بكلِّ أنواعها وفروعها ، مما تصْلح به الأرض وتعْمر .

           وهذا الفهم الشامل لمدلول العبادة : لم يكن غائباً عن جيل الصحابة – رضي الله تعالى عنهم -  فقد كان حاضراً في الأذهان ، حين أنزل الله تعالى تزكيتهم بقوله : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...) (3/110) ، رغم أنهم كانوا - حين نزولها - في شدَّة وكرْبٍ من ضيق العيْش ، يحيوْن حالة من التخلُّف المادي في العمارة والإنشاءات ، إلى درجة انكشاف عورات بعضهم من قلَّة الأكسية ، حتى قال سهل بن سعد – رضي الله عنه – في وصف هذه الحالة الشديدة : ( لقد رأيت الرجالَ عاقدي أُزُرهم في أعناقهم ، مثلَ الصبيان ؛ من ضيق الأزُر ، خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال قائل: يا معشر النساء ، لا ترفعنَّ رؤوسكنَّ حتى يرفع الرجال ) ؛ وذلك خشية من اطِّلاعهنَّ على عورات بعض الرجال حال سجودهم ، ومع هذا الضيق الحضاري الشديد : فقد كانوا خيرَ أمة أخرجت للناس ، ليس ذلك لما هم فيه من الضيق المادي ؛ فالتخلف لا يُحمد ، وإنما لما يحملونه في نفوسهم وعقولهم من النظر الحضاري المفْعم بالعبودية لله تعالى ؛ ولهذا ما لبثوا طويلاً – حين فتح الله عليهم - حتى عمروا الدنيا بالعبوديَّة الحضاريَّة ، في أجمل وأحسن صورها ، فقادوا الإنسانيَّة – ديناً ودنيا – نحو فرجها وسعادتها ، فتهيَّأ للمكلَّفين - من كلِّ ملَّة - حريَّة الاختيار في غير إكْراه ، فتمتَّع الجميع – المؤمن والكافر – بكرامة الإنسان ، ورحمة الإسلام ، في ظلِّ عبوديَّة الجميع لله تعالى : اختياراً أو اضطراراً ، حتى أصبح الدين كلُّه لله تعالى وحده .

 

]]>
Wed, 30 Nov 2016 10:14:37 +0300
مهالك العُشَّاق مقال شهر صفر 1438هـ

مهالك العُشَّاق

        الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وكرَّمه أحسن تكريم ، وكلَّفه أفضل تشريع ، فلا يضلُّ بعد الهدى ، ولا يشقى بعد السعادة ، ولا يتيه بعد الرشد ، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد ، وأشهد أن محمداً عبده وصفيُّه وخليله ، بلَّغ رسالة النور ، وأبان نهج الحقِّ ، وأسس سبيل العدل ، فلا إفراط ولا تفريط ، ولا غلوَّ ولا تقْصير ، أما بعد .. فإن الإنسان هو أعجب مخلوقات الله تعالى ، بما حباه الخالق – جلَّ وعلا – من عظيم الملكات والمهارات ، وجليل الفهوم والنظرات ، وكريم المشاعر والسجيَّات ، فهو كائن متفرِّد ، ليس بجانٍّ ولا شيطان ، ولا ملَكٍ ولا حيوان ، وإنما هو بشرٌ ، خُلق خلْقاً مسْتقلاً عن سائر المخلوقات الأخرى ، غير أنه قد يُشْبه بعضَها في شيء من مظاهر بدنيَّة وسلوكيَّة ، إلا أنه يبعد عنها في مراداته وغاياته ، ويتميَّز دونها في مشاعره وأشواقه ، ويَبينُ منها بتعقُّله وانْضباطه ، فبقدر ما يفقد الإنسان من مميِّزاته البشريَّة ، وسجاياه الخلُقيَّة ، وضوابطه العقليَّة ، فإنه ينحدر منْحطًّا إلى أشباهِهِ الحيوانيَّة ؛ فإذا فقد إيمانه صار شيطاناً مريداً ، وإذا فقد أخلاقه كان حيواناً وضيعاً ، فالإنسان لا ينْزل من عليائه السامقة – التي بوَّأه الله تعالى - إلى ما يشينه في دينه وخُلُقه ، إلا حين يتخفَّف مما هو به كريم ، ويُعرض عمَّا كان به عزيزاً : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث...) (7/175-176) .

         وكما أن سموَّ الفائزين عُروجٌ في درجات ، يرْتقي فيها الفائز في سلَّم المجد عتَبات ، فإن انْحطاط الهالكين درَكات ، يهبط الهالك في أسافلها طبقات ، وينحدر في عمقها مسافات ، فلا يكاد يبلغ قاعها لبعْد عمْقها ، وطول منْزَلها : (...وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) (22/31) ، ومن دون قاعها السفْلى مهابط رذيلة ، ومَهاوٍ أخرى حقيرة ، يسقط فيها التعساء ، ويتردَّى فيها الأغبياء ، فبقدر تعاسة الشقيِّ ؛ في ضعف فطْنته ، وسوء تدبيره ، وغلبة هواه ، وقبْح داخِلته : يكون حجم عطَبه ، وشدَّة تيهِه ، وهَوَان نفسه ، وانحطاط ذاته ، فمستكثرٌ من ذلك ومقلٌّ ، ومُسْتزيد منه ومتخفِّفٌ .  

          وإن من مراذل الإنسان وقبائحه ، وخسيس سقطاته ومسالكه : وقوعه في العشق ، خارج نطاق الزوجيَّة المشْروعة ، أو ملك اليمين المباح ، فأوَّل العشق لعبٌ وهزلٌ وتفرُّجٌ ، وآخره جدٌّ وعقْرٌ وتمرُّغ ، فما يلْبث اللَّعوب المتجرِّئ طويلاً ، حتى يغدو أسيرَ لهْوه ومُجونه ، محْبوساً في قبوِ العشَّاق ؛ فهو سهل المدخل إلى القلوب الضعيفة ، ولكنَّه عسير المخرج إذا تمكَّن منها ، فإذا بلغ العاشق مراده بوصال حبيبه ، في غير ريبة شرعيَّة محرَّمة ، ولا قبيحة اجتماعيَّة مُذمَّمة ، ثم دامت العشْرة بينهما طويلاً ، حتى يهلك أحدهما : فقد نجيا من مقاتِل العشق المحقَّقة ، المكْتوبة على الماجنين ، ومهاويه المهْلكة ، المقْضيَّة على الفاسقين ، فعلى الباقي منهما مصابرة الأيام والليالي ، فعمَّا قليل يلحق صاحبه .   

           وإنما العطب كلُّ العطب في عشقٍ معطَّلٍ لا يبلغ منتهاه ، وأملٍ يائسٍ لا يصل مُبْتغاه ، فتحول بين العشيقين أقدار ربَّانيَّة مقدَّرة ، أو شرائع دينيَّة مُحْكَمة ، أو أعْراف اجتماعيَّة محْترمة ، وهذا الغالب على وقائع العشَّاق ؛ إذ غالباً ما يتورَّطون في العشق بمجونهم ، وقبيح صنيعهم ؛ في جُرْأة سلوكهم ، وقلَّة أدبهم ، مما يسْتنكف معه الأولياء ، فلا يستجيبون لأهوائهم ، ولا يلينون لعواطفهم  ؛ لما في سلوكهم من الوقاحة والخسَّة ، وتجاوز الحدود الأخلاقيَّة ، وتخطِّي الآداب الاجتماعيَّة المرْعيَّة .

          وهنا عند هذا الحدِّ من الصدِّ الاجتماعي ، والصلف العائلي : تبدأ معاناة العاشقين وعذاباتهم ، في درب الهلاك والعطب ، وطريق العذاب والندم ، فلا عودة إلى الوراء ؛ بتجنُّب أسباب الهوى ، فقد فات أوان ذلك ، ولا تقدُّم إلى الأمام بنيل المطلوب ، فثمَّ حاجز الشرع ، وسوط المجتمع ، فلا سبيل للمفْتونين سوى الصبْر على ما لا يقدرون عليه ؛ من مكابدة لهيب الشوق الحارق ، وأليم الفُرْقة القاتِل ، فما يزيد تتابع الأيام على المفْتون إلا كمَداً وصبَابة ، وما تخْلُف السنين على فتْنته إلا توقُّداً واشْتعالاً ، فلا هو بواصلٍ فيسْعد بوصاله ، ولا هو بناسٍ فيستريح بنُسْيانه ، وإنما تقلُّ معاناة العاشِق إذا كان دافعه الشهوة فيضعُف الألم بضعْفها ، أما إذا كان مبْعثه مشاكلة النفس وميلها ، فهذا في الغالب يدوم للتعيس ، فلا تزيده الأيام إلا شحْذاً ، ولا تمدُّه السنوات إلا وَقوداً .

          حتى إذا أضناه  الشوق ، وبلغ منه مبْلغه ، فلا مزيد فوق ذلك يُطيق تحمُّله ، فعندها يخْرج العاشق عن سكونه ، بطلب الحيلة إلى محْبوبه ؛ فإن العشق وَقود الجبناء ، ومُحرِّك الخاملين الأغبياء ، فإذا به يحوم حول الديار ، ويسْترق السمع والأبصار ، ويبعث بالرسائل والإشارات ، ويتلقَّف العلوم والأخبار ، يروم كلمة يسمعها ، أو إطْلالة يرمُقها ، أو حتى حركة يأْنسها ، أو معْلومة يتعرَّفها ، فما يزال كذلك على حالته البائسة ، قد انتهى أمله إلى نظرة تَشْفيه ، وخلص رجاؤه إلى همْسة تُرْضيه ، وانْحصرت رغبته في قُصَّة تُلْهيه ، فإذا بلغ من محبوبه فوق ذلك ؛ من لقاء في خفْية يجمعهما ، فقد بلغ المنتهى في الأمل ، والغاية في المراد ، فإذا تفطَّن له القوم بأسْيافهم ، وتناولوه بسياطهم ، وأوعدوه بعقابهم : فقد هلك بانقطاع وسائل الوصال ، فليس له إلا زفرات الأنفاس الحارَّة ، تنْبعث من جوف خاوٍ محروق ، لم يعد فيه إلا خيالات المعْشوق ، تتراءى له في كلِّ ناحية من نفسه ، وتتمثل له في كلِّ زاوية من فكره ، فلا ينْتفع بشيء من ملكاته ، فلا هو بحيٍّ فيعمل ، ولا بميِّت فيُدْفن ، قد غابت نفسه عن الحياة ، فليس هو في شيء من مشاغل الناس واهتماماتهم ، قد انقبضت نفسه إلى داخلها ، منْشغلة بعظيم كرْبها ، فلا يفهم ممَّا يخوض فيه الناس ، ولا يتنبَّه إلى أحاديثهم ، إلا ما كان إشارة تُذكِّر بمحْبوبه ، أو رمْزاً يُثير إلى معْشوقه ؛ فالاسم ومشتقاته ، والناحية وجهاتها ، والدار وعوالِقها ، وغيرها مما يذكِّر بالمحبوب ، فلا يهَشُّ ولا يبَشُّ إلا لنحو هذه المعاني ؛ إذ لم يعد في قلبه من الدنيا إلا هذا .

         ومن عجائب الوقائع الحديثة في هذا الشأن ، أن شابًّا وسيماً من أحسن ما يكون من فئات الشباب ، مع خلق ودين وعلم ، خطبه رجلٌ ثريٌّ لإحدى محارمه ، فتزوَّجها ودخل بها ، فإذا هي رتْقاء ، يستحيل جماعُها ، فمكث معها سنتين على هذا الحال ، ثم قرَّر طلاقها ، فما لقيَ بعدها خيراً ، قد تبعتها نفسُه كأشدِّ ما يكون ، وما عرف أنه عاشقٌ لها ، ولم يكن له سبيل إلى رجوعها ، فقد استنكفت ذلك هي وأهلُها ، وقد كانت قبل زمن يسير في عصْمته ففرَّط فيها ، فما هي إلا سنوات معدودات قلائل مرَّت على هذا الشاب ، لم تتْرك له في رأسه ولا وفي لحيته شعرةٌ سوداء ، حتى عاد شيخاً في سنِّ الشباب ، مع ما لحقه من التدهور الصحي : البدني والنفسي ، وتعطُّل حياته العلميَّة والعمليَّة ، وتعثر استئنافه حياة زوجيَّة جديدة ناجحة ، ومع كلِّ هذا لم يُفصح صراحة عن تعلُّقه بزوجته الأولى ، ولكن حين سأله أحدهم - في ساعة صفاء مرَّت به - : ( ما رأيك لو عادت لك فلانة ) ؟ فقال على البديهة ، بلا سابق تأمل ولا تفكير : ( تبْتسِم الحياة ) !! فما لبث أن تنبَّه سريعاً لتصريحه هذا ، فأنكر ما قال وجحده ، فكذب لسانه ما استقرَّ في قلبه ، وقد صدق ؛ فإن الذي صرَّح بهذه الحقيقة ، إنما هي النفس وليس اللسان .  

         ولهذا كثيراً ما تنطلق قرائح المكْلومين ، بالبيان : شعراً ونثْراً ، فيأتي بعضهم بما لا يقْدر على مثله فحول الكُتَّاب والشعراء ، ممن عُوفيَ من ورطاتهم ، فلم يذق حُرْقتهم المؤلمة ، ولم يكْتوِ بمكْواتهم الحارقة ، حتى عجب العجب من تراكيبهم اللغويَّة ، ومفاهيمهم الفكريَّة ، وقدراتهم الإبداعيَّة ، وكأنها نُظُم الشياطين وكلامهم ، وهم في الحقيقة لا يزيدون في تعبيراتهم الصادرة من عمْق نفوسهم ، عن وصف أشواقهم ، وعظيم مصابهم ، وجليل خطْبهم ، في جمل وأبيات لا يقدر على مثلها إلا مصْروع مكْلوم ، قد بلغ منه الضنى مبلغه ، فهم لم يجدوا إلا اللغة المنْظومة ، فحمَّلوها أحزانهم ، وعبَّؤوها آلامهم ، وبثوها شجونهم ، فكانت رسول صدقٍ وفيٍّ أمين ، حفظت كلماتهم ، وأبلغت آهاتهم ، وما زال الأدباء على مرِّ العصور ، يتندَّرون بأبيات قالوها ، ويتغنَّون بقصائد سبَكوها ، حتى غدت عيوناً من الشعر لا نظير لها في بابها ، وهذا من المفارقات العجيبة ، أن يأنس ذوَّاقة الأدب بمصارع العشَّاق ، كقول مجنون ليلى ، قيس بن الملوِّح ، حين فاتته ليلى إلى غيره من الأزواج :

قضاها لغيري وابتلاني بحبِّها           فهلا بشيءٍ غير ليلى ابْتلانِيَا

        حتى إذا أُغلقت على العاشق المنافذ ، وأُوصدت دونه الأبواب ، وتنكَّر له الناس : هام المسْكين على وجهه في الصَعُدات ، يتوسَّد التراب ، ويلْتحف السماء ، مسْتوحشاً من كلِّ شيء ، قد ذهِل عن نفسه حتى تلِفت ، بتعاقب الأحزان ، وتوارد الهموم ، ففي العشق نصف الأمراض والأدواء ، وقد قيل : السُّل داء الحبِّ ، فالعشق يُنْحِل البدن ، ويُعْشي بالبصر ، ويُعطِّل العقل ، ويُذهب الهمَّة ، ويُذلُّ الكرامة ، فهو نوع من الخبل العقلي ، إذا لم يكن هو الجنون على الحقيقة ، فليس لقتيله إلا الحسرات يكابدُها ، والآلام يُعانيها ، فما يبلث – مَن هذا حاله – أن يتوحَّش ، بطول زمان التصحُّر والشرود ، فينفر من البشر إلى الوحوش ، ومن الحواضر إلى الحُشوش ، وفي معنى هذا الشقاء المحتوم قال الشاعر :

              وما في الدهر أشْقى من مُحبٍّ                   وإن وجد الهوى حلْو المذاق

تراه باكياً في كلِّ حالٍ                             مخافة فُرْقةٍ أو لاشْتياق 
     فيبكي إن نأى شوقاً إليهم                          ويبكي إن دَنوا خوفَ الفِراق 
   فتسخُن عينُه عند التنائي                           وتسخُن عينُه عند التلاقي

         إن هذه الأعطاب المعطِّلة ، والمهالك المضْنية ، التي تصيب العشَّاق في مقاتِلهم ، فلا تُبْقي لهم قوَّة في الأبدان ، ولا صحَّة في الأفهام ، ولا بصيرة في الأذهان : إنما مبْدأها – في غالبه - من فضول النظر للمستحْسن من الناس وترْديده ، وإرْعاء السمع لأوصافه وتأكيده ، فإذا صادف - وقْعُ ذلك - قلْباً فارغاً ، فقلَّ أن ينجو الجريء من المهْلكة ، وهذا ما أباح به مجنون ليلي ، حيث قال عن مبْدأ عشْقه :

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى             فصادف قلْباً خالياً فتمكَّنا

        ورسول العشق بين قيس ولُبْنى كان هذان : النظر والسمع ، حين مرَّ بمضاربهم فاستسقاها فناولته الماء ، فتأمَّلها لحْظة زمان يسيرة ، فما لبث أن علِق بها وعلقت به ، وقد أنشد أحدهم بمحضر الخليفة المأمون العباسي :

إن العيون التي في طرْفها مرضٌ             قتلْننا ثم لم يُحْيينَ قتْلانا

يصْرعن ذا اللُّب حتى لا حَرَاك به          وهنَّ أضعف خلْق الله أرْكانا

         ولهذا أمر الشرع الحنيف بغض الأبصار عن المحرَّمات ، وكفِّ النساء عن نقل أوصاف الأخريات إلى أزواجهنَّ ، ومنع الشرع الخلوة والاختلاط بين الجنسين ، وأمر بالتفريق بين أنفاسِهم ، فإذا جمعهم جامع لا بدَّ منه : قام الحجاب حائلاً دون الفتنة بينهما .

          وليس الأمر بغضِّ الأبصار موقوفاً على الجنسين ، فإن داعي الفتنة بالغلمان المرْد المسْتحْسنين قائم شاهد ، خاصَّة في هذا العصر ، الذي يعيش فيه الشواذ أحسن أزمانهم ، بل قد تكون الفتنة بهؤلاء آكد ؛ لدوام الخلْطة وانْتفاء الشبْهة ، وما زال الناس منذ أوَّل الدهر لا يحجُبون الفتْيان كما يحجُبون النسْوان ، لهذا كثرت الفتنة بهم ، فيهلك فيهم الهالكون ، حين يأمن أحدهم على نفسه ، فيُطْلق النظر ، ويُديم الخلْطة ، حتى يقع في فخِّ العشق ، ولئن كان مثل هذا التعلُّق كثيراً بين الفُسَّاق ، فإنه غير مُستبعدٍ على بعض النسَّاك ، في حال سهوٍ وغفلةٍ يدخلها الشيطان ، فقد قال أحد المتنسِّكين العبَّاد ، متأسِّفاً على هفْوة صدرت عنه ، حال غفلة كانت منه ، حين نظر إلى غلام حسن الوجه ، فكانت فيها مهْلكته : ( الحمد لله على كلِّ حال ، كنَّا أحراراً بطاعته ، فصرْنا عبيداً بمعْصيته ) .  

         ويخطئ من يظن أن العشق لا يكون إلا عن جمال الصورة ، وكمال الخلْقة ، وحُسن المنْطق ، وطيب المعْشر ، ونحوها من الأوصاف المسْتعذبة ، فهذا إن صحَّ في الأغلب الأعم ، فإنه لا يعمُّ كلَّ وقائع العشق بين اثنين ، فقد يُسْتملح القبيح ، ويُسْتهوى الوضيع ، ويُسْتلْطف الرديء ، لا سيما إذا طال بينهما الوصال ، فعالم الإنسان ليس فيه عمومٌ تامٌّ لا شواذ له ، حتى يُعْمي الحبُّ بصره وبصيرته عن مساوئ محْبوبه ، فقد يغيب العاشق المفتون عن طِباع البشر الفطْريَّة ، فلا يُميِّز بين رائحة الطيب ونتَن البصل ، وإنما همُّه الأوحد : رضا محْبوبه ، فلا بديل عنه مهما استحسنه الناس ، ولا عوض له مهما تزيَّن غيره بالأوصاف ، وفي الخبر : ( حبُّك الشيء يُعْمي ويُصِمُّ ) .

         ومما يصدق على مثل هذا بين بعض المحبِّين ، أن فتىً جميل المطْلع علِق بجارة له ، ليس فيها ما يُسْتملح ، وهما في بيئة اجتماعيَّة شديدة المحافظة ، لا تسمح للفتاة بالخروج من المنزل ، لا لتعليم ولا لغيره ، كما أنهما من أسْرتين لا يجمع بينهما نسب ولا قرابة ولا كفاءة ، تسْتهجن كلُّ منهما الزواج من الأخرى ، ومع ذلك خضعتا لرغبتهما ؛ لحديث : ( لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح ) ، على أن تخرج الفتاة من بيت أهلها بلا عودة ، فحملها الفتى إلى بيئته البعيدة عن أهلها وموْطِنها ، فقاست نفْرة أهله ، وقسوة قرابته ، وقلَّة ذات يده ، ومكثت عنده أكثر من أربعة عقود من الزمان حتى ماتت ، فلم يكن لها زادٌ على قسْوة الحياة ، إلا هذا الودُّ بينهما .  

         ومن عجائب ما يكون من هؤلاء العشَّاق : أن تتورَّط عجوز مُتَصابية في شابٍّ ماكر خدَّاع ، يُسْمعها ما يُستعذب من الجمل والكلمات ، ويواعدها بطيب الأيام والأوقات ، فتظنُّ الغبيَّة أنها تسْتأنف بهذا الفتى زمن الشباب ، فتعود إلى ما كانت تعْرف من نفسها زمن الفتوَّة والنشاط ، حتى تُغلب - بهذه الأفكار الطائشة - على عقْلها ، فتأتي مسالك المراهقات ، وتتعاطى طرق الغانيات ، حتى تُزعج أولادها ، وتشين أقرباءها ، فلا ترْعوي بموعظة ، ولا تستمع إلى نصيحة ، فتختصر الحياة في هذا الشاب الفتَّان ، ممن قد يكون : ساقط الهمَّة ، قليل المؤونة ، قبيح المطْلع ، ومع ذلك تتمسَّك المفتونة به كأقوى ما يكون ، فتُعْطيه كلَّ غالٍ ونفيس ، لعلَّه يُخلِّصها من شبح الشيخوخة المؤرِّق ، فيُوقف لها سنوات العمر السريعة ، لتبقى – حسب وهْمها - كما تُريد ، ضمن أحلام صغار العصافير .  

        وهذا لعمر الله من غرائب بني آدم ، فإن العشق هو الجانب الناعم الليِّن من الطبْع البشري ، لا يُدْرى كيف يَنْساب إلى داخِلَة الإنسان ، ولا يُعْرف متى يهْجم على صاحبه ، وإنما يُفصح العشق عن وجوده بعد استقراره وتمكُّنه ، وذلك بقوَّة أثره في صريعه ، وسلطانه على قتيله ، فلا يقدر طويلاً على كظْمه ، ولا يُمكنه على الدوام حجْبه ، فالعيون التائهة ، والأبدان المنْهكة ، والعقول الشاردة ، والنفوس المغْلقة : كلُّهم شهودٌ على صريع العشْق ، الذي غدا لا يفهم ما يفهمه الناس ، ولا يعي ما يعونه ، لا يُبصر ما يرونه ، فهو وإن كان بينهم بجسده ، فقد غاب عنهم بهمِّه ، وإنما يسْترجعونه بذكر محبوبه ، ويُوقِظونه بخبر معْشوقه ، فعندها ينْشط لذلك ويبُشُّ .   

         وهذا كلُّه لا يصحُّ أن يصدر من المؤمن الصادق ، فإن الحبَّ الأكبر والأعظم لا يجوز بحال أن يكون لغير الله تعالى ، فهو صاحب النعم أوَّلها وآخرها ، وظاهرها وباطنها ، فكلُّ نعمة فهي منه وإليه جلَّ وعلا ، فلا يجوز أن يُحِبَّ المؤمن نعمة - أياً كانت - أكثر من حبِّه مُسْديها سبحانه وتعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ...) (2/165) .

         والملاحظ أن مبْعث التجاذب بين الجنسين هو داعية النسل الغالبة ، التي تُلحُّ - بدوافعها القويَّة - نحو التلاقي ، سواء كان تلاقياً مشْروعاً أو ممنوعاً ، فعنف الغريزة ، وتجذر أصولها ، وقوَّة مُضيِّها ، وصعوبة كفِّها ، وسعة شمولها ، كلُّ ذلك يشير بوضوح إلى الغاية المقْصودة من تركيبها على هذا النحو الفطري العجيب ، وهو بقاء النوع الإنساني ، يخلُف بعضهم بعضاً على هذه الأرض ، لدوام تحقيق العبوديَّة لله تعالى وحده ، فلا يصحُّ أن ينْشغل المكلَّف بالوسيلة المشروعة عن الغاية المنْشودة ، فضلاً عن أن يُقدِّمها عليها ، أو أن يسْعى مختاراً في تبعاتها الممنوعة ، ويقع بإرادته في مزالقها المحظورة ، فليس أحدٌ من المسْتهترين إلا وهو عُرْضة لفتنة من هذا النوع ، تستنظف نفسه ، وتُهلك روحه ، وتُتْلف بدنه ، وقد كان في عافيه قبل اقتحامه في المفازة المُهْلكة .

         والعجيب في شأن مشاهير العشَّاق ، ممن نُقلت جملةٌ من أخبارهم ، ودوِّنت كثيرٌ من أحوالهم ، أنهم لم يقعوا في المحظور الأكبر ، وإنما غاية سقوطهم في النظر والكلام واللَّمْس والخلوة ، لا يزيدون على ذلك ؛ فقد صرَّحت بذلك ليلى الأخيلية ، صاحبة توبة الحميري ، للحجاج بن يوسف حين تجرَّأ – كعادته مع الرعيَّة - فسألها عن حدِّ العلاقة التي كانت بينهما ، وكذلك صرَّح - بنحو هذا - جميل بن معمر صاحب بثينة من بني ربيعة ، وهو على فراش الموت ، يأمل رحمة ربِّه ومغفرته ، وقد علِق بها وعلِقت به منذ زمن الطفولة والصبا ، ومع ذلك صرَّح أنه ما أتى معها الكبيرة الممنوعة ، وإنما حدُّهما معاً ، كما وصف قائلاً : ( كان أكثر ما كان مني إليها ، أني كنت آخذ يدها أضعها على قلبي ، فأسْتريح إليها ) .

         ولئن كان لهؤلاء العشَّاق التاريخيين ما يعْصمهم من السقطات الكبرى ؛ لبقيَّة أخلاق اجتماعيَّة قائمة ، وأعراف قبليَّة سائدة ، وشهامات شخصيَّة حاضرة ، ومعْتقدات إيمانيَّة ثابتة : فما تُراه قد بقيَ من العواصم المانعة لعشَّاق الأزمنة المتأخِّرة ؟! لا سيما في عصر الفضائيات المرْئية المنْتشرة ، والهواتف الذكيَّة المتنقِّلة ، والشبكات التواصليَّة النافذة ، فضلاً عمَّا فرضته طبيعة التمدُّن الحديث ، من وفرة النساء في كلِّ مكان ، حتى غدت المرأة في متناول أيدي اللامسين ، برغبتها أو بدونها ، حتى استمرأ مجتمع العصر الحديث نصب الحسناوات عبر وسائل الإعلام الرسميَّة والأهليَّة ، في نشرات إخباريَّة ، أو برامج ثقافيَّة ، أو أفلام دراميَّة ، مع ما يُصاحب هذه العروض الإعلاميَّة : من الألفاظ العارية ، والعواطف الملْتهبة ، والأجساد الناعمة ، والموسيقى الصاخبة ، مع حبْكة الإخراج الإعلامي الفائق ، التي تأسر الشيوخ الطاعنين ، فضلاً عن الشباب المراهقين ، في بيئة اجتماعيَّة ضعف فيها واعز الضمير ، وقلَّ فيها رادع الدين ، حتى كثر فيها تعاضد أهل الشرِّ ، وقلَّ فيها تعاون أهل الخير .

           إن ما يحتاج إليه إنسان هذا الزمان للاستقامة على الدين ؛ من معاني التقوى القلبية ، وقوَّة المراقبة الإلهيَّة ، وطول العبادة الروحيَّة : أضعاف ما كان يحتاج إليه إنسان الزمن الأول للاستقامة ، فمن تراه يصمد لإغراء المرأة الإعلامية المنْتقاة من بين ألف امرأة متقدِّمة لهذه المهنة ، لا تقلِّ الواحدة منهنَّ في جمالها عن الأخرى إلا قليلاً ؟ ومن تراها من النساء تصمد لفتنة الرجل المليح المسْتحسن ، حين تمكِّن بصرها وسمعها منه ، إن أحدهم – في هذا الزمان - يحتاج للثبات على دينه ، بقدر ما وقع من الخشية والخوف لعبد الله بن المبارك ، وبشر الحافي ، ورابعة العدويَّة ، ومن ظنَّ من المعاصرين أنه لا يُفتن بهذه الصور الأخَّاذة ، فإن كان صادقاً فهو عنِّين ، لا يدري ما الخبر ، وإلا فهو كاذبٌ أفَّاك .

 

 

 

 

 

 

 

]]>
Thu, 03 Nov 2016 13:31:43 +0300
البحث العلمي بين الاستنباط والاستقراء مقال شهر محرم 1438هـ

البحث العلمي بين الاستنباط والاستقراء

          الحمد لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على معلِّم الخير ، وسيِّد المرسلين ، النبيِّ الكريم محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد فإن الكون ، بكلِّ ما يحويه من مخلوقات الله تعالى ؛ مما بثه الخالق العظيم في جنبات الفضاء ، أو كنزه في باطن الأرض ، أو استودعه في عوالم الجانِّ والإنسان والحيوان ، فكلُّ ذلك - وأكثر مما خلقه الله تعالى ويخلقه – هو ساحة للبحث العلمي ، ومجال للنظر والتأمُّل ، وموضع للتفتيش والتنْقيب ، فلا حظْر على الإنسان في تلقُّفه للمعرفة أياً كانت ، ولا حرج عليه في تتبُّعها حيث ما وُجدت ، ما دام أنه يتْبع النهج العلميَّ المشروع ، وفق خطوات بحثيَّة سليمة ، ليخلص منها إلى الحقيقة العلمية المنْشودة ، بقدر ما يأذن الله تعالى فيه ، ما لم يعتمد أسلوب الخرْص ، وأوهام الظنِّ ، وأهواء النفس ، التي لا تُغني من الحقِّ شيئاً ، فما زال الكون ذاخراً بالعطاء العلمي الثري ، مليئاً بالمدَّخرات المعرفيَّة الجليلة ، مما يُغني الباحثين عن أساليب : الوهم ، والخرْص ، والظنِّ .

          والحكيم من طائفة الباحثين - في مجالات المعرفة المختلفة والمتنوِّعة - يُحسن اختيار الأنسب لبحثه من بين مناهج البحث العلمي المتعدِّدة ، فيقدِّم بعضها على بعض ، ويزاوج بين بعضها أحياناً ، وفق ما تقتضيه مصلحة بحثه ، ونوع موضوعه المطروح للدراسة ، فما كان مسْتودعاً في ذمَّة التاريخ من موضوعات البحث ، اختار له المنهج التاريخي ، يتتبَّع من خلاله الوقائع والأحداث ، والوثائق والسجلات ، وفق ضوابط المنهج وأصوله ، ليصل إلى مبْتغاه من أهداف البحث ، وما كان واقعاً مُعاشاً قائماً ، مما يحتاج إلى وصْفٍ وتحليل ميداني ، من خلال جمع البيانات وتصنيفها ، ومن ثمَّ وصفها وتحليلها ، وفق نظم إحصائية ورياضيَّة معيَّنة : اختار له نمطاً من أنماط المنهج الوصفي ، وما كان من الأبحاث تجْريبيًّا ، سواء في مجالات العلوم الإنسانيَّة ، أو في مجالات العلوم الطبيعيَّة : اتخذت لها معاييرها العلمية المعْتبرة ، وخطواتها التطبيقيَّة المقنَّنة ، وفق مناهج البحث التجريبي ؛ بما يُلائم نوع الفكرة المطروحة للدراسة ؛ بهدف بلوغ مقاصد البحث .

         وعلى الرغم من وفرة المعطيات العلمية عبر تاريخ المسلمين العلمي ، على مدار قرونٍ متتالية من الزمان ، فإن مسمَّيات هذه المناهج العلميَّة ، وعناوينها الحديثة المستخدمة في هذا العصر ، لم تكن متداولة عند علماء المسلمين الأوائل ، رغم أن المعايير العلمية ، والضوابط المنهجيَّة ، والخطوات البحثيَّة : لم تكن – في الجملة - مجهولة لدى علماء المسلمين ، ولا غائبة عن إنتاجهم العلمي ، سواء ما كان نظريًّا من الأبحاث أو تجريبيًّا ، فالأمة الإسلامية لم تنهض بالمعرفة نحو ألف عام من فراغ ووهم ، فإن جلَّ مضامين البحث العلمي ، وغالب مجالاته الرئيسة : كانت موْضع تطبيق حيٍّ في الحياة العلميَّة عند المسلمين ، في زمن نهضتهم الحضاريَّة السابقة ؛ فإن مخْرجات أبحاث العلوم التطبيقية والهندسية والطبية ، ونحوها من العلوم الطبيعية والكونية : كانت إرهاصاتها الأولى من إبداعات علماء المسلمين بلا منازع ؛ فبدايات الانتقال من التنظير العلمي لخصائص المواد الطبيعيَّة ، وما رافقها من الإبداعات الهندسية والفلكيَّة والطبيَّة ، وما لحقها من تطبيقات تجريبيَّة ومعْمليَّة محدودة ، وما تبعها - بعد ذلك بزمن - من التحوُّل إلى مجالات التطبيقات العامة في الصناعات ، ومن ثمَّ في التجارات : كانت اللبنات الأولى لهذه الصروح العلميَّة وتطوُّرها إسلاميةً بامتياز ، ولا يُنكر ذلك إلا مكابر جَحود .

          وعلى الرغم من التنوُّع العلمي الشامل ، الذي اتسمت به النهضة الحضاريَّة الإسلامية ؛ فإن جلَّ جهود المسلمين العلميَّة كانت نظريَّة الطابع ؛ فغلب عليها – في أوَّل الأمر - الحفظ بالتحمُّل ، ثم الأداء بالتعليم ، ثم كانت الكتابة والتأليف والتدوين ، وهذه أيضاً غلبت عليها الموضوعات الشرعية ؛ وذلك لشرف مكانتها في الدين ؛ لكونها علوم الوحي ، ولشمول حاجات المجتمع - بكلِّ فئاته – إليها ؛ لأن العلوم الشرعيَّة ألصق بمصالح الناس في دينهم ودنياهم من غيرها ، لا سيما فيما يتعلَّق بفروض الأعيان ، التي تشمل بتكاليفها الشرعيَّة جميع المكلَّفين .

         ولما كانت علوم الوحي - في أصلها الملزم للمكلَّفين - نصوصاً مقدَّسة ، تضمَّنها الكتاب الكريم ، وتضمَّنتها أيضاً السنة المطهرة ، من خلال أقوال وتقريرات صاحب الرسالة – عليه الصلاة والسلام – وما اندرج تحتهما ، وأُلْحق بهما ، من آثار السلف الصالحين : كان استخدام المنهج الاستنباطي هو الغالب على علماء الشرع الحنيف ، من خلال سبرهم أغوار النصوص والآثار ، بالتأمُّل والتدبُّر والنظر ، فكانت طبيعة عملهم - من خلال هذا المنهج - تنطلق من النصِّ في أعلى الهرم ، مستخرجين منه الجزئيات الكثيرة ، باتجاه قاعدة الهرم العريضة ، فكان نهج الاستنباط يعمل منْطلقاً من الكلِّية الواحدة باتجاه الجزئيات الكثيرة والمتعدِّدة ، فبرع جمهور العلماء المجتهدين في هذا الباب غاية البراعة ، مما كان وما زال موضع إعجاب العقلاء ، من أهل الملل المختلفة - فضلاً عن أهل الإسلام - حتى غدت كثير من المستخرجات الفقهيَّة مواداً قانونيَّة في بعض دساتير المجتمعات الغربية المعاصرة ، لا سيما ما نُسب منها إلى المذاهب الفقهيَّة الأربعة ، ممن كان لهم السبق في إحكام نهج الاستنباط وضبط أساليبه ، مع حُسْن التصنيف والتبْويب والتفْريع لهذه المستنْبطات العلميَّة ، مما سهَّل على الباحثين بلوغ مراداتهم منها في مظانها المعتبرة .

         ومما يُنقل من براعة الاستنباط الفائق ، ما جاء عن الإمام الشافعي ، أنه استخرج من لطيف حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم المتَّفق على صحَّته : ( يا أبا عُميْر ما فعل النُّغير ) : مائة حكم شرعي ! في حين لو اجتمع الفِئام من الناس ، ليصنعوا صنيعه هذا ، لعجزوا عن ما هو دون ذلك بكثير .

        ولهذا تفاوت المجتهدون في براعة الاستنباط تفاوتاً كبيراً ، فلم يكونوا على مرتبة واحدة ، فبقدر إمعان النظر ، وطول التأمُّل ، وسلامة الذهن ، ووفرة الذكاء ، وسعة الاطلاع ، مع ما يرافق ذلك من سلامة الاستنباط ودقَّته ، بعد توفيق الباري – سبحانه وتعالى - تحصل وفرة الاستخراجات الجزْئية وتنوُّعها ، رغم محدوديَّة النصوص ، فما زال العلماء يعبُّون من معين الكتاب والسنة ، في السابق والحاضر واللاحق ، فما تزداد النصوص بذلك إلا ثراءً وحيويَّة ونصاعة ، بصورة مستمرَّة غير متناهية ، فكان للعلماء مع هذا المنهج إبداعاتهم العجيبة ، واستخراجاتهم الفريدة ، التي ما تزال موضع اهتمام الأمة ورعايتها ، عبر أحقاب الزمان المتلاحقة .

           وعلى الرغم من غلبة المنهج الاستنباطي على العلوم النظريَّة لدى علماء المسلمين الأوائل ، غير أن المنهج الاستقرائي لم يكن غائباً عن كثير منهم ، لا سيما بعد اتساع خارطة المعارف الإنسانية بين علماء المسلمين ، وتشعُّب مجالاتها ، ووفرة جزئياتها ، وكثرة شواردها ، التي تتطلَّب نهجاً علميًّا آخر ، يعمل على جمع الجزئيات الكثيرة ، من النصوص الشرعية ، والآثار السلفيَّة ، والآراء الفقهيَّة ، ليخرج منها العالِم بكلِّية عامة تصلح للتعميم ، فكان هذا النهج على العكس من نهج الاستنباط ؛ حيث ينطلق من قاعدة الهرم العريضة نحو قمَّته الصغيرة ، مسْتجمعاً الجزئيات الكثيرة : المتناظرة منها والمتشابهة ، ليخلص منها إلى كليَّات قانونيَّة عامة ، تحزم قوائم الجزئيات في زُمَر منْطقيَّة متجانسة ، فكان من نتاج ذلك كليَّات وقواعد وضوابط : فقهيَّة ، وأصوليَّة ، ولغويَّة ، لم يكن لبلوغها سبيل بغير أسلوب الاستقراء العام لجزئياتها الصغيرة المتناثرة .

         ولهذا خرج العلماء من منهج الاستقراء بعناوين كليَّة إبداعيَّة ، تنتظم كلٌّ منها قائمة وافرة من الجزئيات والتفصيلات الدقيقة ، التي لا تعمل الواحدة منها منْفردة ، ما يمكن أن تُؤدِّيه منْتظمة ، ضمن أشباهها ونظائرها الأخرى ، فكان من ذلك كتب القواعد والضوابط الفقهيَّة والأصوليَّة ، وكتب الأشباه والنظائر ، وما راج إنتاج بعض العلماء ، حتى ذاع صيتهم العلمي ، من أمثال العز بن عبد السلام الشافعي ، والشاطبي المالكي ، وابن رجب الحنبلي ، وابن نُجيم الحنفي ، والسيوطي الشافعي ونحوهم ، إلا من خلال جهودهم الاستقرائية العجيبة ، التي انتظمت المعارف الشرعيَّة ، ضمن ضوابط كليَّة عامة ، وزُمَر متناظرة شاملة ، انتفع بها طلاب العلم في كلِّ عصر ، فكانت جامعة وحاكمة لكثير من الشوارد والجزئيات المستجدَّة .

          ورغم الجدال السقيم ، الذي يتبنَّاه بعضهم ، حول جدوى منهج الاستقراء ، في مقابل منهج الاستنباط ، باعتبار الأهميَّة والأفضليَّة ، فإن فكرة المقابلة بين المنْهجين من أصلها ممنوعة ؛ إذ لا يصحُّ - في ميادين البحث العلمي - تقديم منهج على آخر لغير الاعتبارات العلميَّة المنهجيَّة ، التي تقتضيها طبيعة البحث وأهدافه ، فما قد يصلح من المناهج العلميَّة لبحث ما ، قد لا يصلح لغيره ، ومثل هذا النقاش لا ينْبغي طرحه بين الباحثين الجادِّين من أصل الأمر ، فمن كان منهم لا يُميِّز بين متغيِّرات الأبحاث ، ونوع مقتضياتها العلميَّة والإجرائيَّة ، فلا يُحسن عقْله إلا طريقة واحدة لجميع أعماله العلميَّة ، فإنه لا يحقُّ له أن يزاحم الباحثين المتْقنين في شغْلهم ، فينكر عليهم ما لا يعرف من الأساليب البحثيَّة ، ويُعيبهم بما يشينُه في شخصه وعقله .

        ولعلَّ في وضع يد المثقَّفين في العموم ، والباحثين على الخصوص ، على مصلحة واحدة ، من جليل أداء المنهج الاستقرائي في العلوم الشرعيّة بالتحديد : ما يُزيل عن الأذهان الشبهة عن مدى صلاحيَّة أداء هذا النهج ، وأهميَّته لبعض الأبحاث العلمية ، وضرورته لبعض المصادر الشرعيَّة ، وذلك في مسألة الإجماع على الخصوص ، باعتباره المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي ، وعليه تقوم طائفة كبيرة من الأحكام الشرعيَّة ، في العقائد والعبادات والمعاملات والحدود ، فيقْطع النزاع بين الناس في أية مسألة سبق فيها إجماع مُتحقِّق ، فلا يُعارض بأيِّ دليل شرعي ، فضلاً عن أن يُعارض برأيٍ أو استنباط ؛ لأن الإجماع في أصله يقوم على مستند شرعي ثابت ، ولا يمكن أن يصدر عن ضلالة ، فالأمة معصومة بمجموعها عن مثل هذا ، فإذا انعقد إجماع مجْتهدي العصر على مسألة شرعية ما : لم يسعْ غيرُهم مخالفتهم فيها ؛ سواء من عوام عصرهم ، أو من مجتهدي مَنْ بعدهم ، حتى إن الإجماع يدخل في صلب العقيدة ، فمن اعتقد خلافه خارقاً له : كفر ، ومن اعتقده ولم يعمل به فسق ، ما لم تكن لهما شبهة من : جهل ، أو غفلة ، أو تأويل .

         إذا تقرَّر هذا في خطورة الإجماع ، وعظيم موضعه من التشريع الإسلامي : عُلم بيقين أهميَّة المنهج الذي يصل من خلاله العلماء إلى التحقُّق من دعوى الإجماع ، وهو بلا منازع منهج الاستقراء ، من خلال تقصِّي آراء كافَّة مجتهدي العصر ، وتتبُّع أقوالهم ومذاهبهم ، ليخلص الباحث الأريب إلى ادِّعاء الإجماع ، فيكون المرجع في ذلك ، فتقوى بذلك الحجَّة أمام الخصوم .

          وقد أبدع جمع من علماء المسلمين من أمثال : ابن حزم ، وابن المنذر ، وابن القطَّان ، وابن عبد البرِّ ، والنووي ، وابن تيميَّة ، والجوهري ونحوهم ، ممن اهتموا بنقل مذاهب العلماء في الإجماع والاختلاف ، وتقصِّي آراء المجتهدين ، من خلال الاستقراء للآراء والأقوال ، وصحَّة نسبتها إلى أهلها ، فقيَّد بعضهم مسائل الإجماع في مواضعها من أبوابها الفقهية ، وأفْردوها بالمؤلَّفات المستقلَّة ، وآخرون أوردوها مبيَّنة واضحة ضمن مؤلَّفاتهم العلميَّة ، وفي مجالات منازعاتهم الفقهيَّة ، فاكتسبوا من ذلك قوَّة في الحجَّة ، ووضوحاً في البيان ، فكان إنتاجهم العلمي - وما يزال - المرجع للعلماء عند الاختلاف ، والفيصل بين الفقهاء عند النزاع ، لا سيما وأن بعض العلماء أدرج منهج الاستقراء ضمن الأدلَّة الشرعية لحسم النزاع عند الاختلاف .

          ولا مطْعن على منهج الاستقراء من جهة كونه – في بعض الأحيان - عسيراً على بلوغ التمام ، فيكون منه الاستقراء التام ، ويكون منه أيضاً الاستقراء الناقص ، فأما التام منه إذا انعقد فالحجَّة فيه قاطعة لمن بلغه بلا نزاع ، وأما الناقص منه إذا لم يبلغ التمام ، فأقلُّ ما يُقال فيه أنه مذهب الجمهور ، وهم بلا ريب : الجماعة والسواد الأعظم ، الذي ورد التوجيه النبويُّ بالتزام سبيلهم .

           وقد درجت بعض التخصُّصات العلميَّة ، في مجالات العلوم الإنسانيَّة : التربويَّة ، والاجتماعيَّة ، والنفسيَّة ، على اعتماد نهج الاستقراء الناقص في اخْتيار عيِّنات الأبحاث الميدانيَّة ؛ فيُنْتقى مجتمع الدراسة الصغير من مجموع الفئة الاجتماعيَّة الكبيرة المراد دراستها ، بحيث تمثل العيِّنة المختارة الفئة الاجتماعيَّة أفضل تمثيل ، وذلك وفق أسلوب من الأساليب المعْتبرة في اختيار العيِّنات المجتمعيَّة ، فلا يستهجن الباحثون - في هذه المجالات - تعميم نتائج هذا النوع من الدراسات الميدانيَّة ، على مجموع الفئات الاجتماعيَّة المقْصودة بالدراسة .

          ومع كلِّ ما تقدَّم ، فإن الباحث على نهج الاستقراء على الخصوص ، حين يُفرغ وسعه في تطبيق معايير هذا المنهج بإحكام ؛ فإنه يكتسب من ذلك قوَّة وحماسة في تأكيد حجَّته ، وتعميم نتيجته ، فربَّما ساقتْه سعة الاستقراء إلى شيء من عنف الخطاب ، وقسْوة العبارة ، وربما تجاوز به الحماس حدود آداب الخلاف العلمي ، إلى النيل من المخالفين في ذواتهم وشخوصهم ، بما لا يليق بأهل العلم ، فإذا تجنَّب الباحث المسْتقْرئ هذه المثالب الخلُقيَّة ، وتحاشى هذه الأخطاء السلوكيَّة ، وحصر قوَّة حجَّته في : سبْك عباراته ، وإحكام مُخْرجاته ، وضبط نتائجه : كان ذلك أنجع لحجَّته ، وأمضى لبلوغ رسالته ، وأوْفق لرواج فكْرته ، وأفضل من مغالبة تستجلب عدوان الآخرين ، وأحسن من مكايدة تستهلك طاقات الباحثين ، فإن نتائج الاستقراء المُتْقَن - في حدِّ ذاتها دون عدوان المستقْرئ البارع - مثيرة للآخرين ، وكثيراً ما تبعث النقد في نفوس ضعفاء الباحثين ، فكيف لو تعدَّى المسْتقْرئ عليهم بكلامه ؛ فجمع على المخالفين له بين نتيجته المثيرة ، وبين وعبارته الغليظة ؟! فإنه حينئذٍ يُوقع نفسه في نكد هو في غنىً عنه .

       

 

 

]]>
Sun, 02 Oct 2016 19:37:26 +0300
الشخصية الإدارية الهدَّامة مقال شهر ذي الحجَّة 1437هـ

الشخصية الإدارية الهدَّامة

          الحمد لله ، والصلاة والسلام على نبينا وسيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه ، وسلَّم تسليماً كثيراً ، أما بعد .. فإن لأسباب النهضة شروطاً كثيرة ، تفتقر بالضرورة إلى جهود كبيرة لتحقيقها ، ومن ثمَّ التمتُّع بنتائجها الطيبة ، والاستمتاع بمخْرجاتها المباركة .

          ولئن كانت قائمة شروط النهضة طويلة ، وأسبابها شاقَّة عسيرة ، إلا أن المسئوليَّة الإدارية لعناصر النهضة ، وفريق الإدارة التنفيذيَّة ، والمؤهِّلات الشخصيَّة للقيادات الإداريَّة ، يأتي كلُّ ذلك في مقدِّمة شروط النهضة وأسبابها ؛ إذ لا بدَّ للطاقات البشريَّة ، وللموارد الاقتصاديَّة ، من إدارة ناجحة موفَّقة ، تحمل عبء تكاليف النهضة ، برؤية ثاقبة ، ونيَّة خالصة ، وعزيمة ماضية ؛ لأن أعباء النهضة وتكاليفها في الوطن العربي خاصَّة ، وفي الوطن الإسلامي عامَّة ، لا تتحمَّل مزيد أخطاء ، ولا تُطيق إضافة أعباء ، فما مُنيت به الأمة في تاريخها الحديث ، من إدارة التخلُّف وتدْويره ، على مدار سنوات التنمية الموهومة ، وأوهام التنمية المستدامة ، وما لحق الأمة في سعيها الحديث ، من الترهُّل الإداري المثقَل بالوعود ، والتعثر الاقتصادي المُحْبط للآمال ، الذي عمل - في مجموعه - على التأسيس للفساد ، في كلِّ مفاصل الحياة الحيويَّة ، ليبلغ جذور مقوِّمات النهضة وأصولها ، كلُّ ذلك قد بلغ مداه ومنتهاه ؛ فإن الأمة لا تطيق أكثر من هذا ، وهي واعية في هذا العصر بواقعها أكثر من أيِّ وقت مضى ؛ فإنه لم يعد للدِّعاية الإعلامية الرسميَّة دور فاعل في تشكيل عقليَّة المواطن ، وإبقائه ساكناً في خداع آمال التنمية الكاذبة ، قابعاً في أوهام النهضة الخادعة .

         وفي هذا الخضمِّ المعْتم من التعثر والتقهقر ، تتولى النظم الإداريَّة المتهالكة كبْر إدارة منظومة التخلُّف وحمايتها ، فتأخذ على عاتقها مهمَّة وأد مشاريع التنمية في مهْدها ؛ فتقطع الطريق على تبنِّي قراراتها ، فإذا مضت بعض قراراتها نحو التنفيذ ، كانت مهمَّة منظومة التخلُّف - عند ذلك - إجْهاضها ، من خلال العوائق الماليَّة ، والكوابح والعُقد الإداريَّة ، فإذا قُدِّر لمشروع ما أن يبرز للوطن ، وقد تجاوز محاولات الإجهاض والإعاقة ، فإنه يلد - في العادة - مخْدجاً ناقصاً منْهكاً ، لم يبلغ بعد نموَّه الطبيعي ، بين مخالب الهدَّامين والمعوِّقين .

         إن حجم التخلُّف الحضاري في المجتمعات الإسلامية ، المتعلِّق بالناحية الإداريَّة خاصَّة : شيء في غاية الضخامة والاتساع والعمق ؛ بحيث يستحيل استصْلاحه على المدى القريب ، فهو تراكم سنوات الترهُّل والتعثر ، التي أفضت إلى أصول بناء الشخصيَّة الإدارية ، حتى أضحت معول هدم لمقدَّرات المجتمع وإمكاناته ، وأداة فتْك لقوى التنمية وجهودها .

           ولئن كانت الشخصيَّات الإدارية الهدامة ، يخلُص جميعها إلى غاية تهديم بنيان المجتمع ، وحبسه في دوائر أوهام التنمية ، وإيهامه بأحلام التقدُّم والنهضة ؛ فإنهم – مع ذلك – ليسوا على شاكلة واحد في مقاصدهم وأدواتهم وأساليبهم ، وحجم إجرامهم في حقِّ الأمة ، فهم في مجموعهم ينقسمون إلى قسمين ؛ أحدهما : مغْرض خبيث منافق ، ليس له همٌّ ولا غرضٌ إلا تخريب مقدَّرات الأمة ، وبعثرة جهودها وإمكاناتها ، بكلِّ ما أُوتيه من قوَّة ومكْر ، حتى إنه ليضع يده في يد كلِّ عدوٍّ للمسلمين ؛ ليُوقع الأمة في الحرج والعنت ، وهذا الصنف الإداري - لا شكَّ – أنه بأخْبث المنازل وأقبحها ، ما لم يتب من جرائمه ، وفق شروط التوبة الشرعية .

          وأما القسم الثاني من الهدَّامين الإداريين ، فهم على ضرْبين ؛ أحدهما : مغفَّلٌ أبله ، يظنُّ أنه على شيء ، وليس على شيء ؛ يعبث به كلُّ ماكر خبيث ، فيسوقه في طرق التخريب الإداري ، وتعطيل مصالح المجتمع ، فتستهويه الشعارات البرَّاقة ، وتُعجبه العبارات الرنانة ، همُّه تحقيق مصالحه الشخصيَّة ، ولو كان ذلك على حساب المجتمع ، فهو كالطِّفل في يد خادمة رديئة ، يُحبُّها ويأمنها ويسكن إليها ، غير أن فيها عطبه وهلاكه من حيث لا يعلم .

          وأما الضِرْب الثاني ، فهو الأعجب والأغرب في عالم الإداريين ؛ إذ ليس هو مغْرض ماكر ، ولا هو خبيث منافق ، ولا هو غبيٌّ قاصر ، وإنما هو شخصيَّة سوداوية المزاج ، مُفْرطةٌ في أحلام الكمال ، إلى حدِّ الكذب الصريح ، مُولعٌ بالدِّقة والإتقان إلى حدِّ الإسفاف ، مشغولٌ بالأجزاء الصغيرة ، والتفاصيل الدقيقة إلى درجة الوسْوسة ، فإن ضغط الوسواس القهري الذي يسيطر على شخصيَّته : يمنعه من الخوض في كثير من المشروعات الصالحة ، حتى إن جزئية تفصيليَّة - لا تقدِّم ولا تُؤخِّر – يمكن أن تعطِّل مشروعاً حيويًّا كاملاً !! دون أن يستشعر في نفسه فداحة الإجرام الإداري الذي يمارسه في حقِّ المجتمع .

          إن حجم الوسواس القهري ، الذي ينتاب هذا النوع من الشخصيَّات الإداريَّة : يمكن أن يحطِّم قطاعات حيويَّة كاملة ، من أجل تسكين ما يجده في نفسه من أزِّ الوسواس القهري المؤرِّق ، الذي يسيطر على نفسه ، فلا يسمح له بالسكون أو الاستقرار ، حتى يستجيب لداعي نفسه السوداويَّة المقْهورة ، فتراه يغالي كأشدِّ ما يكون فيما لا نفع وراءه ، ولا فائدة فيه ، من الأعمال الإداريَّة ، والمظاهر الفنيَّة ، والإجراءات الشكليَّة .

         والعجب كلُّ العجب ليس في هذه الشخصيَّة الإداريَّة المريضة ، التي تستحقُّ العطف والمواساة ؛ لشدَّة ما تعانيه من الدُّفوع النفسيَّة القاهرة ، التي لا تسمح لها بالانصراف عن داعية وسواس النفس ، وإنما ينكبُّ العجب في وليِّ نعْمته ، الذي ما فتئ يمكِّنه من رقاب الناس ومصالحهم ، وهو يعلم طبيعة فساد مزاجه ، وسعة إفساده الإداري ، ويعرف حجم الضجر الشعبي ، وشدَّة التذمُّر الاجتماعي ، ومع ذلك يأنس لوجوده ، ويرتاح لتمكينه ، فإذا سلِم هذا المتنفِّذ - ولي النعْمة - من إرادة الفساد في الباطن ؛ فإن اختياره لهذا النوع من الشخصيَّات الإداريَّة الهدامة يرجع إلى كون هذه الشخصيَّة – في العادة – أمينة لحقِّ رؤسائها ، لا يأتي من جهتها خيانة أو وشاية ، رغم أنها لا تطاوع وليَّ نعْمتها - بصورة دائمة - في كلِّ ما يُريده ، لا سيما إذا جاءت الأوامر متعارضة مع الحاجة إلى تسكين داعية الوسواس القهري المزعج ، ومع ذلك يتحمَّل رئيسُه معارضاته النفسيَّة ، في سبيل تحقيق مآربه الإداريَّة .

          والغريب في هذا الخضم : أن هذا الموسْوس الهدَّام لا يبالي بحجم ما يُحدثه من الفساد الإداري ، ولا يلتفت لما يبلغه من الانتقاد ، فما يجده في نفسه من السوداويَّة ، وما يشعر به من قهر الوسواس : يوازي ، بل يفوق حجم الضغوط الخارجيَّة ، فعنده من قوى النفس العصابيَّة ، ما يمكِّنه من مواجهة كلِّ هذا ، فلا يهتم للنقد ، ولا يُنصت للنصيحة ، فهو ما يزال في موقع الخدمة ، يلبِّي – بصورة دائمة – نداء وليِّ نعْمته ، فلا يتأخَّر عن أيِّ منْصب إداريٍّ يُسْند إليه ، فمعاوله للهدم تصلح لكلِّ بناء عامر ، وتنفع لكلِّ مُنْجز قائم ، حتى غدت قطاعات إداريَّة كاملة تئنُّ متسخِّطة من هؤلاء وأمثالهم ، مما يضطرُّ المواطن – أحياناً - إلى اتخاذ الوسائط الاجتماعية لبلوغ حقِّه المشروع ، حتى أفتى من أفتى بجواز الرشوة في مثل هذه المضائق الإداريَّة ، ومع ذلك لا يلتفت الإداريُّ الظلُوم لأذيته للناس ، ولا يأْبه لشدَّة حنْقهم عليه ، حتى يغدو موضع سخطهم ولعْنتهم ، فإن الذي يتبرَّز في موراد الناس وسِكَكِهم يستجلب لعناتهم ، فكيف بمن يقطع على الناس مصالحهم ، ويُضيِّق عليهم أرزاقهم ، ويُلجئهم مضطَّرين إلى المسالك الرديئة ؟         

           إن كلَّ مخْلص مع ربه ، مشْفقٍ على أهله ومجتمعه : لا يرضى بمثل هذا الفتك الإداري بمقدَّرات الأمة ، سواء من المغرضين الإداريين ، أو من أصحاب المصالح الضيِّقة ، أو من السذج المغفَّلين ، أو من هؤلاء المتزمِّتين الموسْوسين ، إذ الكلُّ يصبُّ في إرهاق الأمة وعطبها ، سواء القاصد منهم والماكر ، أو الموسْوس منهم والمغفَّل .

           إن مجتمعات اليوم أحوج ما تكون  إلى الإداريِّ الحكيم ، أكثر بكثير من حاجتها إلى الإداري الحازم أو المتساهل ؛ لأن الحكيم – بما آتاه الله تعالى من الحكمة – يعرف متى يأخذ بالحزم في قراراته ، ومتى يلين فيها ؛ إذ الحكمة تقتضي وضع الشيء في مواضعه المناسبة له ، فليست هي الصرامة أو الصلف أو الشدَّة ، فهذه الصفات الجامدة تتعارض مع الحكمة الإدارية ، بل إن الإداريَّ الحكيم يتخذ قراره المؤلم وهو كارهٌ له ، وهو مشفق على صاحبه ، بعد أن يكون قد استنفذ ما يستطيع لتجنُّبه ، ولْيتخيَّل صاحب القرار – إن كان في قلبه صدق الإيمان – حجم الإثم الذي يلحقه ، حين يُفوِّت على صاحب حاجة مصلحة شرعيَّة كانت له ، أو مخرجاً إداريًّا حرَمه منه ؟

            لذا فإن المشرِّع للنظم الإداريَّة ، لم يقصد قطُّ من وضعه لهذه المواد التنظيميَّة إلى التضييق على الناس ، أو إيقاعهم في الحرج ، بقدر ما قصد إلى راحتهم وحمايتهم ، ورعاية حقوقهم ومصالحهم ، ولهذا يُسيء بعض الإداريين فهم روح النظام ومراميه ، ظنًّا منهم أن الإكثار من القيود الإدارية ، ووضع مزيد من الاحتياطات الإجرائية ، من خلال التعاميم والتعليمات المقيِّدة : مقصد لواضعي مواد النظم الإدارية ، ولهذا تراهم يُكْثرون من المنع والإيقاف ، معتمدين في ذلك على فهومهم القاصرة ، وعلى صدورهم الضيِّقة ، في حين أن المشرِّع الإداري لم يرمِ إلى شيء من ذلك ؛ فإن النظم الإداريَّة ليست قوالب مصْمتة ، ولا عبوَّات مغلقة ، ولهذا كثيراً ما تُلْحق موادها التنظيمية بمذكِّرات تفسيريَّة : شارحة وموضِّحة ، حتى لا يُسيء المسئول فهمها ، ومع كلِّ ذلك تبقى للإداري الحكيم ساحة للاجتهاد ، وفسْحة للتأمُّل والنظر ، وفق ما تقتضيه مقامات الوقائع والأحوال ، فمهما بلغ المشرِّع الإداريُّ من الإتقان والاستيعاب للمواد الإدارية وتفريعاتها ، فلا بدَّ أن يفوته من تقدير الوقائع ، واستيعاب الأحوال ، ما يستلزم بالضرورة تدخُّل صاحب الصلاحيَّة بالاجتهاد في بعض المواقف ، لا سيما النادرة منها ، فيحملها على روح القانون ، وليس على منْطوقه فحسب ، وهذا هو - في الحقيقة - غرض المشرِّع من سنِّ القوانين ؛ إذ إن إنجاز العمل مع قصوره عن حدِّ الكمال خيرٌ من عدم إنجازه بالكليَّة ، فإن الحكْمتين : الشرعيَّة والمنطقية ، تقتضيان تحقيق أكثر المصالح ، حتى وإن فات بعضها أو تعسَّر ، والقاعدة الشرعية تنصُّ على أن : الميسور لا يسقط بالمعْسور ، ومن المعلوم أنه ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك جلُّه ، وإنما يميل الإداريُّ الضعيف إلى سلامة نفسه ، وحماية ساحته ، بتحميل أصحاب الحاجات سوء فهمه ، وضعف رأيه ، ورعونة شخصيَّته ، وأما الساديُّ من الإداريين ، فإنه يحقِّق متعته النفسيَّة بممارسة عدوانه بالنظام على الناس ، فكلاهما في خندق واحد ضدَّ مصالح المجتمع .

            ولئن كان المخرِّب الإداريُّ الماكر لن يفوت الله تعالى ؛ فإنه لا يجوز – بحال من الأحوال – لغبيٍّ أو موسوس أو ضعيف : أن يقود قطاعاً إداريًّا بحجَّة أنه هناك ؛ فإن وجود الشخص في موضع إداري مهم ، يتأمَّر ويترأَّس من خلاله : لا يُعدُّ دليلاً على صلاحه ، بقدر ما هو ابتلاء له وفتنة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر – رضي الله عنه – حين سأله الولاية : ( يا أبا ذر إنك ضعيف ، وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزْيٌ وندامة ، إلا من أخذها بحقِّها ، وأدَّى الذي عليه فيها ) ، فهؤلاء الضعفاء – سواء المغفَّلين منهم أو الموسْوسين – كلاهما لا يصلح للولاية : صغيرة كانت أو كبيرة ، فلو نجح أحدهم في إدارة بيته الشخصيِّ الصغير لكان في حقِّه كثير ، فكيف بمصالح الناس الواسعة ، وقد جاء التحذير الشديد في الحديث : ( ما من رجل يلي أمر عشرة من المسلمين فصاعداً ، إلا جاء يوم القيامة يدُه مغْلولة إلى عنقه ، فكَّه برُّه ، أو أوْبقه إثمه ) ، فتصدُّر الرجل في منصبه لا يُعدُّ حجَّة شرعيَّة تبرِّر فواحشه الإداريَّة ، فإما أن يقوم بحقِّها ، بما يحقِّق مصالح المجتمع ، وفق الموازنات الشرعيَّة الذكيَّة بين المصالح والمفاسد ، وإما أن يمضي خلف الصفوف ، مستتراً بنواقصه الشخصيَّة وعيوبه ، فلا تلْحقه حينئذٍ مذمَّةٌ شرعية ، ولا معْتبةٌ اجتماعية ، أما وقد تصدَّر بضعفه وقصوره وعيوبه ، فلن يسامحه الناس ، وحسابه على الله تعالى .

                                                                                         

       

           

 

]]>
Fri, 02 Sep 2016 17:32:07 +0300
مع القرآن مقال شهر ذي القعدة 1437هـ

مع القرآن

         الحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده ليكون للعالمين نذيراً ، يهدي به الله من يشاء من أوليائه ، ويضلُّ عنه من يشاء من أعدائه ، فيشرح به صدور من أراد هدايتهم ، ويُضيِّق به صدور من أراد غوايتهم ، فيسعد به المؤمنون ، ويشقى به الكافرون ، فلا إله إلا هو الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الإله الحقُّ المبين ، والصلاة والسلام الأتـمَّان الأكْملان على المبعوث بالقرآن ، رحمة وهدى للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فإنه ما من نبيٍّ أرسله الله تعالى إلى قوم إلا وآتاه من الآيات المعْجزات ، والبراهين الساطعات ، ما يؤيِّد دعوته ، ويُعلي مكانته ، وعلى مثل هذا يُؤمن الناس ، ويتَّبعون الرسل .

         ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم بدْعاً من الرسل ، فقد آتاه الله تعالى من الآيات والمعجزات نحواً مما آتى غيره من المرسلين ، غير أنه زاد عليهم بمعجزة فريدة باهرة ، لم تكن قطُّ لغيره من الأنبياء ، فكانت معجزة بيانيَّة ساحرة ، منظومة على نهج لغويٍّ فريد ، لا يشبه كلام البشر ، ولا يستطيع معارضته أحد ، رغم أنه منظوم من أحرف عربية ، يتكلَّم به أفصح الناس ، ومع ذلك لم يقدر على مثله ، أو على بعضه أحد منهم ، وأعجب من ذلك استعصاؤه على الزوال ، فما يزال باقياً ما بقيَ الإنسان ، حتى يأذن الله تعالى برفعه في آخر الدهر ، فقد باءت كلُّ وسائل محوه ، أو إتلافه ، أو تحريفه ، أو إبعاده : بالإخفاق والتعثر ، فما زال القرآن على حاله كما هو .

          وإن من الحقائق العظيمة الكبرى ، التي قد تغيب عن وعي المسلم : أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى ، وهذا يعني أنه ليس عند البشر شيء يُصف بأنه غير مخلوق إلا القرآن ، فهو مِن عِلْم الله تعالى وأمْره ، فقد فرَّق – سبحانه - بين خلْقه وأمْره ، فقال : (...أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ...) (7/54) ، وهذا يستلزم من المكلَّف الوعي بهذا الفرْق العظيم ، والبون الواسع الشاسع الكبير ، بين كلام البشر : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) (37/96) ، وبين كلام الرِّب جلَّ وعلا : (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ...) (9/6) ، فهذا الفارق العظيم بين الكلاميْن ، لا يمكن أن يقدَّر بحجم أو وصف ، فهو فارق فوق قدرات البشر ليصفوه على حقيقته ، كمن يروم وصف الفرق بين الخالق والمخلوق ، فكذلك الفرق بين كلامه – سبحانه – وكلام غيره .

         وهذا الفهم العقدي للقرآن الكريم ، لا بدَّ أن يستحضره المتدبِّر وهو يعالج آياته ، ويستشعر في نفسه عظمته ، فلا تغيب عن عقله ونفسه مشاعر العظمة ، التي من شأنها بلوغ مقاصد القرآن في أهله ؛ من التقديس ، والتعظيم ، والإجلال ، ومن ثمَّ الفهم والتطبيق ، غير أن واقع غالب الناس لا يبلغ هذا القدر من الاستحضار الذهني ، لهذا الفارق العظيم الجليل ، بين كلام الله تعالى وكلام البشر ، فما زال الأغلب الأعم من المسلمين في حدِّ التبرُّك والتعوُّذ ، وأجر القراءة ، فلو قامت في نفس المؤمن هذه المشاعر ، أو قريباً منها : لكان لوقْع القرآن على النفوس شأن آخر ، ولبلغت أمة الإسلام مداها من العلم والعمل ، ولتحقَّق لها موعودها بالنصر والتمكين ، كما سبق للأمة في عصور ماضية .   

         وهذا القدر من الوعي بهذه الخاصيَّة القرآنيَّة الجليلة ، لو قُدِّر للمكلَّف استحضاره ، فانكشف له يسيرٌ من الوعي بهذا الفارق : لوقع له من هيبة القرآن وإجلاله ، ما لا يمكنه معه من دوام العيش على نحو ما يعيشه الناس ، فإن فاته مثل هذا الاستحضار الفريد ، فلا يصحُّ أن يفوته – على الأقل - القدر الواجب من الاعتقاد بهذه الخاصيَّة الفريدة لهذا الكتاب العظيم .

         ومن هنا ، فالقرآن كلام الله تعالى ، قد تكلَّم به الربُّ الكريم ، فتلقَّاه الملَك صاحب الوحي الأمين ، فنزل به تِباعاً على قلب سيد المرسلين ، فما أن ينفصم عنه الوحي حتى يثبت التنزيل المبارك مستقرًّا في صدره ، فيصدر عنه سهلاً سلساً ، بلسان عربيٍّ مبين ، أجمل ما نطق به إنسان قطُّ ، فتقشعرُّ منه الجلود ، وتنشرح به الصدور ، وتحيا به النفوس ، فما أن تلامس آية منه مسمع إنسان ، مقبل أو مدبر ، مستجيب أو معرض ، عربي أو عجمي : إلا وتُحدث في كيانه حدَثاً ما ، يقلُّ أو يكثر ، ينقص أو يزيد ، بحسب قوَّة إدراكه ، وسلامة استقباله ، فلا يغيب عن هذه التجربة البشريَّة إلا ساقط الأهليَّة العقليَّة ، فلولا أن الله تعالى حال بين الجبال وإدراك القرآن ؛ لتصدَّعت عروقها من عظيم وقعه ، ولتساقطت صخورها من جلال وصفه .

         إن وقع آيات القرآن على نفوس البشر ، سواء من آمن به أو من جحده : أمر واقع ثابت ، لا يمكن إنكار مظاهره على البشر ، سواء ما سجَّلته التواريخ والسير من وقائع ماضية ، أو ما لمسه الناس وأحسُّوه في أنفسهم ومعاصريهم من أثره ، فما زال القرآن – وبصورة دائمة – يحرِّك القلوب ، ويثير المشاعر ، ويثري العقول ، ويبني الإنسان ، ولن يأتي عليه وقت تنضب فيه موارده ، أو تقلُّ فيه عطاياه ، فما زال القرآن كما كان دائماً ، ثريًّا بكلِّ ما يفتقر إليه البشر ويحتاجون إليه ؛ ابتداء من الاستمتاع اللغوي المثير ، الذي يشترك فيه كلُّ متدبِّر للقرآن ، وانتهاء بالهداية التامَّة ، وبلوغ منزلة الولاية الكاملة ، لكلِّ من اعتصم به بحقٍّ ، ومروراً بما يحقِّقه في أهله العاملين به ؛ من نضج العقول ، وتسديد الفهوم ، واستقرار النفوس ، وسلامة المجتمع ، وعمارة الدنيا ، وطيب العيش ، فهو بحقٍّ جنة الحياة الدنيا ، وتحفة الأمة الإسلامية ، وكنزها الأعظم والأجل .

         ولا يجوز أن يتطرَّق إلى نفس المؤمن شكٌّ أو ريب - ولو كان يسيراً - في صدق أداء القرآن في أهله ، وعظيم قدرته في صناعة الشخصية الإنسانية المتكاملة ، وجليل أدائه في بناء المجتمع المثالي ؛ فمحمد صلى الله عليه وسلم هو بشخصه الكامل ، ومقامه الرفيع العالي ، وسلوكه الخلقي العظيم ، هو نتاج أثر القرآن ؛ فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع القرآن مقامات طويلة وجليلة ، وأوقات فريدة وعجيبة ، صاغت الشخصية النبوية في أعلى منازلها ، وأبهى درجاتها ، فليس أحد يمكنه أن يدرك من آيات القرآن ما أدركه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يفهم منه أجلَّ مما فهمه عليه الصلاة والسلام ، بل ولا ينفعل به ، ولا يتأثر منه أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد باشره جبريل - عليه السلام - بالتنزيل العظيم ، فلم تكن هذه المباشرة الجليلة عابرة بلا مشاعر ، ولا سطحيَّة بلا مظاهر ؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاني من تنزُّل الوحي شدَّة وثِقَلاً ، فتعرق جبهته الزاهرة وتقْطر ، ويثقل بدنه الشريف ويجْهد ، فيشعر بذلك الثقل من يباشر جسده الشريف عند نزول الوحي ، حتى الناقة الكبيرة المكْتملة النمو لتبرك لشدَّة ما تجده على ظهرها من الأحمال في لحظات التنزُّل , فكيف بقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وصدق الله تعالى إذ يقول : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) (73/5) .

          ولو أُذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في التعبير عمَّا يقع في روعه من فتوح القرآن ، وعوالم الفهم ، وجديد النظر ، ولطيف الوعي : لعجزت مفردات اللغة الثريَّة أن تعبِّر عنه بكماله وجلاله على وجه الحقيقة ، فهي مقامات عظيمة من الإدراك والوعي والفتح ، ليست لأحد سوى الخليل الأعظم ، والسيِّد الأكرم عليه الصلاة والسلام ، فلم يصلنا عنه من وصف هذه المقامات النبويَّة الخاصَّة ، إلا إشراقاتها على طلعته البهيَّة ، وأنوارها على صفحته النديَّة ، وعظيم وقعها على نفسه الزكيَّة ، وحجم ثقلها على جسده الشريف .

         ومع كلِّ هذا الجلال والكمال والبهاء والقوَّة ، لم يكن يزيد - صلى الله عليه وسلم – عند تعامله مع القرآن : عن تتابع ذرف العيون ، وسرعة نبض القلب ، وأزيز جوف الصدر ، حتى يجد ذلك ويشعر به من يجاوره من أصحابه – رضي الله عنهم – فما يزيدون بذلك إلا عجباً من أحواله الغريبة ، فمن رام منهم أن يجاريه في بعض مقاماته الخاصَّة ، كان عليه الصلاة والسلام يردُّه إلى ما يناسبه من أحوال المكلَّفين ، فقد قال لمن أراد منهم أن يقتدي به في وصال الصيام إلى ثلاثة أيام : ( إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ) ، فهو ليس كهيئتهم ، وكذلك الحال مع القرآن ، فمقامه – صلى الله عليه وسلم – مع القرآن ليس كمقامات من دونه من أمته ، ولْيتأمَّل العاقل في ذلك هذه الأحرف المقطَّعة ، التي افتُتحت بها بعض سور القرآن الكريم ، كيف بقيت سرًّا مكْنوناً ، بين الربِّ الكريم سبحانه ، وعبده الخليل صلى الله عليه وسلم ، حتى مضى إلى ربه بخبرها ، فلم يبْلغ حقيقتها - مِنْ بعده - المتدبِّرون ؛ لأن ذلك فوق ما يُطيقون ، وهو – في الوقت نفسه - مما لا يحتاجون إليه لإقامة دينهم ودنياهم وإلا بلَّغ به ، وإنما يكفيهم - تجاه هذه الأحرف المقطَّعة - الإيمان بها وترْتيلها ، فلا يطلبون فوق ذلك ممَّا لا يصلح لهم .

          ولهذا أبلغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خطر مشاهداته ، وشدَّة وقع بعض علومه على النفوس ، فلو قُدِّر لغيره أن يعاين شيئاً من ذلك ، أو أن يبلغ بعضاً مما بلغ ، لما انتفع المُعاين بتلك المقامات ، ولتعطَّلت لذلك حياته ، فلو بقيَ ليعيش ، لم تعمر به الأرض ، ولم يستمرَّ به النسل ، ولم تهنأ به الحياة ، وإنما هو الذهول والشرود والغيبوبة والتيه ، عن الطبيعة التكليفيَّة ، التي أناط الله تعالى بها الإنسان ، ولهذا اكتفى رسول الله صلى الله عليه والسلام بقوله لهم : ( لو تعلمون ما أعلم ، لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ) ، فهذا كافٍّ لإبقاء المكلَّفين في حدود طاقاتهم الطبيعيَّة ، ضمن قدراتهم الفطريَّة ، فلا يطلبون مقاماً قد يكون فيه عطبُهم ، ولا يرجون منزلة قد يكون فيها ضياعهم .

         إن النفس العظيمة ، التي تحمَّلت شدَّة التنْزيل وثِقَله ، وأطاقت فواتح القرآن وعوالمه ، ثم استوت بعد كلِّ هذا في نمط بشريٍّ طبيعي ، وسلوك إنسانيٍّ سويٍّ ، ونهج اجتماعي ثري : لهي نفس فريدة مفْردة ، لا مثيل لها ، ولا شبيه بها ، ولا يمكن أن تتكرَّر في واقع الحياة البشريَّة ، فهي صنعة ربانيَّة واحدة ، قد بلغت وحدها كمالها الواحد ، الذي لا ينبغي لغيرها من الناس ، ولهذا لما فُتح على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه – شيء فريد من معاني آية من القرآن ، فاستحضر طيْفاً من روعة التنْزيل المبارك ، وعاين لحظة من عظمة المشاهدة الروحيَّة : لم تُطقْ نفسه وقع ذلك الفيض ، حتى خرَّ مغشيًّا عليه ، فمرض حتى عاده الناس ، رغم عظيم مقامه في الإسلام ، وعلوِّ شأنه في الدين ، ورباطة جأشه في الحقِّ ، ومع ذلك كان الوارد على عقله ونفسه وروحه أكبر من أن تتحمَّله ذاته البشريَّة .

          وهذا درس لمن دونه من الأولياء الصالحين ، والعبَّاد القانتين ، والمفكِّرين المتأمِّلين ، فلا يرومون ما لا يقدرون ، ولا يطلبون ما لا يستطيعون ، ولا يرجون ما هم عن إطاقته - إن حضر - عاجزون ، ولهذا تساقط في الطريق إلى الله تعالى - وهم على موائد القرآن الكريم - كثير من طوائف المتزهِّدين ، وجمع من المتصوِّفة المتنسِّكين ، حين تكلَّفوا خوض بحار القرآن ، بعقول متواضعة ، ونفوس رقيقة ، وأبدان ضعيفة ، فلم تُطِق ما ورد عليها من بعض معاني القرآن وحقائقه ، فحُبسوا في لجَّته العميقة ، لا يتقدَّمون ولا يرجعون ، وتاهوا في دروبه العريضة ، لا يهتدون ولا يبلغون ، فهلك من هلك بجُرأته ، ونجا من نجا بفضل ربه ورحمته ؛ فقد سجَّلت كتب الأعلام والسير جموعاً من : المشْدوهين الذاهلين ، والمصروعين الهالكين ، والمشْروقين المنقطعين ، وآخرين من الغلاة المارقين ، وطوائف من البسطاء المعْتوهين ، فكلٌّ قد تكلَّف فوق طاقته ، ورام أكثر من قدرته ، حتى بلغ ببعضهم – ممن لا يُطعن في دينهم – أن يُعبِّروا عما يرد على عقولهم من الصور الذهنيَّة ، ويتحدَّثوا عمَّا يطيف بنفوسهم من الموارد الروحيَّة ، حتى تفوَّه بعضهم بما يشينهم في عقولهم ، ويشكِّك في دينهم ، من أقوال ساقطة ، وعبارات باطلة ، لا يجرؤ على مثلها إلا معتوه ، قد غُلب على عقله ، أو زنديق باطنيٌّ حاقد ، يقصد إلى تخريب الدين .

          ولا يغيب عن وعي المطَّلع المنْصف ، طوائف كثيرة من أهل الحقِّ ، خاضوا بحار القرآن ولُجَجَه ، بمجاديف البصر والبصيرة ، وضوابط العقل والشريعة ، فاستخرجوا من كنوزه علوماً جليلة ، واستنبطوا من مدَّخراته نكتاً بليغة ، فنفعوا وانتفعوا ، وفادوا واستفادوا ، فأقاموا شرائع الدين ؛ بما يضبط العقائد والعبادات ، وأقاموا مصالح الدنيا ، بما يضبط العلاقات والمعاملات ، فصلح بذلك الدين والدنيا معاً ، فلا تخلو شِرْعة ربَّانيَّة من لطيفة مستنبطة ، أو حكمة مستخرجة ، أو نكتة ملْهمة ، فينتفع السالك بكلِّ هذا ، فلا تجفُّ روحه وتتحجَّر بمسائل الفقه ومذاهبه الجامدة ، ولا تلين وتتميَّع بلطائف القوم ونكتهم ، وإنما هو خليط مركَّب محْكم ؛ من فقه سليم ، واعتقاد صحيح ، ونسك قويم ، ولطيفة صادقة ، فمن مجموع هذا كلِّه بلغ السلف ما بلغوا من الصلاح والإصلاح ، فلم يكونوا متحجِّرين على أبواب الفقه وأصوله ، منْغلقين على مسائله وفروعه ، ولم يكونوا – في الجانب الآخر – غارقين في النكت واللطائف ، منْشغلين بالزهد والرقائق ، وإنما كان الاعتدال نهجهم ، والوسط سبيلهم .

         ولهذا فإن قدراً يسيراً من الفتح القرآني على العبد الموفَّق ، يُقيمه باعتدال بين الترهيب والترغيب ، ويضبطه بين الخوف والرجاء ، فيستقيم بذلك على الطريق ؛ فيقيم الفروض والواجبات ، ويجتنَّب الكبائر والمحرَّمات ، فهذا خير له من درب طويل لا يبلغ منتهاه ، أو مسلك وعْر لا يُدرك عقْباه .

         ولا يتعارض هذا الفهم مع كون القرآن ميسَّرٌ سهل التناول ، يأخذه الطفل والمرأة والأعْجمي ، فلا يثقل على أحد منهم ، حتى الأميَّ الذي لا يمكنه القراءة في الكتب والمدوَّنات – ومع ذلك - لا يعجز عن أخذ بعض سور القرآن ، فهو ميسَّرٌ للذكر والاتعاظ والاهتداء للعموم ، أما من رجا فوق ذلك من مقامات القرآن الرفيعة ، وعلومه الشريفة ، ونكته اللطيفة ، فهذا لا بدَّ له من شروط وأدوات لازمة ، وعلوم ومهارات متْقنة ، وجهود ومجاهدات متواصلة ، وهذا قطعاً ليس لكِّل أحد ، وإلا لتساوى الجاهل والعالم في مقام واحد ، وما عاد لسؤال أهل الذكر معنى ، إذ الكلُّ أمام القرآن سواء ، ومثل هذا يُنكره كلُّ من له عقل يميِّز به ، أو حسٌّ يستشعر به .  

          غير أن غالب الناس ليسوا من هذه الطريقة ولا من تلك ، فلا هم سلكوا مسلك العلماء الفقهاء ، ولا هم نهجوا طريق العبَّاد الزهَّاد ، فغلب على أكثر الناس قصورهم عن القيام بواجب القرآن في العلم والعمل ، وشروطه في الفهم والنظر ، حتى قامت بينهم وبينه حُجُبٌ عِراض مانعة ، وأستار سوداء قاتمة ، فلا ينتفعون منه إلا بالقليل ، فما زال بعضهم محْجوباً عن القرآن وهو يقْرؤه ، ممنوعاً من فهمه وتدبُّره وهو يعالجه ، وهذه أنواع من العقوبات ، التي قد تلْحق بعض المسلمين لمظالم يعملونها ، أو لذنوب يواقعونها ؛ إذ لا بدَّ من التجانس بين طهارة القرآن ، وطهارة موضع نزوله من القلب ، وإلا مضى عبر النفس ، فلا يستقرُّ فيها من فهمه شيء .

          بل ربما كان القرآن - الذي أُنزل أصلاً لحياة القلوب ، وصلاح النفوس ، وسلامة العقول - وبالاً على أناس ، وشقاء على آخرين ، كما قال الله تعالى : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا ) (17/82) ، وقال أيضاً : (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) (9/124-125) ، وهذا من أعجب العجب ، حين يصبح سبب الحياة هو نفسه سبب الموت ، ومورد الخير هو عينه مورد الشر ، ومصدر السعادة هو كذلك مصدر الشقاوة ، ولهذا فبقدر اليقين بالقرآن ، وخلوص مقاصد التعامل معه ، وسلامة موقع نزوله من النفس : يكون حجم الانتفاع به .

          وليس هذا أيضاً على إطلاقه ؛ فقد يتناول القرآن بالفحص والتدبُّر وليٌّ من الأولياء الصالحين ، ومع ذلك لا يُفتح عليه بكثير فهْم ولا قليله ، إذا لم يكن المولى عزَّ وجلَّ قد أذن له في ذلك ، فقد عكف على القرآن جماهير من الصالحين ، ومع ذلك لم يبلغوا من جليل فهمه مقاصدَهم ، فليس كل من أراد أمراً بلغه ، حتى وإن بذل فيه ما بذل ،وفي هذا المعنى قال ابن تيمية في كتابه درء تعارض العقل والنقل (7/427) : ( القرآن مورد يرِدُه الخلْق كلُّهم ، وكلٌّ ينال منه على مقدار ما قسم الله له ) ، غير أن ثواب اجتهاده لن يفوته ، وأجر تلاوته لن يعدمه ، ما دام مخْلصاً في ذلك لله تعالى .

        

 

 

]]>
Thu, 04 Aug 2016 13:36:13 +0300
صولة النفاق مقال شهر شوال 1437هـ

صولة النفاق

       الحمد لله العزيز الحميد ، والصلاة والسلام على النبيِّ الكريم ، والسيد الرسول العظيم ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد... ففي العقد الثاني من عصر النبوة المبارك ظهر النفاق الأكبر ، بأبعاده الضلالية والإجرامية ، ليهدِّم بناء الإسلام النامي ، الذي بدأ يأخذ مكانه اللائق به في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، على يد المربي الأول ، والسيد الأعظم : رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، فغاظ ذلك الإنجاز المنافقين والكافرين - على حدٍّ سواء – وهم يشاهدون ويلمسون تنامي مكانةِ الدولة الإسلامية الفتية في المدينة المنورة ، التي أخذت تتوجَّه بسرعة نحو القوة والتمكين في جزيرة العرب ، فتشقُّ طريقها بنجاح وتفوق ، وسط ركام الجاهليات : الوثنية واليهودية والنصرانية ، تبني صروح الإيمان والأخلاق ، وتُشيِّد عوالم النهضة والازدهار ، على وقع آيات القرآن الباهرات ، وأحاديث السنة النبوية النيِّرات .

         حتى إذا عرفت الأمة الإسلامية نهج طريقها ، واستبان لها خطُّ مسيرها ، ضمن صراط الله المستقيم ، وهدي خير المرسلين ، عندها أذن المولى عز وجل بإعلان نهاية عصر الوحي والأنبياء ، بقبض رسوله الكريم ، وخاتم أنبيائه العظيم ، محمد صلى الله عليه وسلم ، فاستودع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمةَ ربَّها ، وقد وضعها على المحجَّة البيضاء النقية ، لا زيغ فيها ولا غبش ، ليلُها كنهارها ، واضحةُ المعالم ، بيِّنة المسالك ، قوية الأركان ، ثابتة الجنان ، فتولى القيادة الإسلامية من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة النجباء ، والأولياء الشرفاء ، والأمراء النبلاء ، فانطلقوا بالأمة من جديد كأقوى ما كانت ، وكأشدِّ ما عُرفت ، يجوبون الدنيا فتحاً وعلماً ، سيفاً وبياناً ، فما ازداد المنافقون والكافرون بذلك إلا غيظاً ، وما نالهم بنجاح الأمة وثباتها إلا همٌّ وغمٌّ ، وقد خابت ظنونهم بضياع الدين ، وانقطعت آمالهم بأفول الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

        وما علم هؤلاء أن هذا الدين هو حجَّة الله الباقية والدائمة إلى آخر الدهر ، يحمل في ذاته أسباب بقائه ، واستمرار دوامه ، يُعزُّ الله به من أحبَّ من أوليائه ، ويُذل به من كره من أعدائه ؛ فقد بقي الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قروناً متطاولة ، وأزمنة متعاقبة ، بكماله وجماله وروعته ، غضًّا طريًّا ، كما أُنزل أول مرة ، يغيظ الكافرين والمنافقين ، ويدكُّ معاقل المجرمين والضالين ، فما وجد المبطلون إلا سبيل النفاق والتآمر ، فعادوا إلى جحورهم من جديد ، واندسُّوا في أنفاقهم مرة أخرى ، يتربَّصون بالأمة في غفلاتها ، ويكيدونها في رقَدَاتها ، فيتحيَّنون الفرص المناسبة ، والأزمنة المواتية ، حين تغيب الأمة عن وعيها ، وتغفُل عن نهجها ، وتحيد عن رشدها ، فيخرجون عندها من جحورهم ثائرين ، ويبرزون من أنفاقهم ناقمين ، لينقضوا على بعض الأمة ، فينالون من أموالها ودمائها وأعراضها ، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، فإذا فاقت الأمة لهم ، وتنبَّهت إليهم ، وسلَّت عليهم سيف الانتقام ، وعصى التأديب : عادوا مرة أخرى إلى أوكارهم للاختباء والاندساس من جديد : يظهرون الدين ، ويبطنون الكفر ، يعلنون الوُدَّ ، ويكتمون الحقد : (...هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) .

         وما زال المنافقون منذ عصر النبوة على هذا المسلك القبيح ، وفي هذا الضلال المبين ، وعلى هذا الحقد الدفين ، الذي يدل على قلوب مريضة ، ونفوس مظلمة ، وأهواء مستحكمة ، وعقول فاسدة ، يركبون الفرق الإسلامية الضالة ، ويغوصون في النحل الفكرية الشاذة ، ويُنشئون الجمعيات الباطنية الكافرة ، فيعملون على هدم الدين من الداخل ، وعلى تخريب العقيدة من الباطن ، فقد استحوذ عليهم الشيطان ، حتى ملك عقولهم ، وسلب أفهامهم ، فعادوا ألعوبة في يده ، يتلهى بها كيف يشاء ، ويضعها حيث أراد ، حتى صنع منهم حربةً ماضية في نحور المسلمين ، وخِنجراً غادراً في ظهور المؤمنين .

        وهكذا الشيطان مع حزبه الخاسرين ، حين يتَّبعون خطواته ، وينْساقون لإغراءاته ، ويعملون بوسواسه ، فإنه حينئذٍ يسوقهم إلى عطبهم ، ويقودهم إلى هلاكهم ، حتى يبلغ بهم المنتهى في الضلال ، والغاية في الفساد : (...إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ، فينزل بهم في دركات الغواية : دركة دركة ، وخطوة خطوة ، إلى أن يبلغ بهم أسفل سافلين ، ودرك الهالكين ، عندها يقولون بقوله ، ويعملون بشركه ، وهنا يرتبط مصيرُهم بمصيره ، ونهايتُهم بنهايته ، حتى يقرن الله بينهم جميعاً يوم القيامة ، فيكونوا ضمن حزبه ، وتحت رايته : (...وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا ) .

         إنها النهاية المحتومة لحزب الشيطان الخاسرين ، والخاتمة الأكيدة لأعداء الرحمن المنافقين ، فقد حذرهم الله تعالى وأنذرهم : ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ، وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ، وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ، هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ، اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) . 

          إنها الخسارة الكبرى ، والرزية العظمى ، أن يخسر الإنسان حظوظه المدَّخرةَ له عند الله تعالى ، حين يُكشف له مقعدُه من الجنة ، فيراه متحسِّراً عليه ، متألِّماً على فواته وضياعه ، تُقطِّعه الحسرة ، ويعتصره الألم ، وقد أبدله الله مقعداً لعيناً حقيراً في نار جهنم : (...قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) .

       والناظر المتأمِّل يلْحظ بوضوح استشراء النفاق في هذا العصر ، حتى ما عاد يخفى على ذي بصيرة ، فقد بلغ مبلغاً عظيماً ، لا سابق له في تاريخ أمتنا ، حتى قامت على النفاق دول ، وجماعات ، وأحزاب ، ومذاهب ، تُظهر للناس أموراً وتخفي أخرى ، تنادي بمبادئ ، وتعمل بغيرها ، حتى غدا النفاق سمةَ العصر الحديث ، وعنوانَ الحياة المعاصرة ، حتى لم يعد يستحِ المنافقون في هذا الزمان من ظهور حقيقتهم ، وانكشاف أمرهم ، ما داموا آمنين على نفوسهم ، متمكِّنين من خصومهم ، فتراهم يجوبون الساحاتِ السياسيةَ والعسكرية ، ويظهرون على الشاشات والقنوات ، يتنادون بالشعارات والرايات ، ويتصايحون بالانتقام والثارات ، وكأن أمة الإسلام الواسعة الكبيرة - في مشارق الأرض ومغاربها - لا تعنيهم في شيء ، فلا احترام لها ولا تقدير .

        غير أن كلَّ هذا الضجيج لا يعدو أن يكون صولة مارقة من صولات النفاق ، وانتفاشة من انتفاشاته الحقيرة الوضيعة ، تُوشك – بإذن الله تعالى - أن تنجلي بظهور أهل الحق ، وأفول أهل الباطل .

         وهكذا المنافقون الجبناء في كل عصر وزمان ، لا يظهرون إلا حين يأمنون على أنفسهم ، فيضربون ضربتهم في جسد الأمة – كما يفعلون اليوم في بلاد الشام والعراق واليمن - ثم يعودون مرة أخرى إلى جحورهم ، فيتظاهرون من جديد بالإسلام والإيمان ، وحماية الأوطان ، فهذا تاريخهم شاهد منذ عصر النبوة ، على قبيح صنيعهم ، فليس لهم همٌ إلا تخريبَ الأمة الإسلامية ، وذهابَ عافيتها ، وتحطيمَ كياناتها ، ومن ثمَّ العمل على عودةِ أمجادهم الوثنيةِ والشعوبية ، على أنقاض أهل الإسلام .

        إن أزمة المسلمين مع هؤلاء الخونةِ المنافقين ليست في قوتهم ، فهم أحقر وأذل من ذلك بكثير ، وإنما المشكلة تكمن في ضعفنا ، وسوءِ تدبيرنا ، وتآمرِ أعدائنا التاريخيين الكبار ، وتكالبهم علينا ، من اليهود والنصارى ، ومن سار في فلكهم ، الذين ما فتئوا يكيدوننا بهؤلاء المنافقين ، فيستخدمونهم في إرهاق الأمة ، وشَغلها عن مهام النهضة ، وأسباب التقدم ؛ ولهذا فإن تعيينَ المنافقين في هذا الزمان ، وكشفَ حقيقتهم ، وتجليةَ خبرهم : هو أولُ وسائل النصر ، وأهمُّ مهمات أهل الحق ، بعد الاعتصام بالله تعالى ، والتعلُّق بحبله المتين ، وتحقيق الوَحدة الإسلامية النقية ، فليستعن المسلمون بالله تعالى على هؤلاء ومن وراءهم ، وليحرِّروا مقاصدَهم ، ويُخلِصوا نيَّاتهم ، ويتوكَّلوا على الله وحده ، فهو نعم المولى ونعم النصير .

 

 

 

]]>
Wed, 06 Jul 2016 14:07:14 +0300
تفْتيتُ الشخصيَّة الإنسانيَّة مقال شهر رمضان 1437هـ

تفْتيتُ الشخصيَّة الإنسانيَّة

        الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيِّدنا رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد .. فإن الشخصية الإنسانية ، بطبيعتها الفطرية ، التي خلقها الله تعالى عليها : متعددة الجوانب ، فتشمل : الجانب الإيماني ، والجانب الروحي ، والجانب الأخلاقي ، والجانب الاجتماعي ، والجانب العقلي ، والجانب النفسي ، والجانب الجنسي ، وكلُّ جانب من هذه الجوانب - المكوِّنة للشخصية الإنسانية - في حاجة إلى تربية وتهذيب ورعاية ، حتى ينمو الناشئ نمواً سوياً متكاملاً ، ويتناغم منسجماً مع باقي جوانب الشخصيَّته ، وفق منهج التربية الإسلامية ، المرسوم في وحي الله تعالى المبارك ، فبقدر ما يقصِّر منهج التربية في استهداف النمو الشامل للإنسان من جميع جوانب شخصيَّته ؛ فإن قدراً من النقص والقصور لا بدَّ أن ينال بناء هذه الشخصية ، فيلحقها من التشوُّه والضمور والشذوذ ، بقدر حجم التقصير الذي انتاب منهج التربية .

         والمتأمِّل في الشخصيَّة الإنسانية لا يجدها ماديَّة مصْمَتة لا تداخلها الروحية ، ولا هي روحية سامية لا تشوبها المادة ، ولا هي أيضاً عقليَّة صرْفة لا تخالطها العاطفة ، ولا هي عاطفية مائجة لا يحكمها منطق ، ولا هي أيضاً أخلاقيَّة راقية لا تستذلُّها معصية ، ولا هي ماردة شاردة لا يُقيُّدها مبدأ ولا قيمة ، بل هي كيان شامل من كلِّ هذه الجوانب والشعب ، صنعها الله تعالى لتكون مخلوقاً فريداً لا يماثل باقي المخلوقات ، فيكون منهم الولي الصالح ، ويكون منهم الشقيُّ الكافر ، وبينهما من مراتب الرقي والهبوط ، والصعود والنزول ، ما يشمل كلَّ البشر ، بقدر ما أتي المكلَّف من الفطنة والإرادة ، والتوفيق الربَّاني .

         غير أنه قد يحلو لبعض الناس أن يعظِّم جانباً من جوانب الشخصية على الأخرى ، وربما اندفع بعضهم ليختصر الإنسان بكامله في جانب من جوانب شخصيَّته ، باعتبار ذلك الجانب هو الأهم والأعظم في نظره ، فلو صلح لكفى وأغنى عن باقي جوانب الشخصية ؛ فمنهم من يحصر الإنسان في جانبه العقلي ، باعتبار العقل فريدة إنسانية جليلة ، به يصلح باقي كيان الإنسان ويستقيم ، فلو صحَّ هذا الاعتبار لكان الفلاسفة العقلانيُّون أفضل الناس وأحسنهم ، غير أن واقع تاريخ فلاسفة الإسلام لا يشهد لجلِّهم بكثير خير ، فضلاً عن أن يكونوا الأفضل أو الأحسن ، فمثالب أكثرهم في كتب التراجم مسجَّلة محفوظة .

          ولعلَّ من يحصر الإنسان في جانبه الروحي لا يبعد هو الآخر عن الظنِّ الخاطئ ، فقد أُخذت مآخذ عديدة على كثير من متصوِّفة المسلمين ، ممن أفرطوا بالانشغال بتطبيق مناهج تعبُّديَّة ، لا توافق في كثير من الأحيان نهج السنة ، حتى وقعت طوائف منهم فيما يشينها ، وخرج منهم شيوخ طُرُقٍ كبار عن سبيل الهدى ، فعَلِقت بتاريخهم سقطات فكريَّة وسلوكيَّة لا يقبلها الشرع الحنيف ، حتى اندرج تحت عنوان التصوُّف باطل كثير ، فما كانت الروحيَّة وحدها سبيلهم لأفضل المراتب الإنسانية .

          وليس ببعيد عن هذين مَن ظنَّ أن الجانب الخُلقي هو الأهم في بناء الشخصيَّة الإنسانية السويَّة ، فإذا انتظم الإنسان بنهج الأخلاق الإسلامية ، وتقيَّد بالآداب والقيم المرعيَّة ؛ فإنه – في نظرهم – قد استكمل ما عليه في بناء ذاته الاجتماعيَّة ، فكلُّ جوانب الشخصيَّة الأخرى تأتي – في تصوُّرهم - تبعاً للجانب الخلقي ، وثمرة ناتجة عنه ، ومع ذلك فقد أغفل هؤلاء - في غلوِّهم الخلقي - العنصر الأهم والأكبر ، والأداة الأقوى والأعظم ، التي تحرِّك الإنسان من داخله نحو العمل بالالتزامات الخُلقية ، وتُلحُّ عليه من باطنه بالتقيُّد بالآداب والقيم الاجتماعية المرْعيَّة ، إنها العقيدة الإسلامية ، المعبَّر عنها بالجانب الإيماني ؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يلتزم بموجبات الأخلاق دون أن يقوم عليه واعز قويُّ من داخله أو من خارجه ، فلا يستطيع مخالفته ومعاندته ، فالسلطة الممثلة في الجانب الإيماني ، أو السلطة الممثلة في الجانب الاجتماعي : تفرض كلٌّ منهما على أعضاء المجتمع مراسيمها السلوكيَّة ، وتحكم تصرُّفاتهم بضوابطها الاجتماعيَّة ، فبكلا السلْطتين يصلح حال الناس ويستقيم على الطريقة أمرهم .

         غير أن سلطة الواعز الداخلي عند الإنسان طبيعتها معنويَّة ، ترتبط بالمقاصد والنيَّات ، وأما سلطة الواعز الخارجي عنده فهي ماديَّة الطبيعة والنشْأة ، لا تحفِّزها الإرادات الخالصة ، وإنما تعمل بالمصالح القاصرة والضيِّقة ، فمتى غاب الرقيب السلْطوي عن ساحة التفاعل الاجتماعي : انخفضت – بقدر درجة غيابه - دوافع التزامات المكلَّف الأخلاقية ، في حين لا يغيب أبداً عنفوان سلطة الواعز الداخلي عن المكلَّف ما دام يقظاً منْتبهاً ، بل تبقى متوقِّدة حيَّة في ضميره ، تُلحُّ عليه دوْماً بعهودها الأدبيَّة ، وتذكِّره أبداً بمواثيقها الأخلاقيَّة ، حتى إنها من شدَّة قوَّتها - عند بعض المكلَّفين – وحجم حضورها في ذهنه ، وامتلاء نفسه بها : لا يجرؤ على مخالفتها ولو لمرَّة واحدة ، فإذا وقعت منه سقْطة بشريَّة ، في ساعة سهْوَة سلوكيَّة ، فخالف ميثاقه الأخلاقي ؛ فإن تأنيب الضمير ، وحُرْقة النفس ، وألم الزَّلَّة : كافٍّ لتأديب النفس الآثمة ، وكسر الذات المخطئة ، فلا تسكن الشخصيَّة بعد الجرح ، ولا ينجبر كسرها ، إلا بغسل حوبتها ، وإزالة كدَرها ، بالتوبة الصادقة النصوح .

         وعلى الرغم من حصول المغفرة الأكيدة بالتوبة الصادقة الحميمة ؛ فإن بعض التائبين يحصل لهم من شدَّة مقْت الذات الآثمة ، واحتقار النفس المخطئة ، ما لا يكتفون معه بالتوبة النصوح ، فما تزال نفس أحدهم مضطربة لا تستقر ، وضميره مكلوماً لا ينْدَمِل ، وذهنه سجين الذنب لا ينسى ، فيبقى على حاله حتى تحصل له الطهارة الكاملة من آثار حدَث الخطيئة ، ولو أدَّى ذلك إلى إزهاق النفس بالحدِّ الشرعي ، كما حصل زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع ماعز والمرأة الغامدية ، فما استطاعا تسكين نفسيهما المحترقتيْن إلا بتحطيم الذات بأقسى الحدود الشرعية ، وهذا لا شكَّ أثر واضح لحضور العقيدة وآثارها في هذا المشهد الاجتماعي .

        ولهذا يعوِّل أنصار الجانب الإيماني ويراهنون : على أن إصلاح العقيدة ، وإحيائها في نفوس المكلَّفين : هو الأساس في إصلاح سائر جوانب الشخصيَّة الإنسانيَّة ، فالعقيدة الإيمانيَّة هي سفينة النجاة في الآخرة ، وقاعدة السلوك في الدنيا ، وعليها مدار كلِّ أحوال الإنسان وتقلُّباته ، فكلُّ جوانب الشخصيَّة الأخرى تبعاً لصلاح العقيدة أو فسادها .

          وعلى الرغم من وجاهة هذا الرأي ؛ إذ إن الإيمان الصحيح هو شرط القبول عند الله تعالى ، وعليه مُعَوَّل النجاة من الخلد في نار الجحيم ، غير أن طائفة من أهل التوحيد ، ممن صدقوا في إيمانهم ، وأدَّوا الفرائض التعبُّديَّة الواجبة ، وربما ألحقوها بكثير من السنن والمستحبَّات ، ومع ذلك تمسَّهم النار لقبائح سلوكيَّة وقعوا فيها ، لم تسبق لهم فيها توبة صادقة ماحِية ؛ فقد حكى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أناس من المسلمين ، يأتون يوم القيامة بأعمال صالحة كثيرة كالجبال في أحجامها ، ناصعة البياض في ألوانها ، ومع ذلك لا تحجبهم عن مسِّ النار ؛ بسبب أعمال سلوكيَّة انتهكوها ، وقبائح أخلاقية فعلوها ، فلم يرافق مسلك العبادة الصالحة عندهم سلوك صالح قويم ، يعكس على الجوارح صلاح القلب بالعقيدة والعبادة ؛ فإنه لا بدَّ للقلب – بما وقر فيه - من سلطة على عمل الجوارح ، فهي أدوات الترجمة عمَّا تفيض به القلوب من الخير أو الشر .

         وبناء عليه فإن العقيدة - بما تحمله من الإيمان والمعتقدات - هي صورة الإنسان الباطنة ؛ والأخلاق - بما تثيره من المظاهر السلوكية - هي صورة الإنسان الظاهرة ، فالإنسان ظاهر وباطن ؛ باطنٌ تمثله العقيدة والإيمان ، وظاهر تمثله الأخلاق والسلوك ، والشرع الحنيف جاء بأهمية الربط الوثيق بين باطن الإنسان وظاهره ، وضرورةِ التناغم بينهما بصورة تكاملية وتوافقية ، يقول الله تعالى في موالاة الكفَّار : ( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...) ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر : فلا يشرب الخمر ، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُشرب عليها الخمر ) ، وقال أيضاً : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت...) .

          وهكذا الشرع الحنيف - في الكتاب والسنة - يربط بين العقيدة الإيمانيَّة ، وبين السلوك الخلقي ، ويرفض رفضاً باتًّا الفصل بينهما ، تحت أية علَّة أو مسوِّغ ؛ كاعتقاد أفضليَّة العقيدة على الخُلُق ، فقد جعل الشارع الحكيم الخلق أثقل شيء في الميزان ، وفي الحديث : ( مَا من شيء أثقَل في الميزان من حُسْن الخلُق ) ، فرغم أهميَّة العقيدة للنجاة يوم القيامة : ينبِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين إلى حسن الخلق ، فلا يتركهم يُعوِّلون على صحَّة معتقداتهم للسلامة من النار ، فلا يكترثون بسقطات الأخلاق ، ولا يهتمُّون بهفوات السلوك ، بل يجعلون كلَّ ذلك نصب أعينهم ، فيُضيفون إلى العقيدة خُلُقاً حسناً ، يثقِّلون به موازينهم ، ويرفعون به درجاتهم ، فما زال الصالحون الأكياس على حذر من صغار الذنوب قبل كبارها ، وعلى خوف من دقائق الهفوات قبل طوامِّها ، فمَن استصغر الصغيرة وقع في الكبيرة ، ومن توقَّى على نفسه من الدقيقة : حُفظ بإذن الله تعالى من العظيمة . 

          وأنبياء الله الكرام - عليهم الصلاة والسلام – رغم اختلافهم في بعض التشريعات المنزَّلة ، إلا أنهم اتحدوا في المضمونين العقدي والأخلاقي ؛ فما كانت الخيانة قطُّ يوماً من الدهر من المحامد ، ولا كانت الأمانة قطُّ من القبائح ، ولا كان الإحسان يوماً من الرذائل ، فالترادف العقدي والأخلاقي بقي متوافقاً ومترافقاً في جميع الرسائل الربانيَّة ، وهو في الشريعة المحمَّديَّة الخاتمة أكثر ترابطاً وتماسكاً وتوافقاً وشمولاً ، فقد يعذب الله تعالى بالنار من انتهك حرمة حيوان بغير حقٍّ ، أو انتزع شجرة طيبة نافعة لغير مصلحة ، فضلاً عمَّا هو فوق ذلك من المظالم والجرائم والقبائح ، التي تقع بين الناس .

          ولهذا لا يستغني صاحب العقيدة الصحيحة – مهما بلغ - عن الدرس الأخلاقي ، ولا يستغني أيضاً عن الجانب الروحي والتعبُّدي ، وعن الجانب العقلي والفكري ، ولا يستغني كلُّ واحد منهم عن حاجته إلى الصحَّة الجسميَّة ، وافتقاره إلى الاتزان النفسي ، فالكلُّ لا بدَّ أن يحظى بنصيبه الوافر من جميع جوانب الشخصيَّة ؛ ليبلغ درجة الكمال البشري ، التي قدَّرها الله تعالى له ، فواجب المكلَّف إفراغ وسعه في بلوغ قدَرِه المقدَّر ، وفق تكاليف الشرع ، فلا يُغلِّب جانباً من جوانب شخصيَّته على آخر ؛ ليحطَّ عن كاهله طائفة من تكاليف الشرع بحجَّة الأهميَّة ، فتتفتَّت الشخصيَّة الإنسانية إلى شعب متنافرة ، ويتشظَّى كيانها إلى أوصال وقطع ، فتبدو متجزِّئة متناثرة ، لا تناغم بينها ولا توافق .

          إن مما اتفق عليه المسلمون : أن جانب الإيمان مقدَّمٌ على جميع جوانب الشخصيَّة الأخرى ، وهو أوَّل خطوات التكليف الشرعي ، في مقابل اتفاقهم أيضاً على أن الله تعالى قد يحاسب بعض أهل التوحيد على مثاقيل الذر ، فيحاسبهم على صغار ذنوبهم قبل كِبَارها ، إضافة إلى ما يلقاه كثير من الباحثين المتعمِّقين في الشأن العقدي من الوحشة العلمية ، والجفْوة البحثيَّة ، المؤدِّية إلى الاستيحاش النفسي ، والجفاف الروحي ، من فرط تناول أقوال الفرق المتنازعة ، وآراء المذاهب الفكرية المتصارعة ، التي تُرهق الذهن – في كثير من الأحيان – بما لا طائل وراءه ، إضافة إلى خطر ما قد تُحدثه هذه الآراء المتنافرة الموحشة ، والأقوال الشاذة الغريبة ، من الشبَه العقديَّة والفكريَّة في نفوس بعض المتصدِّرين لها ، إلى جانب ما قد يقع لبعض طلاب العلم - في هذا المجال الشائك – من الاندفاع بجرْأة نحو التكفير والتفسيق والتبديع ، التي كثيراً ما يثيرها الاطلاع على فواحش القوم العقديَّة ، مما يبعث الغيْرة في نفوس المتحمِّسين للدين ، فينطلقون بحماسة مفرطة للدفاع عنه .  

           وأمام هذا الواقع – الواسع والمتنوِّع - يحتاج الجميع إلى ما يرقِّق القلوب ، ويُلطِّف الأرواح ، مع ما يُصلح الأخلاق ، ويضبط السلوك ، إضافة إلى ما يحفظ الإيمان ، ويرسِّخ العقيدة ، إلى جانب الحاجة إلى ما يُنير العقل ، ويُنضج الفكر ، فمن مجموع هذه الجوانب : الإيمانية ، والروحيَّة ، والأخلاقية ، والاجتماعيَّة ، والعقليَّة ، والنفسية : يتكوَّن الإنسان المكرَّم ، الذي خلقه الله تعالى بيده ، وأسجد له ملائكته ، وفضَّله على سائر مخلوقاته تفضيلاً .

 

  

 

 

 

]]>
Mon, 06 Jun 2016 16:53:14 +0300
حقُّ التعبير عن الوساوس مقال شهر شعبان 1437هـ

حقُّ التعبير عن الوساوس

        الحمد لله بذكره تطمئن القلوب ، وباسمه تنشرح الصدور ، وعلى نهجه تسعد النفوس ، أحمده وأستعينه وأستغفره ، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيِّئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، خير نبيٍّ أرسله بالهدى والنور ، فبلَّغ الرسالة أحسن تبليغ ، وأدَّى الأمانة أحسن أداء ، وترك الأمة على طريق مستقيم ، ونهج واضح قويم ، لا يزيغ عنه إلا هالك ضال ، أما بعد .. فإن داخلة الإنسان تعجُّ بالحركة والنشاط ، وتموج بالخواطر والأفكار ، وتمور بالوساوس والأوهام ، فيعلق بذاكرة الإنسان ما يعلق ، ويذهب في غياهب النفس ما يذهب .

        وما زال الفطناء يدافعون ما يجول في نفوسهم ، ويقاومون ما يطيف بعقولهم ، مما لا يُعقل ولا يُقبل ، من الأفكار الغريبة ، والأوهام الرديئة ، والوساوس الخطيرة ، مما تقذفه الشياطين في النفوس ، ومما يتردَّد في العقول ، فلا يقبلون منها إلا ما وافق العقل والمنطق الصحيح ، والمؤمن العاقل يزيد على ذلك – في قبوله ورفضه - موافقة الشرع الحنيف ، فما زالت النفس البشريَّة ساحة واسعة لواردات شتَّى ، فإذا لم يواجهها - بالتقويم والتفنيد - شرع ولا عقل ؛ فإن فوضى الأهواء المتضاربة ، وانتكاسات العقول القاصرة ، وصراعات النفس المحتدمة : هي مصير الإنسان المحتوم ، حين يفقد أدوات التمييز الشرعيَّة والعقليَّة ، فلا يعود يفرِّق بين موارده الصحيحة والرديئة ، الطيِّبة والخبيثة ، فيصبح أسيراً لصراع الأهواء والأفكار ، ونهباً لموارد العطب والعطل ، فما يزال أحدهم يساير أهواء نفسه ، ويقبل وساوس صدره ، ويلاطف رديء فكره ، حتى ينحطَّ في دركات سحيقة من نتن الفكر ، ويقع في سقطات قبيحة من رديء السلوك ، فإن الساحة الفكريَّة المعاصرة تعجُّ بالتائهين ، وكذلك الساحة الاجتماعيَّة - هي الأخرى - تزدحم بالساقطين ، ممن استسلموا لأهوائهم الفكريَّة ، وأذعنوا لشهواتهم النفسيَّة ، فعطَّلوا مهارة التعقُّل بالعقول ، وأبطلوا مميِّزة الضبط للسلوك ، فعادوا أحطَّ من البهيمة العجماء في الاهتداء إلى مصالحها ، وأضلَّ منها في تجنُّبها لمضارِّها ومفاسدها .

         إن من أسوأ ما مُنيَ به سفهاء العقول اعتقادهم بحق التعبير عما يجول في نفوسهم من الآراء والأفكار ، باعتبار ذلك فكراً في نظرهم ، هو ثمرة نظر وتأمُّل وتفكُّر ، يستحق النشر والإذاعة ومشاركة الآخرين ، وعلى هذا الاعتقاد السخيف لا يتورَّع هؤلاء من عرض مواردهم النفسيَّة عبر المتاح من وسائل التواصل الاجتماعي ، التي سهَّلت على هؤلاء وأمثالهم عرض ما لديهم بأبخس الأثمان ، وأرخص الأسعار ، إضافة إلى سعة الانتشار وسرعته .

          وآخرون منهم تجرَّؤوا على مواجهة الجماهير عبر الفضائيات المباشرة ، فبرزوا بأفكارهم الشاذة على الناس عبر الشاشات الصغيرة ، والقنوات الكثيرة ، بعد أن جسُّوا نبض المجتمع تجاه أفكارهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي المستورة ، فوجدوا من يؤيِّدهم على آرائهم وخواطرهم ، باعتبارها فكراً يستحق التداول .

          إن الساحة الإعلامية في هذا الزمان قد امتلأت عن آخرها بالكلام ، والصور ، والألوان ، والموسيقى ، مع السرعة الفائقة والتداخل الفني ، مما شكَّل قوَّة ناعمة ماضية ، تضغط بثقلها على عقول المستقبلين ونفوسهم ، فتسكب في روعهم كمًّا هائلاً من هذه المتغيِّرات الصاخبة والمتنافرة والمشوَّشة ، التي لا تسمح للعاقل – فضلاً عن السفيه – بالنظر أو التأمل ؛ لما امتازت به من السرعة والاستمرار والتدفُّق ، فما تزال الشخصيَّة الإنسانية – بضعفها - تستقبل هذا الوارد الكبير ، الذي يخالج النفس ، ويداخل العقل ، ويداعب الغريزة ، مع ما يحدثه من التشويش الصاخب ، والتنوِّع المفرط ، الذي عادة ما يرافق هذه الوسائل ، فهذا التكدُّس الكبير والمستمر لا يمكن أن يمضي بسلام عبر العقل والنفس والبدن ، دون أن يخلِّف وراءه أثراً ما على مستقبلات الإنسان المختلفة ، فحجمٌ ما - يقلُّ أو يكثر - من المتغيِّرات المستحسنة للمستقبل أو المكروهة عنده لا بد أن تعْلَق بشخصيَّته ، أحبَّ ذلك أو كرهه ؛ فإن من المسلَّم به تربويًّا : أن ما يجري على جوارح الإنسان ، قدر منه لا بدَّ أن يبلغ الباطن ، وما يقع في الباطن لا بدَّ أن ينعكس قدر منه على السلوك الظاهر ، فالتبادل الشخصي عند الإنسان بين المدخلات الواردة عليه ، وبين المخرجات الصادرة عنه : أمر مسلَّم به في الشأن التربوي ؛ إذ لا يمكن أن يتعرَّض الإنسان لكلِّ هذه الواردات الكثيرة والمستمرة : الفكريَّة ، والخلقيَّة ، والروحيَّة ، والنفسيَّة ، دون أن تترك أثراً تخلِّفه على شخصية المتلقِّي ، فإن العقل الصريح والواقع المشاهد يحيلان مثل هذا الظَّن الضعيف .   

        ومن هنا فإن تراكم هذه الواردات الكثيرة على الفرد ، وما يعاضدها من ضغوط الحياة ومنغِّصاتها ، وما يتبعها من صراعات التنافس الاجتماعي ، وما يلحق بها من المشكلات الأسرية والزوجيَّة ، وما ينتج عنهما من أزمات فرديَّة وجماعيَّة ، كلُّ ذلك يُعد الأرضية الخَرِبة للشخصيَّة المثقلة ، المهيَّأة لقبول الأفكار الشاذة ، والقابلة للوساوس الباطلة ، والمستقبلة للمنامات الموحشة ، فما يلبث أحدهم طويلاً حتى يُفصح عما يجول في خاطره ، من قذى العيون ، ونتن العقول ، دون أن يميِّز بين رديء وحسن ، وبين طالح وصالح ، فبقدر ما تُحدث أطروحاته الغريبة من ردود فعل اجتماعيَّة- إيجابيَّة وسلبيَّة - يكون حجم سعادته النفسيَّة ، ودرجة قناعته العقليَّة ، باعتبار أن آراءه كانت موضع اهتمام الآخرين ورعايتهم .

        إن المشكلة تكمن في سعة السوق الإعلاميَّة الرديئة ، التي تستقبل مثل هذا الزغل التافه ، فتفتح دكاكينها لكلِّ غادٍ ورائح ، فبقدر ما يجده هؤلاء المغرورون من التسفيه والصدود : يجدون أمثاله من الترحيب والقبول ، فيبقى أحدهم أسيراً لموارده العقليَّة والنفسيَّة ، مما تقذفه الشياطين في الصدور الحرجة ، ومما تجيش به النفوس المثقلة ، فيرشح على العقول القاصرة ، فيطير به السفيه مغترًّا به .

         إن موارد النفس والعقل ، وما يطرأ عليهما من الخواطر والأفكار ، ليست كلُّها مستنكرة ابتداء ؛ بحيث تُرفض جملة واحدة بلا تمييز ، فالشرع المبجَّل يحكمها ؛ فيرفض منها ويقبل ، تماماً كما يحكم سائر أعمال الإنسان تصرُّفاته المقبولة منها والمرفوضة ، فما كان منها خاضعاً لإرادة المكلَّف واختياره لحِقتْه المساءلة الشرعيَّة ، وما كان منها بغير إرادته عُفيَ عنها ، ما لم يتحدَّث بها ، أو يعمل بمقتضاها .

         هذا من جهة ، ومن جهة أخرى : فإن للواردات العقلية والنفسية المستحسنة رصيد ثقافي سابق لا بد منه ، وذخيرة علمية مدَّخرة لا يُستغنى عنها ، تُهيئ - في مجموعها – للشخصيَّة النبيهة منابت طيبة لبزوغ الأفكار الجديدة ، والآراء الفريدة ، والمقترحات البديعة ، مما تقبله العقول ، وترتضيه النفوس ، فما زال التفاعل العلمي ، والمكابدة البحثيَّة ، والتأمُّل الفكري : يمدُّ العقل والنفس معاً بالخواطر الرائدة ، والأفكار النيِّرة ، مما يندرج أحياناً ضمن نطاق الإبداع الفكري المحترم ، فالمعاناة العقليَّة وتفاعلاتها العلميَّة : هي مادة الخاطرة الطيبة ، والفكرة المستحسنة ، والإلهام الصادق ، وفي المقابل فإن الجهالة العلميَّة ، والضحالة الفكرية ، وفقر المعلومات : هي مادة الخاطرة الرديئة ، والفكرة الفاسدة ، والوسوسة الموحشة .   

        إن النبيه الموفَّق لا يقدُم على البوح بخواطره وآرائه ، وما يقع في نفسه من المعاني والأفكار ، مهما بدا له من حسنها ، إلا أن يحاكمها إلى الشرع أولاً ، فإن عجز عن ذلك لقصور فقهه : أنزلها بعاقل مجرِّب ، ممن له حظٌّ من الشرع والفهم ، فإن أناساً تمادوْا مع نفوسهم الضعيفة ، واعتمدوا على عقولهم الخفيفة ، واستسلموا لأهوائهم الشاردة : فأتوْا بما يضرُّ دينهم ، ويُذهب إيمانهم ، حتى إن بعضهم من شدَّة اضطرابه العقلي ، وضيقه النفسي ، وشِقاقه الاجتماعي : يأتي بتعبيرات غليظة شاذة ، تقشعرُّ منها الأبدان ، وتشمئزُّ منها النفوس ، وتنفر منها العقول ، مما لا يصحُّ البوح به مطلقاً ، ولا يجوز التصريح بمضمونه أبداً .

        وقد سبق أن سأل بعض الصحابة – رضوان الله عليهم – رسول الله صلى الله عليه وسلم عمَّا قد يطيف بنفوسهم من الشوارد الشاذة ، والوساوس المزعجة ، والصور القبيحة ، ومع ذلك لم يصرِّح أحد منهم بمضامين هذه الواردات لتمام فقههم ، وصحَّة عقولهم ، وسلامة فِطَرهم ؛ فإنه لا ينسجم مع مثل هذه التلاعبات الشيطانيَّة إلا مغرور ، ولا يتلقَّفها إلا عاطل ، ولا يحدِّث بها إلا مهووس .

         ومن هنا فإن التعبير عمَّا تجيش به النفس ، أو مما يدور في الخلد ، أو مما توسوس به الصدور : ليس حقًّا مطلقاً للإنسان ، بل هو كغيره من السلوكيات المحكومة بالشرع الحنيف ، ضمن ما كلَّف الله تعالى عباده من الالتزامات الشرعيَّة ، وهو أيضاً نوع من أنواع الابتلاءات التي تُحيط بالمكلَّف ، مما قدَّره الله تعالى على عبيده لينظر كيف يعملون ؟ وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت به نفسها ، ما لم تعمل به أو تتكلَّم ) .

 

          

 

 

]]>
Sun, 08 May 2016 19:35:37 +0300
الربيع العربي مقال شهر رجب 1437هـ

الربيع العربي

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، والصلاة والسلام على النبي الكريم ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد ..

يعيش المسلمون مرحلة عجيبة وعصيبة من تاريخ أمتنا الإسلاميَّة ، فأما العجب فيها ففي ثوراتها ، التي جابت العديد من الأمصار العربية ، حتى اصطلح الإعلاميُّون على تسميتها : " الربيع العربي " ، باعتبار أنها تحمل للمجتمعات المنتفضة شيئاً من الانفراج السياسي المرتقب ، والحريَّة الاجتماعيَّة المنشودة .

وأما في كونها مرحلة عصيبة ، فيظهر ذلك في حجم المعاناة والآلام والجراح ، التي منيت بها شعوب الربيع العربي ، وما لحقهم من مشاعر الإحباط واليأس ، من جراء تعثر الآمال ، وحجم الإخفاقات والتراجع .

ولئن كان المحلِّلون السياسيُّون قد تنازعوا في تقويم هذه الانتفاضات الشعبية العربية ، فإن الشكَّ لا يراود الشرفاء في أنها كانت سبباً أساساً في كشف حقائق سياسية وعسكرية واقتصادية خطيرة ، ما كان لها أن تظهر جليَّة للعيان ، لو لا هذا الحراك الشعبي العارم ، وما واجهه من مقاومة ظالمة جائرة ، فقد كشف هذا الصراع عن حجم الفساد الفكري والخلقي والسلوكي ، لدى كثير من السياسيين وأعوانهم ، حتى غدت الثورات العربية أداة فضح لأنظمة سياسية مستبدَّة ، ولمجلس الأمن الدولي ، ولشخصيَّات عربيَّة كانت مرموقة ، عاشت عقوداً من الزمان مستترة بستار الدعاية الخادعة ، فما إن فوجئت بالحراك الشعبي العارم ، حتى كشفت عن حقيقة نفسها المرعبة ؛ فقد كشفت عن نفوس ممعنة في القسوة والفساد ، وألسنة مغرقة في الكذب والخداع .

وإن من أهمِّ ما أسفرت عنه هذه الأحداث المثيرة : حجم عداء كثير من الرافضة لأهل السنة ، رغم الانتشار الثقافي ، والوعي السياسي ، والتقدُّم الحضاري ، والجوار الاجتماعي ، ومع ذلك بقي هؤلاء على أحقادهم الماضية ، وثاراتهم السابقة ، ما زادها طول الزمان إلا عمقاً وقسوة .

لقد استحضر هؤلاء عمقهم الفارسي في ثوب التشيُّع ، فاستغلوا سفهاء المذهب بالترغيب والترهيب ، وحرَّكوا بالتآمر الأقليات الشيعيَّة ، التي عاشت دهوراً من الزمان آمنة على نفسها ، مستأمَنة على جيرانها ، فكان من جراء ذلك أن لحق كثيراً من أهل السنة في الشام والعراق واليمن ما يُخرس اللسان عن وصفه ، ويُعْجز القلم عن التعبير عنه ، من صور الفتك والتدمير والقتل والتنكيل ، التي لا يُعرف لبشاعتها وعنفها سابق في التاريخ الإنساني .

وفي ظلِّ هذا الطغيان الرافضي المتوحِّش ، والتآمر العالمي المتصهْين : اندفعت فئات من شباب أهل السنة نحو التطرف والغلو ، ومقابلة التطرف الشيعي بتطرُّف سنِّي ؛ فإن الفعل لابد له من ردِّ فعل ؛ إذ لا يمكن أن يبقى أهل السنة محاصرين بين طوائف التطرف الشيعي ، وبين تآمر النظام الدولي ، فتفاقمت - من جراء ذلك - المسألة الطائفيَّة كأشدِّ ما تكون ، وأخذ كلُّ جانب يزكي نارها بما لديه من القوة العسكرية والبيانيَّة ، فعاشت مجتمعات عربية مآسي الافتراق والتناحر ، حتى هامت ملايين من المسلمين على وجوههم ، لا يجدون ملجأ يأمنون فيه على نفوسهم إلا خارج أوطانهم ، وعمَّ الأمة خطاب الكراهيَّة في وسائل الإعلام ، في أداء إعلامي غير مسبوق .

ولم يكن عدوان اليهود بمعزل عن هذه الأحداث ، فقد تكرر عدوانهم على مدينة غزة الصغيرة أكثر من مرة خلال هذه الفترة ، فكان العجب في صمود أهلها وثباتهم ، والْتفافهم حول المقاومة - خيارهم الوحيد - في ظلِّ تعاطف عربي وإسلامي واسع ، إلا أن الأعجب في العدوان الإسرائيلي الأخير عام 2014م هو الردُّ الفلسطيني الموجع غير المسبوق ، الذي طالت فيه صواريخ المقاومة الباسلة غالب المدن الإسرائيلية ، مما دفعهم للكفِّ عن عدوانهم صاغرين منهزمين ، غير أن العجب كلَّ العجب في حال بعض العرب ، فقد تغيَّر موقفهم من صمود غزة هذه المرَّة ، حيث انقلبت بعض الأنظمة السياسية رأساً على عقب ، مغتاظة من الصمود الفلسطيني المشرِّف ، إلى درجة التآمر والكيد والتحريض ، بصورة جليَّة لا مواربة فيها ، فانكشف للعيان حجم المؤامرة المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة على القضيَّة الفلسطينيَّة .

وأما العلمانيُّون والليبراليُّون فلم يكونوا بمنأى عن هذه الصراعات والأحداث خلال هذه الفترة الزمنية ، فقد ازدهرت أجواؤهم في البلاد الإسلامية المحافظة ، وعلا شأنهم كأحسن ما يكون ، ضمن سقف عالٍ جداً من الحريَّة الإعلامية ، فما كان يُرمَّز له من الأفكار الحادَّة في مرحلة ماضية ، فلا يفهمه إلا الخواص ، أصبح - في هذه الحقبة الزمنية - صريحاً بلا مواربة ، يستوعبه العامة بوضوح لا مزيد عليه ، فغلوا هم أيضاً غاية الغلو فيما أتيح لهم ، وأخذوا يصفُّون حساباتهم مع خصومهم من الإسلاميين بلا هوادة ، مستغلِّين أجواء الانفتاح الإعلامي ، الذي عمَّ بلاد المسلمين .

ولما قامت الثورات العربية بعفويَّتها : وضعت العلمانيين وإخوانهم من الليبراليين على المحكِّ الأخلاقي الفاضح ، فكان التلعثم والتردد والاضطراب مصير جماهيرهم ، فما لبث أكثرهم طويلاً حتى لبسوا ثياب العسكر ، وامتطوا آليَّاتهم ، واصطفوا في خنادقهم ، ثم انقلبوا مع المنقلبين ، فباعوا أغلى ما كانوا يتغنَّون به من الحريَّة والديمقراطيَّة والمصداقيَّة عند أوَّل اختبار للمبادئ ، فكانت فضيحتهم الأخلاقية مدوِّية ، يصعب عليهم التعافي منها ، فأيُّ مسوِّغ يجيز لبعض الجيوش العربية أن تحوِّل فوَّهات مدافعها إلى شعوبها ؟ إن تسويغ مثل هذه الشناعات لا يأتي إلا عن نفس بشريَّة منحطَّة ، وشخصيَّة بلغت المنتهى في الفساد والإفساد .

وهكذا الفتن دائماً تكشف الخبايا ، وتزيح الستور ، وتنقي المعادن ، فما يزداد المبطلون بها إلا خزياً إلى خزيهم ، وعاراً إلى عارهم ، وأما أهل الحقِّ فإن الفتن في حقِّهم تمحيص يزكِّي نفوسهم ، ويجلِّي نظرهم ، ويفتح آفاقهم ، ثم هو يُعلي عند ربِّ العالمين درجاتهم .

 

 

]]>
Sat, 09 Apr 2016 19:34:28 +0300
الموعظة الأسبوعية مقال شهر جمادى الآخرة 1437هـ

الموعظة الأسبوعية

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فما تزال الموعظة تحتل مكانتها في صناعة الإنسان المسلم بين باقي الأساليب التربوية ؛ فتبني كيانه الروحي من الداخل ، وتصقل نهجه العملي من الخارج ، فتهيئ له فرص التوافق الواقعي بين العقيدة والسلوك ؛ فينطبق باطن المعتقد مع ظاهر السلوك ، حتى تتناغم الشخصيَّة متوافقة بين ظاهرها وباطنها .

وما زال الإنسان - في كلِّ مراحل عمره - في حاجة - من وقت إلى آخر - إلى قدر مناسب من الوعظ ، لا يقل عن أسبوع واحد ، يتلقَّى فيه شحنة روحيَّة زاكية ، يستقبل بها أسبوعاً من العمل والكدِّ والإنهاك ، ينشغل فيه عن نفسه وحاجاتها ، وينصرف به عن روحه وغذائها ، حتى إذا تمَّ للمسلم أسبوعه : عاوده يوم الجمعة بأنواره مشرقاً على نفسه من داخلها ، يناديه بنداء الإيمان : أن هلمَّ إلى بيت الله تعالى ، حتى إذا قربت ساعة الوجوب ، ودنت شمس الزوال : انخلع الرجل من الدنيا وشهواتها ، وألقى وراءه الأعمال ومشاغلها ، وصفَّى ذهنه من الشواغل وأفكارها ، ثم أقبل على بيت من بيوت الله تعالى ، وقد تهيَّأ للذكر ببدنه ونفسه وعقله ، متوجِّهاً بكيانه كلِّه إلى المنبر ، قد فتح - للخطيب الموفَّق -  صفحة ذهنه ، وفكَّ له مغاليق قلبه ، ليسكب فيها ما يحيي القلوب ، ويصلح النفوس ، ويقيم السلوك .

لقد أتى التكليف الشرعي بهؤلاء الجماهير إلى بيوت الله تعالى ، وألزمهم الإنصات للموعظة ، والسكون الكامل للذكر ، فلم يعذرهم بكلمة مرسلة يقولها أحدهم ، أو حصاة مهملة يرفعها ، فالكلُّ في إخبات وسكون ، حتى إن الجاهل لا يجد من الحاضرين من يوجِّهه ما دام الخطيب يتحدَّث ، وهكذا يصبح الصمت والسكون - في هذا الوقت - عبادة ملزمة ، يتأدَّب بهما المستمعون ، حتى إذا أنجز الخطيب موعظته ، وأتمَّ إلى النهاية خطبته : سُرِّي عن الحاضرين ، فإذا صلوا انطلقوا منتشرين في أرض الله تعالى يبتغون من فضله .

إن هذه المسألة الشرعية الملزمة للمكلَّفين من الرجال بحضور الجمعة ، متأدِّبين على هذا النحو : لابد أن تقابل من الخطباء بما يناسبها من الإعداد المحكم والإتقان ، وحسن الأداء في الإلقاء ، مع حزمة مناسبة من المشاعر الصادقة الحارة ، التي تضفي على الخطبة روحها ، فلا تخطئ العبارات طريقها إلى القلوب ، فتستقرُّ في النفس ، آخذة مكانها لبنةً في بناء الشخصيَّة المسلمة .

         إن الزمان والمكان والواقع والحدث ، كلُّ ذلك معتبر في بناء الخطبة ومضامينها ، فلا يفوت الخطيب الآية المناسبة للمقام ، والرواية الدالَّة على الموضوع ، مع استحضار التاريخ عند الحاجة ، والقصَّة المؤثرة عند اللزوم ، بحيث تكون الخطبة وجبة صحيَّة متكاملة ، يخرج بها المصلِّي من الجامع وقد شبعت نفسه ، وامتلأ قلبه ، واستنار فكره ، فما تزال عبارات من الخطبة ماثلة في نفسه ، يشعر بصداها يتردَّد في عقله ، فتكون زاده الطيب إلى الجمعة الأخرى .

إن تكامل خطبة الجمعة في مضمونها العلمي ، وفي أسلوبها الإنشائي ، وفي أدائها اللفظي : لا يعني الإطالة المكروهة التي تُمِلُّ الحاضرين ، مهما كان ظرف الخطبة الواقعي ، وأهميَّة موضوعها العلمي ؛ إذ إن الإيجاز المتقن أصلٌ مهم في صفة الخطبة الشرعيَّة الجيدة ، فما زال الخطباء الموفَّقون يجتهدون في بلوغ درجة الإيجاز المتقن ، الذي يوصل الرسالة سلسة متكاملة بلا خلل ولا شطط .

ولئن كان القرآن الكريم أصلاً ضروريًّا لتمام الخطبة الشرعية ، والحديث النبوي عنصراً مهمًّا لكمال بنائها : فإن الخطبة الموفقة ليست مجرَّد جمع آيات الموضوع وأحاديثه ، ومن ثمَّ سردها على المصلِّين ؛ فإن مثل هذا الأداء أصبح يسيراً في هذا العصر ، كما أنه لا يحقِّق الغرض التربويَّ المنشود من الموعظة ، في حين لو جمع الخطيب عناصره من القرآن والسنة وآثار السلف ، مضيفاً إليها ما يحتاج إليه لكمال موضوعه من الثقافة الإسلامية والواقع ، فأخذ بمجموع مضامين هذه النصوص ، معبِّراً عنها ملخصة بعباراته الشخصية ، مطعِّماً خطبته ببعضها ؛ فإنه حينئذٍ يختصر جملة عناصر الخطبة ومسائلها في عبارات معدودة موجزة ، تحقِّق الغرض الشرعي بصورة أبلغ في التأثير ، مع ضبط الوقت وفق السنة .

ولا ينبغي أن يفهم من النصح بالتركيز على ظلال النصوص الشرعية ، دون الاكتفاء بمجرَّد السرد : أن عبارات الخطيب الخاصَّة وإنشاءه أبلغ من النصوص ، فهذه مغالطة لا تجوز إثارتها في هذا المقام ، فإن كلام الله تعالى لا يبلغ مقامه كلام ، وكلام رسول الله × لا يساويه كلام أحد من الناس ، وبناء على هذا : فهل يكون من الحكم الشرعي ، والمنطق العقلي : أن يكتفي الخطباء بنصوص الوحيين عن التعبير عنهما بعبارات إنشائية ، ينظِمونها بأنفسهم ؟ فقد خطب رسول × جمعاً من الخطب ، فلم يقتصر على نصوص القرآن وحدها إلا فيما ندر ، وخطب من بعده خلفاؤه وأمراؤه ، فلم يكتفوا بالنصوص وحدها ، وما زال العلماء - في كلِّ عصر - ينوِّعون في خطبهم ، ويتخيَّرون في عباراتهم ، ويتفنَّنون في أدائهم ، كلُّ ذلك يحصل عبر تاريخ الأمة بلا نكير ، حتى إن الباحث يعجز أن يجد تطابقاً كاملاً في خطبهم ، فلو كانت مضامين خطبهم قوائم من نصوص الكتاب والسنة لتطابقت ، فالنصوص مهما كثرت فهي محدودة .

 

]]>
Thu, 10 Mar 2016 13:28:15 +0300
العبوديَّة نهج المكلَّفين مقال شهر جمادى الأولى 1437هـ

العبوديَّة نهج المكلَّفين

        الحمد لله الذي خلق فسوَّى ، والذي قدَّر فهدى ، أحمده وأستعينه وأستغفره ، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، المصطفى من الخلق ، والمختار من البشر ، والسيِّد من الناس ، كان أعبد الناس كما أراد له ربه عزَّ وجلَّ ، لم يأت نبيٌّ بأفضل من نهجه ، ولا بلغ وليٌّ أعلى من قدره ، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فإن الغاية من خلق الإنسان هي تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى ، فليس لله - الحكيم العليم – غرض من إيجاد الإنسان على الأرض إلا أن يقوم بمسئوليَّة العبادة ، وَفق مناهج وضعها – سبحانه وتعالى – لعباده : اعتقاديَّة وعمليَّة ، مفاهيميَّة وسلوكيَّة ، بحيث تنتظم مناهج العبادة الربانيَّة كلَّ مناشط الإنسان المختلفة والمتنوِّعة ، للحياة الدنيا والآخرة ، فلا يشذ منشط من مناشط المكلَّفين – أياً كان – إلا ويندرج منضبطاً ضمن موضعه من منهج العبادة في التشريع الحنيف .

        ولهذا فإن العبوديَّة ليست مهمة خارج قدرات الإنسان ، أو بعيدة عن طبيعته البشريَّة ، أو شاذة عن أنواع اهتماماته النفسيَّة والروحيَّة ؛ بل هي فطرة إنسانية ضرورية ، ماضية في الخليقة على العموم ، ومستمرَّة معهم على الدوام ؛ إذ لا بدَّ للإنسان أن يتعبَّد ويتألَّهَ شيئاً ما ؛ فيخضع متذلِّلاً له ، ويلجأ مفتقراً إليه ، عائذاً ولائذاً به ، منساقاً في ذلك بدافع فطريٍّ ملحٍّ ، وحاجة باطنة غالبة ، فهو – تحت وطأة طبيعته الفطريَّة هذه - إما أن يعبد الإله الحق - سبحانه وتعالى - المستحقِّ وحده للعبادة ، وإما أن يعبد آلهة أخرى ؛ فما زالت طوائف من البشر منذ القديم ، وعبر أحقاب زمانيَّة متتابعة : تتوه عن نهج العبادة الحقَّة ، فتضلُّ عن الإله الحقِّ ، المستحقِّ للعبادة ، حتى إن بعضهم – من شدَّة فساد عقله - يضلُّ تائهاً فيعبد – خاضعاً متذللاً – بعض مكوِّنات البيئة الفطريَّة من حوله ، مما يَعدُّه العقلاء هوساً أو جنوناً ، مما لا يستسيغه عقل ، ولا يقبله منطق ، فقد ينحطُّ الضَّال من الناس إلى أقبح مهاوي الإنسانيَّة ، فيعبد شجراً معيَّناً ، أو حجراً محدَّداً ، أو لهباً موقداً ، أو ماء جارياً ، ونحوها مما هو متاح في البيئة من حوله ، فتصدر عنه العبادة متوجِّهاً بها نحو هذه الجمادات المخلوقة ، ضمن سلوكيَّات وطقوس غريبة وشاذة ، لا يدُّل عليها شرع صحيح ، ولا يقرُّها عقل صريح .

          وربما تمادى به التيه العبادي ، حتى يرتكس في حمأة الضلال العقدي ، والضياع الفكري ، والفساد المزاجي ، الذي ليس بعده أحطُّ منه ولا أرذل ؛ فيعبد مقدِّساً دابَّة مما ملَّكه الله تعالى إيَّاها لميزة يراها فيها ، أو يعظِّم حيواناً لخاصيَّة القوَّة فيه ؛ فما زالت قوائم من الوحوش والسنُّوريَّات والجوارح موضع إلْهام وإجلال وإخبات لكثير من الشعوب التائهة عن الحقِّ ؛ فتجد في اتخاذ رموز هذه الحيوانات وهمَ القوَّة والنصر والتمكين ، فتقبع مستسلمة لإيحاء الرمز في نفسها ، منقادة لدلالاته الروحيَّة والعاطفيَّة والاجتماعيَّة ، باعتبارها تعاويذ للحماية والحفظ ، وتمائم للتحصين والمنعة ، وشارات للفوز والظفَر .

          غير أن أحطَّ هؤلاء مكاناً ، وأقبحهم منزلاً ، وأسوأهم رأياً ، وأضلَّهم سبيلاً : من يتَّخذ من الحشرات المهملة ، أو الزواحف القذرة ، أو القوارض النجسة ، ونحوها - مما يستقذره الأسوياء ويستقبحونه من سواقط البيئة - آلهة للتقديس والخضوع والتنسُّك ، حتى قال عنهم المؤرخ الأمريكي ، والخبير التاريخي ول ديورانت ، في كتابه الكبير ( قصَّة الحضارة ) متعجِّباً من بعض مسالكهم التعبُّديَّة : ( ما من حيوان في البيئة إلا كان في يوم من الأيام مقدَّساً عند أمة من الأمم ؛ باعتباره إلهاً ) !! وهذا لعمر الله من عجائب بني آدم ، حين يفقد العقل مهمَّته الأصيلة ، ويتوه عن غرضه الأساس ، فيتعطَّل عن الاستجابة لأسهل مواقف اختباره ، وينشلُّ عن التمييز لأيسر مسالك اختياره ، فيتعثر في الواطئ من الطريق ، ويغرق في الضحل من الماء ، فيختار الضَّال التعيس - للتألُّه والتقديس والتعظيم - ما كان مسخَّراً له – بفضل الله تعالى – من أصل الأمر : ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ...) (45/13) ، فلا يميِّز بين الخالق والمخلوق ، ولا يفرِّق بين الربِّ والمرْبوب ، حتى يبلغ به الانحطاط العقلي إلى التسوية بينهما ، في مشهد بائس منكر بغيض : ( الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ ) (6/1) .

            إن الاهتداء إلى سبيل الحق في نهج العبادة يفتقر بالضرورة إلى الوحي المنزَّل ؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يجتهد مبتدعاً لنفسه نهجاً صائباً للتعبُّد والتنسُّك ، على نحو ما يبتدعه في طرائق عمارة الأرض وأساليبها ، فالبون بينهما شاسع ، والهوَّة بين الطرفين في غاية الاتساع ؛ فما زال الإنسان - عبر تاريخه الطويل – منْجزاً في مجالات العمارة ، متفوِّقاً في طرقها وأساليبها ، فما من عصر من العصور البشريَّة ، إلا ويشهد للإنسان بقدر من الإنجاز الحضاري المبدع ، الذي يثبت تفوُّق الإنسان وقدراته العالية في التعامل مع البيئة الماديَّة من حوله ، ضمن ما وضعه الله تعالى من السنن الكونيَّة المحكمة .

          غير أن هذا التفوق المادي في التعامل مع البيئة الماديَّة لم يرافقه تفوق روحي إيماني في التعامل مع المعتقدات والعبادات ؛ فقبعت طوائف من البشر في انحطاط روحيٍّ جارف ، انحطَّ بهم إلى دركات سحيقة من الضلال والضياع ، مما لا يتناسب مطلقاً مع حجم التقدُّم المادي الذي أحرزوه في إثارة الأرض وعمارتها ؛ فلا يجد الغرب المعاصر غضاضة في الجمع بين غزو الفضاء وعبادة أشخاص من البشر ، باعتبارهم آلهة تُعبد ، ولا يجد الهندوسي المعاصر تعارضاً بين الإتقان الإلكتروني ، وبين عبادة البقر ، حتى إن منهم من لا يجد فارقاً بين تقديس الربِّ الخالق وتقديس الفئران !!

          وقد سبق هؤلاء أقوام من البشر ، حكى القرآن الكريم أخبار طوائف منهم : أنجزوا في بعض ميادين العمارة ما لم يبلغ مثله المعاصرون ، رغم كلِّ ما أُوتُوه من فتوح المعارف الحديثة ؛ فقد قال الله تعالى : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (30/9) .

        وحكى القرآن عن قوم عاد ، وما فُتح عليهم من القوَّة والتمكين ، حتى إنهم من فرط عتوِّهم ، وعظيم بطشهم ، وعمق غفلتهم ، وغرورهم بأنفسهم : يتنادون فيما بينهم مصرِّحين ومعْلنين : (...مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً...) (41/15) ؛ فقد كانوا يُنشئون الحصون العاتية ، ويبنون البيوت الفارهة ، حتى إنهم من شدَّة تمكُّنهم الحضاري ، في سهولة التعامل مع صخر الجبال : يفرطون جداً في إنشاء ما لا يسكنون ، وصناعة ما لا يحتاجون ، مما يزيد في حجم فتنتهم بأنفسهم ، وغرورهم بقوَّتهم ، كما وصف الله تعالى حكاية عن نبيه هود - عليه السلام – وهو يواجههم بفسادهم الحضاري : ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ، وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) (26/128-130) ، فرغم التفوُّق المادي الباهر ، وحجم الإنجازات الحضارية الكبيرة : لم يهتدِ هؤلاء إلى الإله الحق ، رغم ظهور الدلائل والبيِّنات ، وقيام الحجج والمعْجزات ، وإنما قبعوا - بكلِّ إنجازاتهم الحضاريَّة المتفوِّقة - أسفل سافلين : ( وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) (11/59) .

        وهذا التقرير لا يستبعد وجود بعض طوائف من البشر ، ممن ينحطُّ روحيًّا وحضاريًّا في وقت واحد ، فيجمع الأشقياء بين سوْأتي : الكفر والانحطاط ، فيبلغون بذلك قاع المستنقع الإنساني السحيق ، ويقبعون في دركه المنتن العميق ، فلا دنيا كريمة نالوا ، ولا آخرة سعيدة حازوا : (...خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (22/11) . 

         إن الإنجاز الحضاري لأمة من الأمم ، مهما بلغ من التفوُّق والرقي ، لا يمكن أن يُتَّخذ وحده مؤشراً معتمداً لاحتكار الصواب ، فليس بالضرورة أن يرافق هذا الإنجاز الحضاري صواب الاعتقاد في الله تعالى ، وفي الجانب الآخر : فإن انخفاض معدَّلات التفوُّق المادي لأمة من الأمم ، وقلَّة حجم إنجازاتها الحضاريَّة ، لا يُعدُّ دائماً مؤشراً للانحطاط العقدي ، والضلال الروحي ؛ فقد ينال الولاية عند الله أقوام لم ينالوا – في مرحلة ما - حظًّا كافياً من التقدُّم الحضاري ؛ فقد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تزكية أصحابه : ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...) (3/110) ، في الوقت الذي كان بعضهم – من شدَّة الفقر والفاقة – إذا سجد في صلاته انكشفت عورته ، حتى قال سهل بن سعد - رضي الله عنه - : ( لقد رأيت الرجالَ عاقدي أُزُرهم في أعناقهم ، مثلَ الصبيان ، من ضيق الأزر ، خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال قائل : يا معشر النساء ، لا ترفعنَّ رؤوسكنَّ حتى يرفع الرجال ) .

       وليس هذا إقرار من الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم لترك أسباب التقدُّم والرقي ، أو إهمال السعي في التخلُّص من الفقر والتخلُّف ، فليس هذا الترضي الرباني عنهم لما هم فيه من الضيق المادي ؛ فالتخلف لا يُحمد ؛ وإنما هو إقرار لهم على نهج الهداية الربانيَّة الذي سلكوه ، ولما استقرَّ في عقولهم من النظر الحضاري المفعم بالعبودية لله تعالى ، مع ما يحملونه في نفوسهم - في حال عوَزهم وحاجتهم - من الروح الحضاريَّة المتفوِّقة ؛ التي تُحسن قراءة السنن الربانيَّة ، وتُتقن التعامل مع مدَّخرات الأرض ، وتُجيد التفاعل مع البيئة الفطريَّة من حولها ، ولهذا لم يلبث هؤلاء الأصحاب – رضي الله عنهم - طويلاً حتى تجاوزا بسرعة مرحلة الفقر والعوز ، واكتسبوا ببراعة أسباب التفوق والتقدُّم ، ونالوا بدِّقة وسائل النهضة والتحضُّر ، مسترشدين في ذلك بالوحي الإلهي ، ومقتدين بالهدي النبوي ، فجمعوا بتفوُّق واقْتدار بين التقدُّم المادي ، وبين الرضا الإلهي ، وهذا ما لم تحظَ به الحضارات الإنسانية الماضية ، إلا ضمن فترات زمنيَّة محدودة ، في ظلِّ سلطان بعض الأنبياء والأولياء .  

         إن إصلاح الأرض وعمارتها - ضمن فرضي : العين والكفاية - جزء أصيل ضمن مهمة العبودية لله تعالى ، فلابد أن تكون وَفق نهجه الذي ارتضاه لعباده ، فهو سبحانه الخالق وله حقُّ الأمر : (...أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ...) (7/54) ، فلا بدَّ إذاً أن يكون تصرُّف العباد في طرائق العمارة وفَق مراده جلَّ وعلا لأنه المالك ، فله حقَّ التصرف فيما يملك ، وهذا مما استقر قبوله في فطرة الإنسان ؛ إذ لا يقبل العقل ولا يقرُّ بعدم تصرُّف المالك في ملكه ، ولا يقول أحد بغير هذا إلا حين يرتكس متخلِّياً عن الضرورة العقلية .

       ولهذا تتناقض الفكرة العلمانيَّة عقليَّا ومنطقيًّا وبصورة صارخة مع مقتضى حقَّ الملكيَّة ، الذي تقرُّ به سياسيًّا وإداريًّا لجميع أفراد المجتمع ؛ وذلك حين تنبذ حقَّ الله تعالى في الحكم والهيمنة ، بصورة كلَّية فلا حكم له ولا سلطان على شيء ، أو بصورة جزئية بأن يحكم في أمور دون أخرى ، مع إقرارهم له – سبحانه وتعالى – وحده بالملك : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (29/61) ، ولا يُعفى العلماني من لحوق الخطيئة به : إقراره لله تعالى ببعض الملك ، حتى يقرَّ له - جلَّ شأنه - بكامل الملك ؛ لأن نفي حقِّ الله تعالى في حكم شيء واحد من مخلوقاته : كنفي حقَّه في حكم كلِّ مخلوقاته : (...لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (34/3) .

        ومن هنا يُفهم أن العبوديَّة لله تعالى نهج شامل لكلِّ أنشطة الحياة الإنسانية ، فلا يغيب عنها شيء ، وهو ما عبَّر عنه ابن تيمية بقوله في مفهوم العبادة : ( اسم جامع لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال والأعمال : الظاهرة والباطنة ) ، فلا مدخل حينئذٍ للفكرة العلمانيَّة على مفاهيم المسلمين ، حين يعتقدون أن المكان والزمان ، بكلِّ ما يحويانه من الأشياء والمتغيِّرات والأفعال ، كلُّها مخلوقة مربوبة لله تعالى وحده ، وهذا يقتضي بالضرورة انتظام المكلَّفين جميعاً بنهج العبادة الخالصة لله تعالى ، فهي نهجهم الأساس ، ومقتضى غاية وجودهم : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) (51/56) .

 

]]>
Wed, 10 Feb 2016 17:51:07 +0300
الكتابة المقاليَّة مقال شهر ربيع الآخر 1437هـ

الكتابة المقاليَّة

           الحمد لله الجليل الكريم ، والصلاة والسلام على النبيِّ السيد العظيم ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى أصحابه الغرِّ الميامين ، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد .. فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ، وخير الهدي ، هدي محمد × ، وشرَّ الأمور محدثاتها ، وكلَّ محدثة بدعة ، وكلَّ بدعة ضلالة ، وكلَّ ضلالة في النار .

لم يكن من عادتي كتابة المقالات الصحفيَّة والإلكترونية ، وإنما سلكت -  منذ عقود - الكتابة البحثيَّة العلمية ، غير أن تأسيس موقعي التربوي على الإنترنت عام 1427هـ ، والْتزامي للموقع بكتابة مقال شهري : كان حافزاً لي لكتابة المقالات الحرَّة ، فقد وجدت لها مذاقاً آخر ، يختلف عن الكتابة العلميَّة المنهجيَّة ؛ فإن من أهمِّ ما يميِّز المقال هو حريَّة العناوين والموضوعات المتاحة للكتابة ، واتساع مجالاتها وميادينها ، مما يفسح للخواطر العقليَّة ، والاهتمامات الخاصَّة ، والهموم الشخصيَّة ، أن تجد لها موضعاً للتسجيل والرصد والمناقشة ، إضافة إلى اتساع أساليب التناول ، وسعة طرق المعالجة ، بعيداً عن الضوابط المنهجيَّة ، المقيَّدة بالمراجع والمصادر ، والمحكومة بالأساليب العلمية ، إلى جانب ما تتيحه المقالات من المعالجة السريعة للموضوعات العامة المطروحة ، التي لا تحتمل التأجيل ، ولا تنتظر جمع المعلومات ، وتصنيف البيانات ، وتحليل النتائج ، كما يفعل الباحثون الأكاديميون ، وإنما تفتقر إلى الومضات الفكرية ، والإلهامات الروحيَّة ، والأحاسيس الوجدانية ، ثم هي بعد ذلك تنضج بموهبة الكاتب الشخصيَّة ، بما أكرمه الله تعالى به من ملكات الفهم ، وسلامة النظر ، وعمق التأمُّل ، إضافة إلى مكْرُمة التوفيق الربَّاني إلى حسن التعبير بسلاسة وسهولة عن الفكرة موضوع المقال ، فقد تجول في النفس المتأمِّلة ، ويطيف بالعقل المتوقِّد ، أفكار رؤى جليلة وجميلة ، ونظرات ثاقبة بديعة ، غير أن صاحبها يعجز عن التعبير عنها بدقَّة ، فيتعثر قلمه عند أوَّل سطورها ، هذا إذا لم تفتْه بجملتها ، حتى تغيب عن ذهنه قبل أن يعزم على رصدها ، فلا يبقى له منها إلا الأوهام الفارغة بلا محتوى ، أو الخواطر الشاردة بلا خُطُم .   

ولا يُفهم من هذا : أن كتابة المقال انطلاقة بلا حدود ولا مصداقيَّة ؛ بحيث يسجِّل الكاتب فيها مجرَّد أهواء شخصيَّة لا ممسك فيها ، أو أوهام ذهنيَّة لا خطام لها ، فتتحوَّل الكتابة إلى عبث شرُّه أكثر من خيره ، وإنما الكتابة المقاليَّة نضج فكري طليق وفسيح ، يوجِّه الشرع بأحكامه ، ويضبطه الخلق بأفضاله ، ويحكمه العقل بنظراته ، وتهذبه اللغة بآدابها ، فلا يخرج المقال عن توجيه شريف يبثه ، أو تحليل دقيق يعالجه ، أو فهم جديد يعلنه ، أو إشكال مؤرِّق يناقشه ، يقدِّمه الكاتب في قوالب لغويَّة سليمة ، وعبارات ناضجة عفيفة ، لا تهتك ستراً ، ولا تقتحم حرمة ، ولا تتبنَّى ضلالة ، فالمقال لا يخرج بحال من الأحوال عن فائدة ما يجدها القارئ في ثناياه .

إن مما تعلَّمته من خلال خبرة الكتابة العلميَّة والمقاليَّة أن القلم عسير ، لا يطاوع صاحبه دائماً ، وربما قد لا يطيعه أبداً ، فقد يعجز الشخص - الراغب في الكتابة - أن يكتب سطراً واحداً بقلم مُسْتعْص ، رغم توافر الفكرة عنده ، وتمكُّنه من المعلومة ، وحاجته إلى الكتابة ، بل قد يسْتعصي القلم على العالِم الكبير ، حتى يمضي عمره دون أن يدوِّن شيئاً يُذكِّر به ، وإن كان هذا لا يُقلِّل من شأن العالِم ، إلا أن الأثر يبقى كبيراً بين من ألَّف ودوَّن من العلماء ، وقيَّد فكره وآراءه ، وبرع وأجاد في ذلك ، وبين من لم تتيسَّر له الكتابة مطلقاً ، وبين هذا وذاك مُقلٌّ ومُكثر ، ومتقنٌ ومهمل .

ولئن طاوع القلم صاحبه في وقت وتذللَّ له ، فقد لا يطاوعه في وقت آخر ، وربما سهُلت عليه الكتابة في قضايا دون أخرى ، وفي موضوعات دون غيرها ، وقد يشرع الكاتب في كتابة فكرة ما فينساق قلمه إلى غيرها ، أو يهدف إلى قضيَّة يعالجها فينتهي إلى أخرى ، وهذا كثير في كتابة المقالات ، لأنها - في العادة - غير محكومة بالمنهجيَّة العلمية ، ولا مقيَّدة بالأساليب الأكاديمية ؛ إذ الشأن فيها للموارد الفكرية ، والإلهامات العقلية ، والخواطر الذهنيَّة ، والإثارات الاجتماعية ، فجملة هذه المثيرات هي بواعث الكتابة المقاليَّة ومنطلقها ، فقد يكون الكاتب في غفلة تامَّة عن موضوع مقال له ، لم يخطر له ببال أنه يكتب فيه ، حتى إذا أثير في موقف ما ، أو تأمَّل في حالة قائمة ، أو جال بنظره في أمر حوله : انقدحت في ذهنه فكرة مثيرة ، وزاوية للفهم جديدة ، فما تزال الفكرة الواردة تلحُّ عليه بنفسها ، فتراوده بلحظها ، وتغريه بجمالها ، فما يكاد الملْهم يلبث طويلاً حتى تتدفَّق على ذهنه موارد الأفكار ، فتتوارد على عقله معالم المقال ، فلا تستقرُّ نفسه المثارة ، ولا يهدأ باله المشغول إلا بالتدوين ، فإذا شرع في الكتابة : جاءه من الفهم والنظر والتصوُّر ما لم يخطر له من قبل ببال ، فبقدر ما يعيش الكاتب سطوره ، ويخالط أوراقه ، ويعالج عباراته ، ويقلق لمقاله : تكون درجة الفتح عليه ، فينطلق قلمه بحرَّية ينفِّس ضيق الصدر ، ويخفِّف قلق النفس ، فما زال القلم الحرُّ متنفَّس الشخصيَّة ، ومسكِّن روعها ، ولهذا قد ينطلق القلم في الكتابة بلا خطام يقوده ، ويذهب بعيداً بغير مهذب يسوسه ، فيصدر عنه ما لا يستحسن الحديث عنه بين العامة ، أو ما لا ينبغي تداوله من قضايا الشأن العام ، أو ربما لم يوفَّق الكاتب لحسن التأتي لفكرته المقاليَّة لطارئ ما  ، فتتعثر الكلمات في نفسه ، وتتحجَّر العبارات في ذهنه ، فلا يضيره ذلك ما لم يصادم الشرع .

ولهذا يُتسامح في الكتابة المقاليَّة ما لا يُتسامح في الكتابة الأكاديمية ، ويُتجاوز فيها ما لا يُتجاوز في الكتابة المنهجيَّة ، فلا يُطالب الكاتب في مقالاته بما يُطالب به الدارس في أبحاثه ، فالعفو فيها واسع ، ومع ذلك لا يجوز أن يخلو المقال من درجة ما من النهج العلمي ، في تناول القضية موضوع المقال ، مع المعالجة السليمة لفقراته ، والتسلسل المنطقي لأفكاره ، إضافة إلى اللغة الأدبية السليمة ، التي لا بد منها لحمل الأفكار والمفاهيم ، مما يُعدُّ احتراماً ضروريًّا لعقول القرَّاء ؛ فإن المقال حين يفقد موضوعيَّته ، أو يخرج عن أخلاقيَّته ، أو يعاند شريعته ، فإن القارئ يمجُّه ، فلا يقبله في بناء اتجاهاته الفكرية ، ولا يرضاه لصرف وقته ، ولهذا لا يستنكف الكاتب الحكيم من عرض أوراقه قبل النشر للمراجعة والنقد على منْ فوقه في العلم والرأي ، وعلى من دونه في ذلك ، وعلى قرين يساميه ، فربَّ فكرة فاتته ، أو عبارة خانته ، أو عثْرة أعاقته ، فيجد في جملة آراء هؤلاء ما يسدِّد به مقاله ، ويُنضج به فكرته ؛ فيستدرك فهماً ، أو يصوِّب خطأً ، أو يزيل إشكالاً ، فإذا لم يكن شيء من ذلك لتمام إتقانه ، فلا أقلَّ من أن يكتسب لمقاله تأكيداً ، وينال لفكرته نصيراً ، فيعود ذلك كلُّه لشخصه تأييداً .    

        ومع كلِّ ذلك تبقى قضية الجودة والإتقان في كتابة المقالات درجات متفاوتة ، وقناعات القرَّاء في ذلك أبواب واسعة ، يصعب في ذلك وضع حدٍّ معين لوصف التميُّز ، غير أن الكاتب الذي يحترم نفسه ، ويقدِّر قلمه ، ويتَّقي ربه : لا يدوِّن شيئاً يشينه بين الناس ، ولا يخطُّ بقلمه ما لا ينفعه يوم المعاد ، والموفَّق من وفَّقه الله تعالى ، فألهمه سبيل الإحسان ، وسلك به طريق الإتقان .  

 

 

 

 

]]>
Sun, 10 Jan 2016 18:47:06 +0300
صدمة الإتقان العلمي مقال شهر ربيع الأول 1437هـ

صدمة الإتقان العلمي

          الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، والصلاة والسلام على سيد الشرفاء ، وإمام الأتقياء ، وأنبل النبلاء ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فإن الطبع السوي يميل بالضرورة إلى حبِّ الإتقان في الأداء والمنتجات والأنشطة والأعمال المختلفة ، ونحوها مما يعيشه الناس ويصادفونه في حياتهم ، مما تدخله الجودة والإحكام في الصنعة والأداء .

          وهذه المشاعر السويَّة ليست حكراً على طائفة المتقنين ، بل هي مشاعر عامة شاملة ، تنتظم كلَّ الأسوياء ، ممن يعيشون فطرتهم الطبيعية ، حتى وإن لم يحْظوا في أدائهم الشخصي بدرجة من درجات الإتقان ، لعجز قدراتهم ، وضعف إمكاناتهم ؛ فإن مصادفة العمل المتقن ، أو الأداء المتميِّز ، أو المنتج المتفوِّق ، هو في حدِّ ذاته بهجة للنفس ، وإثارة للعقل ، وأنساً للضمير ، فلا تطيق النفس السويَّة - حين تصادف الإتقان في شأن من شؤون الحياة - إلا وتبادله حبًّا بحب ، وشوقاً بشوق ، منْجذبة إليه بقوَّة نفسيَّة آسرة ، ورغبة عقلية جامحة ، فما تملك إرادتها حتى تخرَّ صريعة لبهجة الإتقان ، مستسلمة لتمام السلامة من العيوب والأوهام .

          وإن من أعظم وأجلِّ مجالات الإتقان المحبوب للنفوس السويَّة : الإتقان العلمي المتفوِّق ، متمثلاً في روعة الإنجازات العلميَّة في مجالات : البحث والتأليف ، أو التعلُّم والتحصيل ، أو الابتكار والتجديد ... فما زال الإنسان في كلِّ حين مبهوراً بمجالات التفوق الفكري ، المتصلة بالنشاط العقلي للمبدعين ، وما يسفر عنها من مواهب علميَّة جديرة بالاحترام والتقدير .

           غير أن لوثة نفسية ممْرِضة ، تكمن في دواخل عدد غير قليل من المنتسبين إلى ميادين العلم والمعرفة ، ممن حصلوا على درجات علمية ، غير أنهم لم ينالوا حظَّهم الكافي من مراتب الإتقان العلمي ؛ فما عركتهم معاناة البحث العلمي ، ولما عافسوا الكتب والأبحاث ، وما خالطوا المبدعين العلماء ، وإنما بقوْا قابعين بشهاداتهم العلمية على أوَّل أعتاب التفوُّق ، يشاهدونه عن بعد من نافذة ضيِّقة حادَّة ، فيبصرون على غبَش أشياء من عالم التفوِّق والإبداع غريبة عليهم ، فهم لم يخبروا بمثلها ، فيدركون أموراً قليلة يستوعبونها ، وتغيب عنهم أمور أخرى كثيرة لا يفهمونها ، فيعيش أحدهم دهره العلمي كلَّه لا يصادف عملاً علميًّا متفوِّقاً متْقناً ، إلا ضمن حدود ما يفهمه - في تصوُّره القاصر - من معايير الإتقان المشوَّهة ، فينطلق يحاكم المبدعين بمعاييره المضطربة ، مما اعتاد عليه في مسيره الأكاديمي الأعرج ، فما وافق عرْجته العلمية قبله ، وما خالفها لفظه واستهجنه ، حتى إن أحدهم يُعرض عليه العمل العلمي المبدع الدَّسم فيعْسِر عليه هضمه ، فلا يجد بدًّا من لفْظه واستنكاره ، في حين يُعرض عليه ما هو دون مستوى ذلك بمراحل فيستحسنه ويستطيبه ، لـمَّا سهل عليه هضمه واسْتساغته ، فأسنانه لا تزال لبنيَّة !!

          إن بعضاً من هؤلاء الخدَّج يقفون في طريق المبدعين أهل الإتقان ، فيقطعون عليهم مسيرهم العلمي ، ويناكفونهم في إنتاجهم المبدع ، فما إن يصادف أحدهم عملاً جادًّا - مما لا يستوعبه ولا يفهمه - حتى تنتابه صدمة الإتقان المزعجة ، التي تصعقه بشموخ بنائها ، وتهزُّه ببهاء كمالها ، فما يتمالك المسكين نفسه أمام فجْأتها ، حتى يذهب بالعمل بعيداً عن معايير الجودة ، فينحطُّ به أسفل سافلين ، وينطلق ليحاكمه إلى ضعفه وعوزه ، فبقدر حجم قصوره العلمي ، وقبح داخلته النفسية ، ودرجة صعْقته العقلية ، واحْتجاب شخصه خلف أستار السريَّة العلمية : تكون حدَّة ردَّة فعله ، وقسوة درجة حكمه ، وهم في هذا الشأن على ضروب وأشكال ومراتب :

          فمنهم الوقح العنيف ، الذي يأبى المنتَج العلمي المتفوِّق ، فلا يتقبَّله مطلقاً ، باعتباره إخفاقاً لا يستحق النجاح بأية درجة من درجات القبول !! فهو محارب للإتقان عنيد ، وعدوٌّ للمبدعين لدود ، فلا يمضي العمل المتقن من بين براثنه إلا لاعتبارات أخرى غير علمية .

          ومنهم الرعْديد الضعيف ، فهذا على عكس الأول ، غير أنه إذا دُعيَ لتقويم عمل علمي متقن اعتذر بشدَّة ، وهرب بعيداً عنه حتى لا يراه ولا يسمع به ؛ لأن الإتقان العلمي يشكِّل له إزعاجاً عقليًّا مقْلقاً ، وإرهاقاً نفسيًّا شاقًّا ، لا يتحمَّله بناؤه الشخصي الضعيف ، لهذا يُؤْثر السلامة على تعْريض نفسه للتعب والإرهاق .

          ومنهم الظلوم الغشوم ، الذي يعرف مراتب الإتقان العلميَّة ويفهمها ، ويميِّز بين الحسن والقبيح ، ويفرِّق بين الجيد والرديء ، إلا أن نفسه لا تطيق الكمال ، حتى يذهب ينبش عن شيء في المنتج العلمي يتعلَّق به ؛ ليريح نفسه ، ويسكِّن روْعه ، ويخفِّف قلقه ، فلا تسكن نفسه إلا بالطعن ، ولا يرتاح ضميره إلا بالنقد ، فما يراه العقلاء مجرَّد رأي لا يقدِّم ولا يؤخِّر : يراه الظلوم أساساً علميًّا مهمًّا ، وضرورة بحثيَّة لا بدَّ منها ، حتى إنه ليختصر الجهد العلمي كلَّه في رأيه هذا .

         ومنهم الغافل الجهول ، الذي يتحاشى الفحص والفهم ، ويتجنَّب التأمُّل والنظر ، فلا يكلِّف نفسه جهداً علميَّا ، ومع ذلك يتصدَّى للتقويم والتحْكيم ، فكلُّ عمل يُعرض عليه مقبول ؛ الصالح منه والطالح ، والمتقن منه والمختل ، كلُّ الأعمال عنده مشكورة مستحسنة ، وجلُّها طيِّبة متْقنة ، ففي الوقت الذي يمتطي ظهره المفرِّطون ، ييأس من إنصافه المتْقِنون .

           إن هؤلاء وأضرابهم تقلقهم كثرة الصواب في الأداء العلمي ، فلا يطيق أحدهم مجاراة ذلك واستمراره ؛ لأن كثرة الصواب تشعره بضعفه وقصور ذاته ، فلا تسمح له في أن يجد نفسه المتعطِّشة للخطأ ؛ لكونها ترتوي من أخطاء الباحثين ، وتقتات على سقطات المجتهدين ، فتسعد نفوسهم لوجودها ، وتبتئس لفقْدها ؛ ولهذا يستحسن الطلبة المخْفقون التعامل مع هذه الأصناف من المقوِّمين ، فيجدون عندهم العطف والرحمة ، والتيسر والتسهيل ؛ لكون إخفاقاتهم العلمية ، وقصور أدائهم البحثي ، يمثل غذاء هؤلاء وقوتهم ؛ لكونه يشعرهم بالقوة الذاتية والمكانة العلمية ، فما يزال أحدهم رحيماً بالمفرِّطين ، عطوفاً على المقصِّرين ، يشبع نفسه الخربة بالوقوف على أخطائهم ، والاستمتاع بسقطاتهم ، فتنعم بذلك وتسكن ، فلا يبخل عليهم حينئذٍ بالعطاء السخي مقابل متعة نفسه الضعيفة ، وسلامة ذاته الصغيرة .

          ومن المعلوم أن الباحث المتقن يرهق المحكِّم ويتعبه ، فلا يتركه يلتقط أنفاسه ، أو يجمِّع أفكاره ، حتى يلاحقه بالأفكار الجديدة ، ويثيره بالمفاهيم العميقة ، ويفاجئه بالاستنباطات الفريدة ، فما يزال مشدود الأعصاب والقوى ، متيقِّظ الذهن والحواس ، محاصراً بين أمرين : إما الاستسلام للمنتج العلمي بلا اعتراض ولا نقد ، وإما البحث وراءه بالفحص والتنقيب ، وكلاهما صعب على النفس عسير .

          إن أناساً من هؤلاء المصْعوقين قد ملأهم الكبْر ، فهم يعرفون الإتقان وشروطه ، ويفهمون معاييره وأصوله ، وربما نالهم حظٌّ منه ، ومع ذلك يمنعهم حظُّ النفس من الاعتراف للمتْقن بالتفوُّق ، فإذا عُرض على أحدهم عمل مبدع مُحْكم ، أو وقع في يده منتج علمي مُتْقن ؛ فإنه يهوي في أغوار نفسه العميقة ، فيغوص في دركات سحيقة ، فلا يبلغ قاعاً لها صدىً ينتهي إليها ، فرغم شدَّة إعجابه : لا يعود على المبدع ببنت شفة ، إنما هو الصمت العجيب بلا تعبير ولا تفسير !

          والمثير في نهج هؤلاء المذعورين إجماعهم العام على رفض الاعتراف بالإتقان ؛ بحجَّة أن الجهد البشري - مهما بلغ - يستحيل عليه الكمال المطلق ، باعتبار أن الكمال المطلق – في فهمهم - مرادف للإتقان الواجب ، فيضمُّون المتقِن إلى غيره ؛ ليبقى ضمن مجموع القطيع العام ، فلا يتميَّز عنهم بشيء ، فهم بذلك يستبعدون على الجميع الكمال الممكن ، الذي تتطلَّبه معايير البحث العلمي ، وتشترطه المراكز العلمية ، مما هو ممكن ومتاح ، فهم بنهجهم هذا ينزلون المتفوِّقين إلى مرتبة منْ دونهم ، ويرفعون الضعفاء إلى مرتبة منْ فوقهم ، فيتجانس الجميع ويتشابهون ، وهذا ما يُلاحظ بوضوح في بعض الجهات العلمية من تشابه نسب الدرجات وتطابقها .

         وهذا لا شك نهج رديء باطل ، وإجماع مجْحف فاسد ، من شأنه تثبيط المبدعين وتأخيرهم ، وتجريء المفرِّطين وتقديمهم ؛ فإن صفة الكمال الممكن هي عين الإتقان الواجب ، فليست مستحيلة ولا بعيدة ، ما دام أن الباحث يعطي المسألة حقَّها من المعالجة العلمية المعتبرة ، وفق معايير البحث الصحيحة ، بحيث لا يُبقي للمصوِّب إلا رأيه الشخصي ، الذي يتعدد بتعدد المصوِّبين .

         ولا يعزب عن البال أن صدمة الإتقان تجربة نفسيَّة لا بد منها للمبدعين عند محاكمتهم أعمال الآخرين العلمية المتقنة ، فهي دهشة لا بد منها في الوسط العلمي الرديء ، الذي يقلُّ فيه الإتقان وينْدر ، ويعمُّ فيه الخلل ويكثر ، غير أن السويَّ منهم لا يلبث طويلاً حتى يتعافى من أثر الصدمة ويتوازن ، ويذهب عنه اضطرابه ، فينسجم مع العمل المتقن ويرْتضيه ، وأما المغلوب منهم على خلقه ، الأسير لأهوائه وشهواته ، فقد يطول به أثر الصدمة أمداً من الزمان حتى يرجع إلى الحق ، وقد ينهزم فتغلبه نفسه القبيحة فلا يعود أبداً .

          إن واقع الأمة الإسلامية المعاصر ، وما لحق بها من أزمات التخلُّف الحضاري ، وما ترتب عليه من تأخُّر دورها الريادي في القيام على الناس ، وما تبع ذلك من تفريطها بواجب الشهادة عليهم ، ضمن ما كلَّفها الله تعالى وألزمها ، باعتبارها أمة خاتم النبيين – عليه الصلاة والسلام – فهذا الواقع المؤلم : لا يتحمَّل مزيداً من المراهقات العلميَّة ، ولا يطيق الاستمرار في المناكفات الشخصيَّة ، لا سيما حين تصدر عن النخبة المجتمعيَّة المثقَّفة ، التي عقدت عليها الأمة المسلمة آمالها ، وأسلمت إليها مقاليدها ، ورضيت منها اختياراتها ، فأية جريمة ترتكبها هذه النخبة حين تخون الأمانة ، وتخْفِر الأمة في عهدها ؟  

                                                                                 

 

]]>
Sat, 12 Dec 2015 11:58:38 +0300
التاريخ التربوي مقال شهر صفر 1437هـ

التاريخ التربوي

        الحمد لله والصلاة والسلام على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فقد يتعجَّب بعض المثقَّفين من وضع عنوان كهذا ، باعتبار أن المضمون التاريخي مسائل علميَّة وفكرية وسياسيَّة ، غارقة في سرد الأخبار والوقائع والأحداث ، ومكثرة من ذكر أحوال الناس والجماعات والشخصيَّات ، فلا علاقة لها بالشأن التربوي ، وهذا قد يبدو صحيحاً للوهلة الأولى ، غير أن تأمُّلاً يسيراً في المصحف الشريف ، يسوق إلى أن المسألة التاريخيَّة في غاية الحضور والشهود ، باعتبارها أداة تربوية من الدرجة الأولى ؛ فقد تناول القرآن الكريم تاريخ الإنسان من بدايات إرادة تكوينه ، وما رافق ذلك من أحداث النشأة الأولى : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً...) (2/30) ، ثم سار به راصداً أحواله في دروب الحياة وأزمانها المتعاقبة ، يتناوله جيلاً بعد جيل ، وقرناً بعد قرن ، يذكر الإنسان في إقباله وإدباره ، في علوِّه وهبوطه ، في رقيِّه وانحطاطه ؛ فيذكر الرسول وقومه ، والطاغية وملأه ، والسلطان وجنده ، ولا يفوت القرآن خبر الوليِّ الصالح ، ولا الشقي الهالك ، حتى المرأة والطفل والحيوان ، يتناول كلَّ ذلك بنهج تاريخي تربويٍّ فائق .

         وأعجب من هذا أن يتناول القرآن تاريخ الجماد ، فيقود بالذاكرة التاريخية إلى أصل المادة التي خُلق منها الكون وتطوَّر ، فيذهب بالإنسان في غياهب الوجود الموغلة في القدم ، مما لا يطَّلع عليه إلا الله جلَّ جلاله ، فيقود مخيِّلة الإنسان في ملكوت السماوات وعوالمها ، مما لا يحيط بعلمه إلا هو سبحانه وتعالى : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا...) (21/30) .

        وأغرب من هذا أن يتناول القرآن الكريم المستقبل تناولاً تاريخيًّا ، فيصوِّر الأحداث القادمة تصويراً حاضراً وماضياً ، يقود الإنسان ليعيش في باطن الحدث المستقبلي ، بكلِّ تفصيلاته وأحواله : السعيدة والمؤلمة ، اللطيفة والعنيفة ، ثم ينتهي به إلى خاتمة المطاف التاريخي ، لـيُسْلمه إلى مستقرِّه الأخير في الجنَّة أو النار ، ضمن مشهد روحيٍّ فريد ، يختصر للإنسان الزمان بكلِّ أبعاده : الماضية والحاضرة والمستقبلة ، فيعرضه عليه حيًّا كما لو أنه يعيشه بذاته وشخصه ؛ فيعاينه بحواسِّه ومشاعره ، فيتوهَّم النعيم ويتذوَّقه ، ويتوهَّم الجحيم ويتألَّمه : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ ، وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ، قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ، وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ، وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (39/68- 75)

        وما أدلَّ على الحضور التربوي للمسألة التاريخية من هذا الحشد الهائل للقصص القرآني ، الذي حفل به الوحي المبارك ، فرغم الإجمال والاختصار والتعميم الذي اتصفت به غالب الأحكام الشرعية القرآنية ، بما فيها أركان الإسلام الأربعة : الصلاة ، والصيام ، والزكاة ، والحج ؛ فقد توسَّع القرآن الكريم في شأن القصَّة التاريخية كأوسع ما يكون ، حتى إن بعضها عُرض مفصَّلاً ومجملاً أكثر من مرَّة ، يتناول الحدث التاريخي تناولاً تربويًّا ، بهدف الاعتبار والادِّكار والاتعاظ ، الذي يحرِّك النفس من داخلها ، ويحثها نحو التغيير والتجديد ، ويدفعها نحو اتخاذ القرارات المصيريَّة الصائبة : (...فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (7/176) .

         إن حجماً كبيراً من القيم الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية : جاءت متضمَّنة في سياق قصصي تاريخي ، يبث القيمة ضمن تفصيلات الحدث التاريخي ووقائعه ، بحيث تُحمل القيم الصالحة للإنسان ضمن تفاعلات الحدث التاريخي ، وعبر ملابسات وقائعه المختلفة .

        والمتأمِّل في سورة يوسف عليه السلام ، التي وردت في القرآن الكريم وحدة واحدة ، فتناولت عرض أحداثها التاريخية الشيِّقة متسلسلة عبر عقود من الزمان ؛ فربطت سنوات طفولة النبيِّ بالشباب والكهولة ، وعرضت هزائم الإنسان أمام دوافع الحسد والحقد والشهوة ، في مقابل انتصاراته أمام الفتنة والإغراء والانتقام ، متخلِّلة وقائعها بطائفة من القيم الإيمانيَّة والأخلاقية الرائعة ، التي تصوِّر الحالة الإنسانية في ارتفاعها وعلوِّها ، وفي انخفاضها وهبوطها ، كلُّ ذلك يأتي في سياق تاريخي تربوي ، يهدف إلى إحياء القدوة السلوكية الصالحة ، ويحذر من الأخرى الساقطة : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى...) (12/111) .

         وهكذا المسألة التاريخية في القصَّة القرآنية تأتي دائماً محمَّلة بالقيم الفاضلة ، وفي الوقت نفسه محذرة من ضدِّها ، فلا تقابل الإنسان – دائماً - بالتوجيه المباشر ، وإنما تلفت نظره – في كثير من الأحيان - للتأمل في العاقبة التي صار إليها الماضون ، سواء من الفائزين أو الخاسرين ، فقد ورد ذكر ( العاقبة ) في القرآن الكريم قريباً من ثلاثين مرة ، باعتبارها نتيجة حتميَّة لاختيارات المكلَّفين ؛ الراشدة منها أو الضالة ، كما قال الله تعالى : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون ) (30/9) ؛ فالنص يستثير عقل الإنسان ، ويلفت نظره إلى أهم وأجلِّ أغراضه التي وُجد من أجلها وهي التفكُّر والتأمل ، المفضي بالضرورة إلى الاعتبار والاتعاظ ، المؤدِّي في النهاية إلى اختيار القرارات الراشدة الموفقة .  

         لقد ارتبط النص القرآني في كثير من الأحكام الشرعية بالوقائع التاريخية ، التي عبَّر عنها المفسِّرون بأسباب النزول ، باعتبار أن القرآن نزل منجَّماً حسب الأحداث والوقائع والحاجات ، يرافق نشأة الجماعة المسلمة الأولى ، ويكلؤها بالرعاية والعناية الربانية ، في كنف المربي الأول محمد صلى الله عليه وسلم : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) (25/32) ، فكيف يمكن أن تغيب أحكام القذف وحدُّه الشرعي عن حادثة الإفك التاريخية ، التي خلَّدت اسم السيدة عائشة – رضي الله عنها – بالعفاف والطهر والسلامة ؟ وكيف يمكن أن ينفصل حكم الشرع في شأن الظهار عن المجادِلة خولة بنت ثعلبة – رضي الله عنها – في مراجعتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، في شأن زوجها حين ظاهر منها ؟ وكيف يعزب عن الذهن الارتباط التاريخي الوثيق بين آيات مطلع سورة الأنفال وأحداث غزوة بدر الكبرى ؟ بل كيف يفوت الربط التاريخي التربوي الجليل ، بين خبر غار ثور في حادثة الهجرة النبوية الشريفة ، باعتباره حدثاً تاريخيًّا ، وبين سبب نزول آية سورة التوبة : ( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (9/40) .

         ومن هنا فإن التاريخ التربوي حاضر بقوَّة في كلِّ هذه الأحداث ، يتناول الحدث التاريخي محمَّلاً بالقيم الإيمانية والروحية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية ، ليبثها في روع الإنسان - عبر الحدث ووقائعه وتفاعلاته - منْسابة في سلاسة ويسر ، فتجد القيم الطيبة طريقها إلى سويداء القلوب ، حيث تستقر وترسخ .        

 

]]>
Fri, 13 Nov 2015 18:18:39 +0300
ابنى لا يريد أن يذاكر Sat, 07 Nov 2015 01:53:29 +0300 الجنة العظيمة مقال شهر محرم 1437هـ

الجنة العظيمة

          الحمد لله الكريم المنَّان ، والصلاة والسلام على السيِّد عظيم المقام ، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فقد اتفق المنتسبون إلى الأديان السماويَّة على أن أجلَّ دار في الوجود ، وأهنأ مكان في الكون ، وأكرم موضع خلقه الله تعالى هو الجنة ، فرغم ما طرأ على هذه الأديان من التحريف والتشويش – حاشا الإسلام – فقد اتفقت كلمة المنتسبين إليها أن الجنة دار جلال وهناء وسعادة ، ولئن كانوا يختلفون في تفصيلات طبيعة النعيم فيها ، فقد اتفقوا على أنه الأعلى والأكمل والأجلُّ .

          ثم ينطلق هؤلاء في أمانيِّهم ، كلٌّ يحتكر الجنة لطائفته خاصَّة ، ويدَّعي الحظْوة والمكانة عند الربِّ سبحانه ، فلا مكان لغيرهم فيها : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ...) (5/18) ، في حين يتأدَّب المسلمون مع ربِّ العالمين ، فلا يجزمون بالجنة لأحد غير الأنبياء إلا بدليل ، فالجنَّة – في اعتقادهم - لكلِّ أهل التوحيد الخالص ، من أتباع النبيين من كلِّ طائفة ، فلا مكان في الجنَّة لمشرك من أية طائفة كان ، مع الاعتقاد أن أحظى المؤمنين برحمة ربِّ العالمين هم المسلمون الموحِّدون ، أتباع خير الخلق ، وسيِّد الناس ، محمد صلى الله عليه وسلم ، فهم - بفضل الله تعالى - أكثر أهل الجنَّة ، كما صحَّت بذلك الأخبار ، فقد جمع الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من الرحمات والفضائل والكرامات ما تفرَّق في الأمم السابقة .

        إذا تقرَّر هذا فإن أولى خطوات سعادة المؤمنين يوم القيامة النجاة من النار : (...فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ...) (3/185) ، فهذه سعادة غامرة لا ينساها الناجون ، حين اجتازوا الصراط بسلام ، بل تبقى في ذاكرتهم باعتبارها آخر الآلام والأحزان ، فيحمدون الله تعالى عليها من حين لآخر .

        حتى إذا اجتمع الناجون من النار حُبسوا في قنطرة التطهير ؛ ليُخلَّصوا مما علق في صدورهم فيما بينهم في الدنيا من الغلِّ والحسد والشحناء ، حتى يتطهَّروا من عيوب النفس ، ويتخلَّصوا من قبيح السلوك ، فتصفوا النفوس ، وتطمئن الصدور ، فيتأهَّلون بذلك ويرتقون إلى دار السلام بجوار ربِّ الأنام .

         حتى إذا تقدَّمت طلائع ركب السعداء نحو الجنة ، وفُتحت لهم أبوابها الثمانية ، ووصلهم شيء من ريحها الطيب : نودي عليهم أن هلمُّوا ، فلا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم ، وخزنة الجنة على أبوابها ينادون الأخيار ، بما سبق لهم في الدنيا من عظيم الحسنات ، حتى إن بعضهم يُنادى عليه من أبواب الجنة الثمانية ، يدخل من أيها شاء ، فإذا دخلوها كان أول ضيافتهم زيادة كبد الحوت ، ثم هم بعد ذلك أهدى إلى دورهم في الجنة من تلك التي كانوا قد خبروها في الدنيا .

         إن وصف فرحة دخول الجنة لا يمكن للبشر التعبير عنها ، ولو لا أن الله برحمته كتب عليهم ألا يموتوا لماتوا من شدَّة الفرح ؛ فبهجة دخولها لا تطيقه طبيعة البشر ، غير أن الله تعالى أنشأهم نشأة أخرى ، لا تقبل الهلاك ، ولا يلحقها الفناء ، ولا حتى الغفلة التي تعتري أهل الدنيا ؛ فهم يدخلون دار النعيم المقيم ، يدخلون داراً حشاها الله تعالى برحمته وفضله ، وصرف عنها بكرمه وجوده كلَّ كدر ونصَب وهمٍّ وحزن ، فلا بأس فيها ولا عنت ، ولا كرب فيها ولا سقم ، إنما هو توارد النعيم وتجدُّده ، ودوام البقاء واستمراره : (...وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (43/71) ، فماذا ترى الإنسان يطلب فوق تحقيق كلِّ أمانيه ومشْتهياته ، مع بقاء ذلك له في خلد دائم ، لا يزول ولا يتحوَّل ولا ينقطع ؟ (...عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (11/108) .

         إن ما وصف من صنوف نعيم الجنة ، وما ادَّخر الله تعالى لعباده الصالحين فيها من قرَّة الأعين : يتضاءل أمام نعمة النظر إلى وجه الله تعالى ، فهذا مقام نعيم ولذة ، لا يضاهيه مقام من مقامات الجنة ، ولا تساويه لذة من لذاتها ، فهي تجربة لم يخبرها أحد من أهل الدنيا قطُّ ؛ لأن الأولياء في الدنيا لم يُهيئوا لمثلها : (...فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا...) (7/143) ، أما في الجنة ، وقد أنشأهم الله تعالى نشأة أخرى تطيق التجلِّي الإلهي الأعظم ، فإنهم حينئذٍ يرتقون بها إلى مقام الرؤية الحقَّة ، فلا يضارُّون في رؤيته سبحانه ، فيشاهدون بأعينهم الربَّ الجليل العظيم ، فتزول عنهم كلُّ أوهام العقل ، وهواجس النفس ، عن حقيقة وجلال الذات الإلهية وعظمتها ، فهو أرفع مقام يبلغه أولياء الله تعالى في جنات النعيم ، وأجلُّ تجربة يعيشونها ، حتى إن أحدهم ليختلي بربه يناجيه ، ضمن محادثة عظيمة ، ومحاضرة لطيفة ، لم يعرفها الصالحون قبل هذا المقام ، فسبحان من لا يشغله أمر عن أمر .

           ولهذا تسبغ هذه الرؤية الفريدة على الناظرين من الرجال والنساء أنوار بهجة جديدة ، وتلقي عليهم فيضاً ربانيَّا كريماً ، يشعرون به حقيقة ماثلة في نفوسهم وعلى صورهم ، فيزدادون نعيماً إلى نعيمهم ، وجمالاً إلى جمالهم ، وأنساً إلى أنسهم ، فتعاودهم هذه الرؤية الجليلة في كلِّ جمعة ، ومن هم من تعاوده في أقلَّ من ذلك ، فيهنؤون بلقاء ربهم حين يتجلَّى يسلِّم عليهم ، مشعراً لهم - سبحانه وتعالى – برضوانه عليهم ، ورضاه عنهم ، حين يناديهم : ( السلام عليكم يا أهل الجنة ) (مشكاة المصابيح) ، فلأهل الجنة حينها أسعد الناس بربِّهم ، حين تقرع هذه العبارة العظيمة مسامعهم ، فبأي أذن تراهم يتلقَّون سمْعها ؟ وبأي نفس تراهم يطيقون وقْعها ؟ إنها أزمان فريدة من نعم الله تعالى ، لا خُبْر للأولياء بها ، ولا تجربة سابقة لهم بمثلها ، فلو ذاقوا بهجة هذه الرؤية العظيمة ، وتنعَّموا بلذتها الفريدة ، وعاشوا مقامها الكريم ثم منعوا منها بعد : لشعروا أنهم أتعس الناس على الإطلاق ؛ فمن تراه يطيق الصبر عن رؤية الربِّ الجليل وقد رآه مرَّة ، إنه صبر لا طاقة للأولياء به ، ولا قدرة لهم عليه ، فمثل هذا الحرمان لا يكون أبداً لأحد من أهل الجنة : (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (4/124) .

         ثم هم بعد لقاء ربِّهم يسعدون في سوق الجنة بلقيا الأحبة في يوم المزيد ، فما أسعد المسلمين بلقْيا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخوانه من الأنبياء ، فقد آمنوا بهم جميعاً في الدنيا ولم يروهم ، وها هم اليوم يلقونهم في أصحابهم وحوارييهم ، في غير ضراء ولا أذى .

          ولو تُرك العنان للعقل أن ينطلق في التصوِّر ، وللفكر أن يسبح في الخيال : لعجزت كلُّ مساعي الإنسان عن التكهُّن بما أخفاه الله تعالى لعباده المؤمنين من النعيم ، ولَوقف فهمه عند حدِّ مشاهداته الحسيَّة المحدودة ، التي خبرها في الحياة الدنيا ، فلا يتجاوزها لما لم يسبق له أن رأى ، فضلاً عن أن يتكهَّن بما لم يخطر له ببال قطُّ .

         وللمؤمن أن يتأمَّل نعيم أدنى أهل الجنة منزلة ، ممن يكون له من الخيرات قدر عشر أمثال الدنيا وما فيها ، فيرى نفسه أنعم أهل الجنة على الإطلاق ، فأنى لعقول البشر أن تدرك أو تستوعب نعيم من غرس الله كرامتهم بيده في الفردوس الأعلى ؟! أو أن تتخيَّل مقام الوسيلة وموضعها ؟ وهي أرفع مقامات الجنة وأعلاها ، التي لا تنبغي إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم .

         لقد أكرم الله تعالى نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم بمشاهدات عظيمة حين عرج به إلى السماء ، فرأى من آيات ربه الكبرى ، ومع ذلك لم يصف لنا إلا الشيء اليسير عن مشاهداته في الجنة ؛ لأن اللغة الإنسانية المتاحة لا تستوعب بالوصف ما غاب عنها من عجائب المخلوقات ، حتى إنه – عليه الصلاة والسلام – حين رُفعت له سدرة المنتهى : وصف شيئاً من الأحجام التي رآها ، غير أنه قال عن ألوانها : ( ...فغشيها ألوان لا أدري ما هي ) (البخاري) ، وفي رواية : (...فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينْعتها من حسنها ) (مسلم) ، فما ترى يستطيع الغائب عن هذا المقام الجليل أن يصف من خياله ما لم يستطع صاحب الرؤية – عليه الصلاة والسلام – أن يصفه ، وقد أوتي جوامع الكلِم ؟!

        إن الجنة مقام كرامة جليل وعظيم ؛ فهي خالص رحمة الله تعالى ، ومنتهى فضله وإحسانه ، وغاية إكرامه وإنعامه ، من دخلها لا يبأس ولا يحزن ، ولا يتعب ولا ينصب ، ولا يموت ولا يفنى ، فهي دار سعادة وحبور لا ينقطع ، وبهجة وسرور لا ينتهي .  

        وإن من ألطف ما يثير الأولياء إلى الجنة ، ويرغِّب فيها : انتهاء مرحلة اللغو والكذب والإثم ، فلا يتعرَّض الوليُّ في الجنة لما يزعج نفسه ، أو يقلق ضميره ، أو يسوء أذنه : (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا ، إِلاَّ قِيلاً سَلامًا سَلامًا) (56/25-26) ، فلا يرِد على مسامع النزلاء الكرام لفظة نابية ، ولا عبارة قاسية ، ولا كلمة لاغية ، فالعبارات موزونة ، والكلمات مضبوطة ، والجمل مسبوكة ، قد مُزج كلُّ ذلك وعُجن بالسلامة من العيوب ، وحُفظ من السقطات والخدوش ، فيصدر ذلك عنهم بلا تكلُّف ولا عناء ، كلُّهم على خُلق رجل واحد ،  يُلهمون الحق والصواب ، كما يُلهمون التسبيح والتهليل .

         حتى الخمر ، التي من شأنها في الدنيا غياب العقل ، وخلل الذهن ، واضطراب السلوك ، وبعث العداوة : هي في الجنة متْعة الشاربين ، وبهجة النادمين ؛ فلا تغيب بها العقول ، ولا يضطرب بها السلوك ، ولا تزِلُّ بها الألسنة ، وإنما حالهم كما وصف الله تعالى : (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ) (52/23) ، فمبادلة الكؤوس ، وتجاذب القداح ، ودوام التعاطي ، وطول المكوث ، كلُّ ذلك لا يفقد الوليَّ صوابه ، ولا يخرجه عن سمْته وأدبه ، فلا يزدادون بذلك إلا بهجة وأنساً .

          إن أهل الصدق في الدنيا ، ممن تكدَّرت نفوسهم بحجم اللغو والكذب والغش والخداع ، الذي عمَّ الحياة الدنيا بظلاله القاتمة : يتطلَّعون إلى هذه النعمة الربانية بإجلال وإكبار ، حالمين بحجم الأنس الروحي ، والراحة النفسيَّة ، والصفاء الذهني ، حين يخلو الزمان من الأكدار الموحشة ، والأقوال الباطلة ، والأنغام الآثمة ، ليحول كلُّ ذلك سلامة بدار النعيم ، فما كان في دار التكليف مقْلقاً للصالحين هو اليوم في الجنة أنساً ومتعة للمفلحين ، فلا يمتنعون عن شهوة ، ولا يكفُّون عن لذة ، ولا يخجلون من رغبة ، فكلُّ شيء هنا مباح وممتع ودائم ، وسهل وميسَّر وقريب ، حتى الأنغام المطربة ، والأصوات الفاتنة ، والكلمات المغْرية ، التي كانت زمن التكليف محكومة بحلال وحرام ، هي في الجنة أنيس المؤمنين ، ينْفعلون بها ومعها في كلِّ حين يشتهون ، فتصدر لهم من الحناجر الناعمة ، والأشجار الدانية ، والرياح اللطيفة ، فيسمعون من أعذب الأنغام ، وأجمل الأصوات ، وأحلى العبارات ، ما لم يخطر لهم قطُّ ببال ، ولا مرَّ لهم من قبل بخيال ، من عجائب مُتع السماع ، جزاءً وفاقاً لحسن أعمالهم ، وطيب صنيعهم : (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (55/60) .

         وإن من أعجب نعم الجنة : جمال أهلها ، ضمن صور ناضرة فائقة الحسن والبهاء ، في : تقاسيم سماتها ، وشكل هيئاتها ، وألوان أبشارها ، فقد أنشأهم الله تعالى نشأة جديدة شاملة ، بلا عيوب ولا نواقص ، ثم هم بعد ذلك في صور وهيئات جماليَّة متجدِّدة ، ينتقلون من نضرة إلى أخرى ، ويرتقون من طلْعة إلى ثانية ، يستمدُّونها من خزائن الله الملأى ، التي لا تنضب ولا تغيض .

         ثم هم بعد ذلك يرفلون في أثواب ناعمة زاهية ، وحليٍّ كريمة غالية ، وعطور طيبة زاكية ، على سرر مرفوعة عالية ، داخل قصور شامخة ، وظلال وارفة ، وثمار يانعة ، وأطعمة ناضجة ، وأنهار جارية ، وأنوار دائمة ، في يقظة كاملة ، وصحَّة شاملة ، لا يبصقون ولا يبولون ولا يتغوَّطون ، وإنما ترشح أجسادُهم أطيبَ الطيب ، قد خلصت أبدانهم من مراذلها المستقبحة ، وارتقت في كمالاتها المستحسنة ، ضمن نشأة ربانية كاملة ، حتى العجوز المؤمنة من نساء الدنيا تعود في دار الجزاء شابة حسناء ، لم يبق لها من سابق حالها إلا الذكريات ، فما أسعد المؤمنين والمؤمنات بنضارة الشباب ، وطول البقاء ، ودوام العطاء ، ورضى الكريم الوهَّاب : (خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً) (18/108) .  

          ونهاية مطاف الشهوات : الإفضاء إلى العذارى الحسناوات ، من يواقيت الحور المكنونات ،  في همَّة عالية ، وقوَّة ماضية ، وشهوة متوقِّدة ، بلا عجز ولا خور ، فلا يكاد الوليُّ يأنس بواحدة ، حتى تمضي به أخرى إلى خدرها ، بلا كلل ولا ملل ، قد هيَّأهن الله تعالى تُحَفاً لذيذة لأوليائه المؤمنين ، في صور من الجمال النسائي لم يُعرف لها شبيه في معارف أهل الدنيا ، للواحدة أنوار في خلقتها ، وطيب في بشرتها ، ورشاقة في هيئتها ، لو برزت للدنيا لأضاءتها ، ولملأتها طيباً وعطراً ، فكيف بحال المؤمنات من نساء الدنيا ، اللاتي يدخلن الجنة جزاءً لسابق إيمان وعمل ، فهؤلاء لهن مع النعيم شأن آخر ؛ فما وُصف من جمال الحور العين ، وعجائب مفاتنهن ، وكمال حسنهن ، لا يتجاوز الواحدة من مؤمنات الدنيا ، فهن في غاية ما يمكن أن يكون من الجمال النسائي ، وفي منتهى ما يمكن أن تبلغه المرأة في دار النعيم ، مع ما يرافق ذلك من الملك الواسع ، والعز الدائم ، والنعيم المقيم ، ضمن منازل لا تقلُّ عن الرجال في شيء ، بل قد تفوق درجة المؤمنة في الجنة أضرابها من الأولياء ، فما تزال إحداهن سعيدة بعظيم ملْكها ، مبتهجة بسعة سلطانها ، مُكْرمة في دورها ، مخدومة في قصورها ، مشغولة بزينتها ، منهمكة في لهوها ، ترْفل في متع حسيَّة ونفسيَّة وروحيَّة ، لا منتهى لها .

          ثم هي بعد ذلك لآخر زوج من أولياء الله تعالى كان لها في الدنيا ، تُسعد به ويُسعد بها ، لا غيْرة ولا حسد ، وإنما غبطة وسَعَد ، فالفطرة الأنثوية بوحدة الزوج تلازم المرأة المؤمنة في الدارين ، فلا تبغي عن زوجها بديلاً ، كما أن الفطرة الذكوريَّة - هي الأخرى – تلازم الرجال ، فينعَّمون في الجنة بتعدُّد الأزواج ، فما أسعد المؤمنين والمؤمنات بفطرة الله تعالى ، التي فطر الناس عليها .  

         أما بناء الجنة ، فكما وُصف لنا : لبنة من ذهب وأخرى من فضَّة ، ارتفعت بهما قصور الجنة ، واتسعت بهما دورها وغرفها ، فما من حجر كريم ، أو معدن نادر ، أو حلية غالية : إلا هي أوفر ما تكون في عمارة الجنة ، وفي أفنيتها وحصبائها وتربتها ، فقد أرخص الله لأوليائه في الجنة كلَّ غال ونفيس ، حتى عاد لهم كلُّ شيء متاحاً بلا ثمن ، فلو أذن لأهل الجنة أن يسجدوا شكراً لله تعالى على نعمه ، وعلى كريم عطاياه ومننه : ما رفع أحدهم رأسه من موضع سجوده طول مقامه في الجنة ، ولكن الله تعالى غنيٌّ عن مثل هذا لو قُدِّر أن يصدر عنهم ، وحقَّه على عباده لا يستوفيه أحد من الخلق مهما تفانى في ذلك ، ومهما طال به الزمان ، وإنما رضي لهم في الجنة : الحمد والتسبيح والتكبير والتهليل في غير تكليف ، فهم يُلهمون ذلك كما يُلهمون النفس ، يبدؤون بالتسبيح ويختمون بالحمد : (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (10/10) ، فما يزالون كذلك في حياة أبديَّة كاملة ، يستمدونها من الحيِّ سبحانه وتعالى ، وفي بقاء دائم لا ينتهي ولا يزول ولا يحول ، يستمدُّونه من الباقي جلَّ جلاله ، وفي نعيم مقيم متجدِّد ، يستمدُّونه من المنعم جلَّ شأنه : (...خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (5/119) .

]]>
Fri, 16 Oct 2015 19:08:19 +0300
تربيه الأطفال على نهج الإسلام Sat, 03 Oct 2015 21:56:38 +0300 النَّار العظيمة مقال شهر ذي الحجة 1436هـ

النَّار العظيمة

         الحمد لله اللطيف الرحيم ، ذي القوَّة المتين ، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة ، نبيِّنا وشفيعنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فإن حديث الناس عن الشر وأشرِّ الشر ، وعن السوء وأسوأ السوء ، وعن الألم وأشدِّ الألم ، وعن القبح وأقبح القبح ، وتعبيراتهم المتنوِّعة عن هذه المكروهات والمبغوضات : كلُّ ذلك يتضاءل ويتصاغر ، بل ربما يضمحلُّ ويتلاشى أمام ذكر النار وآلامها وفتكها وتنكيلها ، وما تخلِّفه على المبتلى بها من ألم الاحتراق ، وما تلحقه به من تشوُّه الخِلْقة والهيئة .

         ولقد اعتاد الناس المفاضلة بين الأشياء ، على قدر ما فيها من الخير والشر فيتنازعون في ذلك ، أما حين يتحدَّثون عن النار فلا نزاع حينئذٍ ، إذ النار في حسِّهم جميعاً هي الشر والشر كلُّه ، فلو قدِّر لشخص مضطَّر أن يختار نوع عذابه ، لاختار أيَّ نوع من العذاب إلا النار ؛ لأن الفطرة الطبيعية في الإنسان والحيوان تنْفر منها ، وتخافها خوفاً شديداً ؛ ولهذا جاء التشريع الإسلامي بالنهي عن التعذيب بالنار ، ليكون التعذيب بها خاصًّا بالله تعالى وحده ؛ ولهذا انفرد المنتقم الجبار وحده – جلَّ وعلا – بحقِّ التعذيب بالنار ، فلا يعذب عذابه أحد .

           ولا يُتصوَّر من طاغية من طغاة البشر أنه يعذب خصومه بالنار كعذاب الله تعالى ، يريد من ذلك التشبُّه به سبحانه ، ليوهم الرعيَّة بقوَّته وسلطانه وشدَّة بطشه ؛ فإن عذاب الله لا يشبهه عذاب ، ولا يساميه عقاب ، فكلُّ عذاب مهما بلغ من شدَّته ، وكلُّ عقاب مهما وصل من قسوته ، فإنه يهون إذا كانت عاقبته الموت ، فكيف بعذاب لا يعقبه موت ؟ وهذا لا يقدر عليه إلا الله تعالى وحده .

         ولهذا فإن الموت الذي يختم حياة الأحياء هو أغيظ ما يغيظ الفراعنة المتجبِّرين ، حين يعذبون خصومهم ، فيكون الموت تحفة المضطهد ، ومنتهى أمله ورجائه ، فما أذلَّ الفرعون حين يموت عدوُّه بين يديه ، دون أن يبلغ من عذابه ما يرضي نفسه ، فيشفي غليل صدره ، ويطفئ نار قلبه .

          إن الرجل يُضرب الضربة العنيفة التي لا يطيق وقع ألمها على بدنه فيغشى عليه ، فتكون الغشْية رحمة له وتخفيفاً ، وربما أتاه ما يكره من الأخبار المزعجة القاسية ، فيغمى عليه من شدَّة وقعها على نفسه ، فيكون ذلك خيراً له ولطفاً به ، فأية طامَّة تنزل بالإنسان حين يجتمع عليه حرُّ العذاب الأليم ، وضيق النفس الشديد ، مع دوام اليقظة والانتباه ؟ ثم يدوم عليه هذا أبد الآبدين ، في دهور متتالية لا تنقطع ، وأزمنة متعاقبة لا تنتهي ، في خلْد دائم لا منتهى له ، ولهذا فإن الخلد في نار الجحيم هو أشدُّ ما يعانيه الكافر : ( ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ) (10/52) .

          إن هذه الثلاثة : ألم البدن ، وضيق النفس ، ودوام البقاء ، إذا اجتمعت على إنسان فقد بلغ المنتهى في الهلاك ، والغاية في العذاب ، فكيف إذا كان عذابه يتجدَّد ويزيد ، وزبانيته لا يملُّون من التعذيب والتنكيل ، ولا يُقلعون عن التقريع والتسفيه ؟ بل كيف يكون العذاب إذا كان بأمر وتقدير الملك الجبار ، حين ينتقم من أعدائه ، فيبطش بهم بعذاب ليس كعذاب أحد ؟ إنه حينئذٍ عذاب تعجز لغة البشر عن وصفه ، فضلاً أن يصل بشر إلى استيعاب حقيقته وكنهه .

           إن نار الدنيا بكلِّ فتكها جزء يسير جداً من قوَّة نار جهنم وحرِّها وشدَّتها ؛ فهي نار سوداء مظلمة ، قد بلغت المنتهى في الحرارة والحرق ، ووصلت النهاية في الفتك والإهلاك والتدمير ، لا يخبو لهبها ، ولا يقلُّ ألمها ، فهي تُسعَّر كلَّ حين ، فيتجدَّد حرُّها ، ويزكو لهبها ، ويتنوَّع عذابها ، وما تزال كذلك على مرِّ الأزمنة والعصور المتلاحقة ، في خلد لا منتهى له ، ولا غاية يصير إليها ، فلو أن عذابها ينتهي بعد مرور سنوات بعدد رمل الدنيا : لكان لأهلها أمل يركنون إليه ويسعدون به ، غير أن قضاء الله في الكافرين أنهم خالدون فيها أبداً .

          وقد وردت العديد من الأخبار في القرآن والسنة عن عجائب خلْق النار وعظمتها ، فهي مخلوق جبار شديد ، تعرف أصحابها وتميِّزهم ، وتغتاظ لرؤيتهم وتثور إليهم ، فلا تشبع من أعدادهم مهما كثروا ، ولا تملُّ من تواردهم مهما عظموا ، فدركاتها كثيرة ، وأوديتها عديدة ، وحفرها عميقة ، لا يفلت منها إلا الموحِّدون الصالحون ، ثم يتكردس فيها الكافرون والمنافقون ، قد قُرن كلُّ واحد منهم بشيطانه في تنُّور ضيِّق يُعذب برؤيته ، وتضيق نفسه بصحبته ، وآخرون يهوون أعواماً مديدة في دركات سحيقة لا يبلغون أسفلها ، وطوائف من أعداء الله مغلق عليهم في توابيت من نار بعضها داخل بعض ، مبطَّنة بمسامير من حديد ملْتهب تخزق أجسادهم ، فلا تترك موضعاً منها إلا بلغته بحرِّها ، لا يَسمعون فيها ولا يُسمعون ، وأهونهم عذاباً من يقوم على جمرتين من نار في أخمص قدميه ، يغلي منهما دماغه ، لا يرى أن أحداً أشدُّ منه عذاباً .

         أما زبانية جهنم ، فغلاظ شداد ، قساة أقوياء ، لا يعرفون الرحمة ولا العطف ، ولا اللين ولا اللطف ، قد خُلقوا لذلك ، يعذب الله بهم أعداءه ، فيسلِّطهم عليهم ، فما أن يأمرهم بأخذ كافر حتى يبادروه ببطشهم ، وينتزعوه بعنفهم ، فلا يبالون بأخذه من رأسه أو قدميه ، فما يمهلونه حتى يغلُّوه بالسلاسل والأصفاد ، والحديد والأنكال ، ثم يشرعوا في تعذيبه بصنوف العذاب ؛ فالسحب على الوجوه ، والقذف والجذب في النيران ، والضرب بالمرازِب والمقامع ، فأي بدن تراه يطيق مثل هذا ؟ ولولا أن الله كتب عليهم ألا يموتوا : لماتوا من هول المطلع وشدَّته ، قبل أن يذوقوا العذاب ويعاينوا ألمه وكربته : (...وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ...) (14/17) .

         إن ما وُصف من حرِّ نار جهنَّم شيء مهول ، لا يدركه العقل البشري ولا يتخيَّله ، ولا تستطيع حسابه مقاييس العلوم المتاحة ، فنجم الشمس بكلِّ حرارته الهائلة التي يحكيها الفلكيُّون : يكوَّر في جهنم ، فيصبح جزءاً منها ، وما زالت جهنَّم تُسعَّر وتُشحذ منذ خلقها الله تعالى ، فأية درجة حرارة قد بلغتها ؟ فالعجب كلُّ العجب في أجساد تصلى هذه النيران الحامية ، فتمكث فيها أحقاباً من الزمان ، ثم لا تموت ولا تفنى !

         وقد وردت الأخبار بوصف طبيعة خلْق أهل النار ؛ فأبدانهم فاحشة متضخِّمة كبيرة ، وجلودهم سميكة قاسية غليظة ، حتى إن ضرس الكافر بحجم الجبل ، وموضع مقعده في النار بالأميال ، ولهذا تصمد أبدانهم لحرِّ النار بعض الوقت ، حتى إذا نضجت جلودهم وتفحَّمت : أبدلهم الله جلوداً غيرها ليذوقوا تجدُّد العذاب ، أما أرواحهم المعذبة فقد استقرَّت في أبدانهم ، لا تنفكُّ عنها أبداً ، مهما نالها من صنوف العذاب ، فلا هدوء ، ولا نوم ، ولا موت : (... لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ...) (35/36) .

           ولهذا فإن أوَّل أماني أهل النار بعد معاينتهم العذاب هو البحث عن مخرج منها : (...فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ) (40/11) ، فإذا يئسوا من ذلك كانت الرغبة في الموت للخلاص مما هم فيه : (... يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ...) (43/77) ، فإذا أيقنوا بالخلود كان دعاؤهم ورجاؤهم الأمل في التخفيف ، ولو ليوم واحد : (... ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ) (40/49) ، وكلُّ ذلك أماني فارغة جوفاء  ، ودعوات خائبة ضالة : (...فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ) (40/50) .

         وإن من أعجب أماني أهل النار ، حين ييأسون من أمل الخروج أو الموت أو التخفيف :  رغبتهم الأكيدة في الانتقام من ساداتهم وكبرائهم ، ممن كانوا سبب ضلالهم في الدنيا ، فيتوجَّه حنقهم وسخطهم عليهم ، بأن ينالهم مزيداً من العذب ، فيدعون الله تعالى : ( رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ) (33/68) ، والعدل الإلهي يقتضي أن ينال كلٌّ جزاءه بقدر حجم إجرامه : (...لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ) (7/38) ، ومع ذلك يتبرَّأ الكبراء من أتباعهم ، فيقوم التلاعن والتشاتم بينهم في موقف حقٍّ : ( إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ) (38/64) ، ثم تنتهي أماني أهل النار إلى ربِّ العالمين بأن يجعل رؤوس الضلال أسفل سافلين : (... رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ) (41/29) ، ولو ملك أهل النار أن يتناولوا خصومهم بأيديهم لفعلوا ، ولكن الله تعالى بحكمته حجز بينهم ، ليكون التعذيب يوم القيامة شأن الله تعالى وحده .

         وأما طعام أهل النار وشرابهم - حين يشتدُّ عليهم الجوع والعطش - فصنوف من : الزقوم ، والغسَّاق ، والصديد ، والضريع ، والماء المغلي ، فليس منها ما يسمن البدن في عافية ، أو يشبع البطن في كفاية ، أو يروي الظمأ في راحة ، وإنما هي صنوف متجدِّدة من العذاب والتنكيل المهلك ، حتى إن لهم ثياباً يلبسونها ، وأساور يتحلَّقونها ، وسُرراً يفترشونها ، وأغطية يلْتحفونها ، وكلُّها من نار وقطْران ، لا تزيدهم إلا عذاباً فوق عذابهم ، وهمًّا على همِّهم ، فبئست الدار دارهم ، وبئس المقام مقامهم .

          وإن من أشدِّ ما وصف الله تعالى في كتابه من عذاب أهل النار : أنهم يواجهون لهب النار بصفحة وجوههم ، فلا يملكون الانصراف عنها بتحويل أجسادهم ، أو تغطية وجوههم بالأيدي أو الأرجل ، فإن من عادة الإنسان في الدنيا أنه يحمي وجهه من الأذى بأطرافه ، أما وقد أوثقت أطرافه ، وقُيٍّدت حركاته ، فليس له إلا أن يدفع النار عن وجهه بوجهه : (...حِينَ لا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَن ظُهُورِهِمْ...) (21/39) ، ( أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...) (39/24) ، فلا مجال حينئذٍ للتفاهم ، أو الإمهال للنظر أو التأمل ، فالنار لا ينقطع تدفُّقها عن الوجوه والظهور .

         إنه مشهد بائس شديد ، يطال الكافر في أشرف وأعز ما يملك ، فيطول به هذا المقام البائس أحقاباً طويلة من الزمان ، ولا سبيل لكفِّ النار المتوهِّجة ، ولا طاقة لرد اللهب المتتابع ، كأنه بركان يقذف حممه ، أو تنور يبعث لهبه : ( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ) (23/104) ، فما تلبث الوجوه التي كانت في الدنيا جميلة حسنة ، والأبدان التي كانت لطيفة ناعمة : أن تحولَ كالحة سوداء متفحِّمة ، كأنها قطع من ظُلَم الليل الدامس ، قد سقطت شفاههم وتقلَّصت ، وبدت أسنانهم وتشوَّهت ، في مناظر قد بلغت المنتهى في القبح والشناعة ، مما لا يعرفها البشر ، ولم يخْبروا قطُّ بمثلها .

          والعجيب أن أكثر أهل النار من النساء ، فأية طاقة للجنس الناعم بهذا البطش الشديد ؟ وماذا تصنع النار بأجسادهن الرشيقة ، وعيونهن الجميلة ، وشعورهن الطويلة ، وزينتهن العريضة ؟ قد ذهب كلُّ ذلك ؛ فالأجساد تشوَّهت ، والعيون تخرَّقت ، والشعور احترقت ، والعورات انكشفت ، والسوءات ظهرت ، ولا معين ولا مغيث ولا نصير ، قد تخلَّى عنهم كلُّ شيء ، بما في ذلك الآلهة التي كانوا يدعونها من دون الله تعالى فلا تجيبهم ، حتى أهل الجنة لا يغيثونهم بشيء ؛ فقد حرَّم الله عليهم كلَّ النعم .

        حتى إذا خلص عصاة أهل التوحيد من النار ، بشفاعة الشافعين ، ورحمة ربِّ العالمين ، فلا يبقى فيها من كان في قلبه وزن ذرة من إيمان : حُبس عند ذلك الكفار في النار ، فلا مجال حينئذٍ للشفاعة ولا الوساطة : (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) (74/48) ، ولا مكان للاعتذار ولا المراجعة ولا الندم ، فالنداء لا يُسمع ، والسؤال لا يُجاب ، والصراخ لا ينفع ، فلا مالك يجيبهم بما يُريحهم : (...إِنَّكُم مَّاكِثُونَ ) (43/77) ، ولا الربُّ يغيثهم بما ينفعهم : (...اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ) (23/108) ، مع ما يعانونه من شدَّة احتجاب الربِّ الكريم عنهم ، فلا ينظر إليهم سبحانه ، ولا يرونه جلَّ في علاه ، فليس لهم بعد ذلك - في شرِّ دار - إلا العُواء ، وقد أظلَّهم اليأس الذي لا أمل معه ، وخيَّم عليهم القنوط الذي لا رجاء وراءه ، لاسيما حين يعاينون بأعينهم ذبح الموت ، فلا سبيل حينئذ لأمل الخلاص ، وإنما هو الصبر الذي لا ينفع : (...فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (52/16) .

          والعجيب في شأن أهل النار أنهم لا ينفكُّون عن الشرك ، ومعتقدات الكفر والضلال ، التي أوجبت لهم الخلود في النار ، وهذا ما يبرِّر دوام بقائهم فيها ، فلو قدِّر رجوعهم إلى الدنيا وقد عاينوا العذاب : (...لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) (6/28) ، وهذا من أعجب ما يوصف من طبيعة سلوك الكافر ، حين لا تطهِّره عقوبة النار ، ولا تنفع في إصلاحه ، فيكون العوْد جزءاً أصيلاً في تكوين شخصيَّته ، في حين أن أهل الكبائر من المؤمنين تنفع معهم النار حين يعذبون بها ، فتطهِّرهم من ذنوبهم ، كما تطهِّر التوبة النصوح صاحبها ، فيعود ناصعاً صالحاً .

         ولئن كان حال الكافر عجيباً ؛ فإن حال المنافق أعجب ، فقد خَبَر الدين ، وخالط المؤمنين ، وعرف الحق والهدى ، وربما ذاق شيئاً من حلاوة الإيمان ، ثم هو بعد ذلك ينقلب على عقبيه ، فيستبدل الكفر بالإيمان ، والضلال بالهدى ، ومع ذلك لا يعلن ردَّته على الملأ لتبدو صفحته واضحة كحال الكفار ، وإنما يستتر بكفره بين صفوف المؤمنين ، فيكيدهم في الخفاء بما استطاع من مكائده ، وقد يمكث فيهم عمره كلَّه لا يتفطَّنون إليه إلا في آخر أيامه ، وربما يبقى مستوراً على حاله إلى ساحة القيامة ، حين يُدعى المؤمنون للسجود فيعجز الخبيث عن ذلك ، ولهذا خصَّ العزيز الحكيم هذه الفئة الخسيسة من البشر بالدرك الأسفل من النار ، في عذاب وصفه المنتقم بالعظيم : (...وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (24/11) ، فما طبيعة هذا العذاب وأشكاله ؟ فلعلَّه مما يعجز البشر عن تخيُّله ، أو محاولة تصوُّره .  

       وفي ختام الموقف العظيم تُغلق أبواب جهنم على الكافرين ، في سرادقات عظيمة متينة ، وعَمد ممدَّدة غليظة ، فينضم بعضها إلى بعض ، وتنطبق على أهلها انطباقاً كاملاً لا نفاذ معه ، ويدخل أهل النار في غياهب النسيان ، في سرمديَّة لا يعلم مداها إلا الله تعالى وحده .

]]>
Mon, 14 Sep 2015 17:25:26 +0300
الرضيع السياسي       مقال شهر ذي القعدة 1436هـ

الرضيع السياسي

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد ... فإن العمل السياسي في مفهوم الإسلام عبادة يتعبَّد بها السياسيون ، وقربة يتقربون بها إلى الله تعالى ، ضمن الغاية الكبرى التي خُلق الإنسان من أجلها ؛ ولهذا يسمَّى العمل السياسي في التراث الإسلامي بالسياسة الشرعية ؛ لأنه - في حقيقته - عبارة عن : أعمال ، وإجراءات ، وتصرُّفات ، مستقاة من الشرع الحنيف ، إما بصورة مباشرة ، من خلال نصوص واضحة صريحة الدلالة ، وإما بصورة غير مباشرة ، من خلال نصوص عامة واسعة ، وقواعد استنباط محكمة ، تستوعب الجزئيات التفصيلية الكثيرة ، وتستشرف مستلهمة مستجدات التفاعلات الإنسانية المستقبلية ، ضمن إطار رباني يتَّسع لكلِّ جديد ، وصبغة شرعية متطوِّرة غير متناهية العطاء ، تهدف - في مجموعها - إلى إصلاح الدين والدنيا معاً ، وفي وقت واحد ، وتتناول ملبِّية حاجات البشر الفردية والجماعية في كلِّ عصر ؛ بحيث يعالج التشريع - من خلال اتساعه ونموِّه المستمر - حاجات الأمة الكثيرة والمستجدة ، ويستوعب قضاياها ومسائلها المتنوِّعة والمختلفة ، متى استفتته في ذلك ، وراجعته مسترشدة به ، ومذعنة له ، ومنقادة إليه ؛ لكونه إرادة الله الشرعية من عبيده المكلَّفين .

ولما كانت السياسة الشرعية المعتبرة هي نتاج التفاعل الناضج بين النصوص الشرعية والمسالك النبوية من جهة ، وبين الوقائع الحياتية المعاشة ومستجدَّاتها الاجتماعية من جهة أخرى ؛ فإن الضرورة الشرعية ، والمنطق العقلي يُلحَّان على بناء الشخصية السياسية الحكيمة ، التي تجمع بكفاءة بين الدرس الشرعي ، المستوعب للوعي الفقهي ، وبين متعلِّقاته الواقعية ، وتفاعلاته الاجتماعية ، وهو ما يعرف عند الفقهاء الأصوليين بتحقيق المناط .

إن قدراً وافراً من الرجاحة العقلية ، وحزمة متينة من القيم الخلقية ، وحجماً واسعاً من الخبرات التراكمية : ضرورة لا بد منها لبناء الشخصية السياسية الناجحة ، فإنه لا يتصوَّر الاستغناء عنها بحال من الأحوال لتسديد القرار السياسي ، وتصويب اختياره ، الذي تعقَّد في هذا العصر ، وتشعَّبت مداخله ، وتعدَّدت سبله ، حين داخلته عوامل ومتغيرات كثيرة ، حالت دون تمام سداده ، ووقفت دون كمال صوابه ، حتى غدت مقاربة الصواب في عرف السياسيين صواباً ، من شدَّة الغموض والتداخل والتشعُّب ، الذي يكتنف العمل السياسي وقراراته .

ولهذا فإن العمل السياسي المعاصر لا يتحمَّل المراهقات السياسية ، ولا المجازفات الصبيانية ، ولا المغامرات الطفولية ، التي تنمُّ عن ضمور النمو الطبيعي للشخصية القيادية ، وقصور أدائها العقلي عن الاختيارات السياسية الناضجة ، والقرارات المصيرية الموفَّقة ، التي لا بد منها - على وجه الضرورة - للسلامة من الإخفاقات الخطيرة في الواقع السياسي الصعب ، الذي يهدِّد المراهقين السياسيين بالهلاك ، ويعرِّض المجتمعات الإنسانية للزَّوال .

ومع ذلك فإن واقع كثير من الاختيارات السياسية المعاصرة ، وما تسفر عنه قراراتها القاصرة من نتائج مخفقة تضرُّ بالأوطان ، وتهدد البلدان : لا تدلُّ على مجرَّد مراهقة سياسية فحسب ، بل هي مرحلة قصور دون ذلك ، فهي - في الحقيقة - لم تتجاوز بعد مرحلة طفولة سياسية ، يعيش فيها بعض الساسة مرحلة الرضاعة ، التي يعجز فيها الرضيع السياسي عن الاختيار المناسب لنفسه ، حتى إنه يضعف عن التمييز بين التمرة والجمرة ، مما يسوقه إلى محاولة تقليد الكبار ، ومحاكاة الناضجين ، فيحيا عالة على المجتمع الدولي ، يتكفَّف البالغين في اختياراتهم السياسية ، ويقلِّد الناضجين في اجتهاداتهم الإدارية ، حتى تغدو شخصيته نهباً لتوجُّهات الآخرين ، فتبدو كأنها تشكيلة مخلوطة من الآراء والممارسات التي لا يجمعها كيان ، ولا يضمُّها عنوان ، وإنما هي اختيارات رعناء ، كاختيارات الطفل الصغير من سلوك البالغين .

والعجيب في شخصية الرضيع السياسي أنه متعثر في غالب أحواله حينما يحاول مسالك الكبار ؛ فيجرِّب خطوهم ، ويحاول نهجهم ، فيأتي بالطوام المهلكات ، ما لم يتداركه الآخرون بالرعاية والعناية والمداراة ؛ فإن القاسم المشترك الذي يجمع الرضَّع السياسيين هو عدم التوفيق ، وهذا ما يُلحظ عليهم بوضوح في سلوكهم السياسي ؛ ففي المواقف الدولية والمحلية التي تحتاج بالضرورة إلى التريُّث ، وإعادة النظر ، وإدامة الفكر : ترى الرضيع السياسي متعجِّلاً نحو عطبه ، متهالكاً على فشله ، مقتحماً في ضرره .

وفي المواقف الأخرى الجليَّات الواضحات ، التي يتبيَّن وجهَهَا الأطفال المميِّزون بلا إمعان ولا نظر ، ويفهمها البسطاء السذج بلا تأمل ولا فكر ، فضلاً عن العقلاء المجرِّبين ، والنخب الفاهمين ، فإذا بالرضيع السياسي - بعد الخمسين والستين - يحار في اختياره ، ويتردد في قراره ، ويغرق في إنائه ، وكأنها المعضلة الكبرى ، والرزية العظمى ، التي تحتاج إلى الرؤساء ، وتفتقر إلى القادة والوزراء ، حتى إذا تمت للرضيع المشورة ، واتضحت له الصورة : أتى بما يُعمى البصيرة ، من الفواحش السياسية ، والفواجع الإدارية ، تماماً كما يخطو الرضيع خطواته الأولى فيتعثر ويقع ، حتى إذا ارتطم جسده بالأرض ، ونال رأسه نصيبه من الطرق ، عندها - وبسرعة فائقة - يبلغ الرضيع رشده الإنساني ، فيشبُّ في ليلة ، ويتمُّ له نموه الطبيعي في ساعة ، وهنا ينادي في الجماهير ، ليشعرهم ببلوغه مرحلة الرشد ، على طريقة ابن علي التونسي حين قال للشعب عندما ثاروا عليه : ( فهمتكم .. فهمتكم ) !

وأما ذاكرة الرضيع السياسي فقصيرة ضعيفة ، لا تكاد تستحضر شيئاً من الحوادث السابقة ، ويصعب عليها استرجاع المواقف والحالات المشابهة ، فتفقد بياناتها أولاً بأول ، وتمحو حوادث اليوم وقائع الأمس ، فلا تصطحب شيئاً من تجارب الماضي للحكم على الواقع ، حتى ما تكاد الذاكرة تستلهم الماضي في موقفٍ حاضرٍ مشابه ، تماماً كحال الرضيع الذي قد ينسى أقرب الناس إليه إذا غاب عنه فترة من الزمن ، ويكرِّر أخطاءه مرَّات متعدِّدة ، فلا تستحضر ذاكرته الضيقة والضعيفة التجارب السابقة ، التي تعينه على الحكم السديد في المواقف الجديدة والمشابهة .

وأما مخاطبة الرضيع السياسي للجماهير ، ومحاولة إيصال صوته إليهم ، ضمن إمكاناته الثقافية المحدودة ، وقدراته العقلية العاجزة ، وشخصيته الإنسانية الهزيلة ، فهي تشبه - إلى حدٍّ كبير - المناغاة التي يصدرها الرضيع في شهوره الأولى ، فيصعب على السامعين تبيُّنها ، ويستحيل عليهم تفهُّمها ، فهي لا تعدو أن تكون أصواتاً تلمح إلى وجود الحياة فحسب ، كحال الوليد حينما يستهل صارخاً ثم يموت من لحظته ، ورغم ذلك يُثبت لنفسه الحقوق بهذه الصرخة الوحيدة اليتيمة .

والغريب في شأن مناغاة الرضيع السياسي : أن جموعاً غفيرة من الشعوب المهجَّنة ، تزعم بيقين أنها تفهمها ، وتستوعب روح معانيها ، وتستلهم منها نوراً لمستقبلها ، ومعالم جديدة لنهضتها ، في حين تقف قلَّة من الناس مشدوهة أمام هذا الفهم والاستيعاب والاستلهام ، عاجزة عن الوعي بشيء من ذلك ، تحاول جاهدة أن تدرك ما أدركته هذه الجموع الذكيَّة من مناغاة الرضيع ولكن دون جدوى .

وهنا يتعجَّب الرضيع السياسي من هؤلاء البلهاء ، حين لم يفهموا مناغاته كما فهمتها الجموع الكثيرة ، ولم يستلهموا مضامينها الجليلة ، ولم يستوعبوا معانيها العميقة ، مما يضطره إلى مساعدتهم على الفهم بالعصا الغليظة ، التي تزيل عوائق العقول ، وتشقُّ غبش العيون ، ليتمكَّنوا من إدراك الدرس ، واستيعاب البيان .

وأما بطش الرضيع المدلَّل بمن يعانده أو يقاومه أو ينتقده ، فهذا شأنٌ آخر ، على طريقة القذافي حين أخذ ينادي في خصومه لما ثاروا عليه : ( من أنتم ؟ ) ؛ فإن أخذه حينئذٍ يأتي في الغالب عشوائياً دون تمييز ، ومُفْرطاً دون ضوابط ، لا يكاد يتحمَّل الآخرين ، ممن لا يأتون على هواه ، كحال الطفل عندما يقاوم من ينازعه في ألعابه ، أو يضبطه في تصرفاته ، فهو ضيق الخلق ، قليل الصبر ، جزوع الطبع ، سريع الانتقام .

إن مما يجهله الرضيع السياسي ، ويشكل عليه فهمه ، ويصعب عليه إدراكه : أن تنفُّس الحرية إدمان يصعب الفطام منه ؛ فجرعة واحدة من مصلها كافية لحصول الاعتماد النفسي الذي لا فكاك منه ، بمعنى أن من ذاق طعم الحرية ساعة من الزمان ، فتذوَّق شهدها ، ورشف خمرها ، وتنسَّم عبيرها : تورَّط في الاعتماد عليها ، فلا يتصوَّر خلاصه منها ؛ كحال المخدِّرات القويَّة ، حين يعتمد عليها الجسم مباشرة من أوَّل جرعة ، فلا يستغني عنها ؛ ولهذا لا يفهم الرضيع السياسي سبب إصرار الشعوب المستضعفة على الحرية ، واسترخاص المهج في سبيلها ، تماماً كسوء فهمنا لسلوك مدمن المخدِّرات ، حين لا يتردد في بذل كلِّ ما يملك في سبيل جرعة واحدة من الهيروين .

إن من الحقائق الراسخة في العرف الإنساني : أن المنصب السياسي لا يعطي القائد قيمته الشخصية ومكانته ، ولا يؤهِّله للأداء السياسي الناجح ؛ وإنما شخصية القائد ، ومكوِّناتها الفكرية والخلقية ، وخبرته التراكمية الناضجة ، وما يبسط الله عليه من كلِّ ذلك : هي التي تضفي على المنصب قيمته ومكانته ، وتؤهل القائد لحسن الأداء السياسي ؛ ولهذا فإن القائد الفذ لا تستفزَّه هيشات المواقف السياسية ، ولا يُثيره ضجيجها العالي ، فهو ثابت الجنان ، راسخ الأركان ، ممتلئ بالإيمان ، يرى بنور الله تعالى ، ويعمل بمقتضى أمره ونهيه ، في حين تستهوي الرضيع السياسي الآراء البراقة ، والمقترحات الأخَّاذة ، فينساق وراءها كما ينساق الرضيع إلى ملهاته .

إن أزمة الرضَّع السياسيين أنهم يتقدَّمون حين يجب عليهم أن يتأخَّروا ، ويتأخَّرون حين يجب عليهم أن يتقدَّموا ، ويتكلَّمون حين يجب عليهم أن يصمتوا ، ويصمتون حين يجب عليهم أن يتكلَّموا ، إنها علامات عدم التوفيق ، ومعالم سوء التدبير ، التي يلزمها الله - بحكمته - سفهاء السياسة ؛ فإن الشرع الحنيف منع من تمكين السفيه من ماله الشخصي - الذي هو حقٌّ له - بسبب السفه ، واحتمال سوء التدبير ، فكيف يأذن له بالتصرُّف السياسي ، الذي قد تضيع معه مصالح المجتمع الكبرى ؟! 

 

 

 

]]>
Sun, 16 Aug 2015 11:25:25 +0300
عائشة نادرة الدهر Wed, 05 Aug 2015 16:01:40 +0300