الصفحة الرئيسة @ الخطب المكتوبة @ @ 11– صدمات الحياة الزوجية


معلومات
تاريخ الإضافة: 16/8/1429
عدد القراء: 2162
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

- أيها الإخوة : الأسرة هي اللبنةُ الأولى والأهمُّ في بناء المجتمع الإسلامي، وهي نواةُ الحياة الإسلامية، بها يحيا المجتمع ويزدهر.

- وتُبنى الأسرةُ بعقد شراكة غليظ شديد، بين رجل وامرأة، يستبيح كلٌّ منهما من صاحبه ما لا يستبيحه من شخص آخر، حتى يصبحَ أحدُهما للآخر كاللباس الذي يخالـــط صاحبَهُ ويلائمه: " هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ".

- ويبدأ بناء الأسرة بالخطبة، فيتقدم الشاب لأسرة الفتاة ظناً منه أنها التي تناسبه لبناء عش الزوجية الجديد.

- وتوافق الفتاة وأهلُها على أنه الشابُّ الأنسبُ والأليقُ بها، وتتم مراسمُ الزواج وعقدُ النكاحِ.

- وتُسَلَّمُ الفتاة لزوجها، ليذهب بها إلى داره، وعندها تبدأ الصدمة الأولى، صدمة اللقاء والتعارف والخلوة.

- فإذا غمرهم الحبُّ والوئامُ : كانت الصدمةُ سهلةً يسيرةً، وذكرى طيبةً حسنةً، تبقى لهما على مرِّ الحياة القادمة.

- وأما إن كان اللقاء الأول مؤلماً قاسياً، فإنه يبقى نقطةً سوداءَ في حياتهما، يتألمان عند ذكراها.

- ثم تسير الحياة بالزوجين إلى الصدمة الثانية، صدمة الانسجام والتوافق والتفاهم في السنة الأولى.

- فإذا تجاوزا هذه الصدمة، فما بعدها أسهل، وإذا أخفقا فيها فما بعدها أصعب، ففي هذه المرحلة أكثر حالات الطلاق.

- إن السنة الأولى من عمر الأسرة تحتاج من الزوجين إلى مزيد بذلٍ وعطاءٍ وإيثارٍ، لا إلى شحٍّ وأنانية واستعلاء.

- يسعى كلٌّ منهما للتوافق مع صاحبه، يُؤقلم من نفسه، ويهذِّب من طبعه، ويحسِّن من خُلُقِهِ، حتى يتَّفقَ ويُلائمَ صاحبه.

- ثم تسير الحياة بالزوجين الجديدين إلى الصدمة الثالثة: الحملِ والوحَمِ والطفل الأول، وبذلك يشتد الرباط والوثاق بين الزوجين ، فمن كان منهما قد نوى الانفصال قبل ذلك ، فإنه بخبر الحمل يراجع نفسه ، ويشعر بأن مشوار الحياة قد بدأ بالفعل.

- فلا مجال هنا للعودة عن الاستمرار في مشروع الأسرة بمزيد أطفال يملؤون المنزل صخباً وبهجةً وأنساً.

- فيصبحُ الأطفال روابط جديدةً، تربط بين الزوجين، وتزيد من متانة بناء الأسرة ، واستمرار عطائها.

- ثم تسير الحياة بالأبوين إلى الصدمة الرابعة: كيف نربي أبناءنا؟ ما هو النهج الأمثل للتربية الأفضل؟

- كثيراً ما يكون نهج تربية الأولاد : موضعَ جدال ونزاع بين الوالدين، ينعكس في نهاية الأمر ضرراً على الأولاد.

- إن الأولاد يحتاجون إلى منهج تربوي سديد، يتفق عليه الوالدان، وينفِّذانه سوياً دون تناقض أو تعارض أو تنازع.

- ثم تسير الحياة بالأسرة إلى الصدمة الخامسة: كثرةِ النفقاتِ، وحاجة العائلة إلى مورد اقتصادي آخر.

- وهنا إنْ لم يكن ربُّ الأسرة حازماً في ضبط نفقات الأسرة، يسير ضمن خطة محكمة: فإن الأسرة تخوض صراعاً جديداً.

- المرأة والأولاد يطالبون بمزيد نفقات، ودخل الأسرة لا يسمح بذلك، ماذا يصنع الأب؟

- أيعمل عملاً إضافياً ؟ هل يدفع بزوجته إلى العمل لتساعده ؟ هل يستدين وهو يعلم أنه لا يستطيع أن يسدد ؟

- إنه صراع عام ، قلَّ من ينجو منه ، يحتاج إلى ضبط وحزم ، وحكمةِ الأم الصالحة المدبِّرة المشفقة.

- ثم تسير الحياة بالأسرة إلى الصدمة السادسة: زواجِ الأولادِ والبناتِ، الاختيار والقرار، والعقد والنكاح.

- وهنا يأتي الصراع بين ما اعتاده الناس من الإسراف والتبذير والرياء والسمعة، وبين ما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم من التيسير والاعتدال.

- إن ميزانية الأسرة لا تسمح بالتوسع في نفقات الزواج، ولكن ماذا يقول الناس عنا؟ الأم تريد أن تفرح فكيف تصنع ؟

- صراع تعيشُه الأسر عند زواج أولادهما، وغالباً ما تضعف قدرات الرجال على مواجهته، حتى ينهاروا ويستسلموا لرغبات النساء.

- ثم تسير الحياة الزوجية إلى الصدمة السابعة: التقاعدِ والفراغ والأمراضِ المزمنة، قد خلى البيت من الأولاد، وعادت الأسرة كما بدأت بلا أولاد، ولكن بخادمة وسائق، الكل قد انشغل بحياته عن والدين كبيرين يودِّعان الحياة.

- كلٌّ منهما يشكو آلاماً نفسية وجسدية، ويريد من شريكه دعماً وعوناً، ومزيد تضحية وإيثار.

- لم يبقَ للوالدين الكبيرين إلا ذكرى عابرةٌ قد مضت، وشيءٌ قليل من برِّ الأولاد، وأحفادٌ صغار يتلهيان بهم.

- ثم ماذا بعد ذلك؟ إنها الصدمة الثامنة، إنه الموت، إما ترمُّلُ الزوجة، أو عزوبة الزوج، أيهما أسبق ؟!

- ماذا يصنع الرجل بباقي حياته دون شريكته؟ وماذا تصنع الزوجة بباقي حياتها دون زوجها؟ أين وكيف تقضيها؟

- أيخوض الرجل تجربة جديدة فيتزوج بأخرى ، ويواجه صدمة تاسعة، أم ينتظر اللحاق بزوجته، ولكن من يقوم على خدمته؟

- وأما الزوجة وقد ترمَّلت، فلا مكان لها إلا بين خادمة وسائق، أو ولد أو بنت تحنُّ عليها وتؤويها.

- إنها دورة الحياة وقطار الزمان، هذا يصعد وهذا ينزل، والسعيد من صعد بأمان، ونزل بأمان. 

* * *    

- أيها الإخوة : إن صدمات الحياة الزوجية أمر طبيعي، وتجربةٌ يخوضها غالب المتزوجين، ولكنَّ الفروق بينهم في كيفية مواجهة هذه الصدمات، وما هو المنهج السديد الذي تُعالج به الصدمة؟

- إن أناساً منا نشأوا على أهوائهم، وعاشوا بأهوائهم، وماتوا بأهوائهم ، فلا تسأل عن هلاكهم.

- وإن العقلاء منا من علم أن الله أكرمه بمنهج قويم للحياة السعيدة، فأخذ به، وحكَّمه في حياته، فسَعِد، وأسعد من حوله.

- إن الحياة الزوجية لتدوم وتزدهر: تحتاج إلى خُلُقين اثنين : خلق الصبر، وعدم العجلة، وخلقِ الإيثار وعدم الأنانية.

- أما خلق الصبر فلا بد منه لمواجهة صدماتها، والتغلب عليها.

- وأما خلق الإيثار، ففي تقديم كلٍّ من الزوجين صاحبَهُ على نفسه.

- وبغير هذين الخلقين تصبح الحياة الزوجية مأساةً وجحيماً لا يطاق ، وربما انهارت الأسرةُ ، وضاعَ الصغار.

- اللهم ألهمنا الصواب ، وبارك لنا في الأهل والأحباب ، واجعلنا من السعداء في الدنيا والآخرة.