19- وجاء رمضان

 


-  أيها المسلمون : جاء رمضان بإشراقاته وأنواره ، جاء رمضان بجلاله وإجلاله ، جاء بالرحمة والمغفرة ، والعتق من النار .

-  جاء رمضان بالفضل والإحسان ، جاء بالجود والإنعام ، جاء رمضان يُلبسنا ثوب التقوى والإخلاص.

-  جاء شهر القرآن والإيمان ، جاء شهر الصلاة والمسجد والتراويح ، جاء شهر الصدقة والزكاة والإنفاق .

-  جاء شهر الدعاء والبكاء ، جاء شهر الحرم والكعبة والعمرة ، جاء شهر التنافس في الخيرات .

-  جاء شهر زكاة الروح وطهارة النفس ، جاء شهر الصبر وحسن الخلق ،  جاء شهر ضبط النفس وحفظ اللسان .

-  جاء رمضان بالجهاد ، جهاد النفس بالطاعات وضبط الشهوات ، وجهاد العدو بالحرب والقتال والاستشهاد .

-  جاء شهر الفطام عن الملذات ، والتبتُّل والاعتكاف ، جاء شهر التوبة والإنابة والصدق مع الله .

-  أيها الإخوة : جاء شهر رمضان بمدرسته الكبرى ، وجامعته العظمى ، يؤدِّبنا ويهذِّبنا ، ويرتقي بنا إلى الأعلى .

-  يرفعنا بأحكامه وآدابه من حضيض الشهوات إلى مراتب الكمالات ، ومن حمئة المعاصي إلى درجات الطاعات .

-  لقد فتح الله لنا في رمضان أبواب الخير كأوسع ما يكون ، حتى إن التمرة الواحدة لترفع صاحبها إلى أعلى الجنان ؛ حين يقدِّمها المسلم لأخيه المسلم.

-  لقد ادَّخر الله للصائمين الصادقين من الأجور ما لا يخطـــر لهم ببـال ، ولا مرَّ لهم على خيال.

-  إنه شيء عظيم ، وجلال كبير، وقـــرَّة عين لا تنقطــــع ، وراحــة نفس لا تنتهي، وأنوار لا منتهى لها .

-  ولكن - أيها الإخوة - لنتساءل فيما بيننا : هل نحن بواقعنا هذا الذي نعيشه على مستوى رمضان ؟

-  هذا الشهر الكريم ، الذي حشاه الله بالفضائل والمكرمات ، وأودع فيه أنواع  الخيرات ، هل نحن بالفعل على مستوى هذا الشهر ؟

-  هل الطائعون منا - فضلاً عن المذنبين والمقصِّرين - هل هم  بالفعل على مستوى فضائل ومقامات هذا الشهر ؟

-  إن رغبة السلف في أن تكون السنة كلُّها رمضان لم تأت مِن فراغ، وإنما مِنْ إدراك لحقيقة ومكانة هذا الشَّهْر ، وعظيم مقامه عند الله تعالى.

-  لقد كان بعض السلف يجتهد في رمضان اجتهاداً لا مزيد عليه ، من : إتقان الصيام، وطول القيام ، وقراءة القرآن .

-  يصِلون الليل بالنهار ، والنهار بالليل ، يعمرون الشهر بالصالحات ، ويخافون فوات الزمان ، وضياع الأوقات .

-  لقد أدرك السلف بيقين أن فوات الشهر دون عمـل صالح : خسارة عظيمة ، يستحيل تعويضها أو تداركها ؛ ولهذا شمَّروا واجتهدوا .

-  ثم تعاقبت أجيال بعد أجيال ، يتوارثون هذا الشهر ، بين محسن ومسيئ ، ومجتهد ومقصِّر .

-  حتى جئنا نحن في أعقاب الزمن ، بكل ما  نحمله من المخازي والتقصير والتفريط ، نرث هذا الشهر الكريم .

-  إن كرم الله في هذا الشهر لم يتغيَّر ، وفضائل رمضان لم تتبدَّل ، وإنما التغيُّر والتبدُّل طرأ علينا نحن أمة الإسلام .

-  لقد دخل الشهر علينا أمة الإسلام ، ونحن متخلفون اقتصادياً ، ومفكَّكون سياسياً، ومنهزمون عسكرياً، ومنحطون أخلاقياً .

-  جوع وفقر وجهل وحرب واضطهاد يحاصر أمة الإسلام في كثير من البقاع، فأيُّ صيام وقيام وقرآن ؟

-  لو كان لشهر رمضان لسان لهجانا ، ولو كان الاختيار بيده ما أشرق علينا ، ماذا يريد من أمة لا تعرف قدره ولا ترقى لمستواه ؟

-  ولكنه قضاء الله وسنته الماضية ؛ لذا يعاودنا الشهر في كلِّ عام ، يشهد علينا بتقصيرنا ، يشرق ثم يغرُبُ ويمضي ، ويذهب شاهداً على العباد بما اقترفوه من الأخطاء ، وبما اكتسبوه من الصالحات .

-  إن أقلَّ ما ينبغي أن يستشعره الواحد منا أنه مقصِّر ، وأن أعمالنا دون مستوى فضائل الشهر ومقامه العظيم .

-  ولا يمنعنا هذا الاستشعار من خير نقوم به ، مهما كان يسيراً ، أو شر نجتنبه ، مهما كان صغيراً ، فالعاقل من قدَّم لنفسه ، والمغرور من أتبع نفسه هواها.

-  أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ".

* * *

 

-  أيها المسلمون : إن فرض الصيام ليس خاصاً بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو فرض شَمِلَ أهل التوحيد منذ آدم عليه السلام ، فهو سنة باقية ماضية من أول الدهر .

-  ونحن حين نصوم نشارك أهل التوحيد منذ العصور السابقة إلى العصور اللاحقة إلى قيام الساعة، ندخل معهم في عداد أهل الصيام من الموحِّدين.

-  ثم إن ثمرة الصيام الحقيقية هي التقوى، التي تعمر القلوب، فتطهِّر الباطن، وتُصلح السلوك الظاهر من الإنسان.

-  فما أعظم مصيبة من لم ينتفع من صيامه إلا الجوع والعطش ، صام جسمه ولم يصم قلبه .

-  ويا فوز من صام وتقبَّل الله منه ، فإنه كفارة لما مضى من الذنوب ، ورفعٌ للدرجات ، وترقٍ في الكمالات .

-  اللهم كما بلَّغتنا رمضان ، فأعنَّا فيه على الصيام والقيام ، وحسن الخلق وأدب الجوار يا سميع الدعاء .