حوار مع : موقع تربيتنا (القسم الثاني)

مقال شهر شعبان 1431هـ

حوار مع : موقع تربيتنا

( القسم الثاني )

       أجرى موقع تربيتنا هذا الحوار التربوي مع الدكتور عدنان حسن باحارث ، أستاذ التربية الإسلامية المشارك بجامعة أم القرى ، وهذا القسم الثاني من الحوار :

5-ما أبرز التحديات التي تواجه مسيرة التربية الإسلامية كعلم وتخصص في واقعنا المعاصر، وكيف يمكن التصدي لها ؟

         لقد مرَّت على عالمنا الإسلامي الحديث حقبة من الزمان لم يكن فيها ذكر للتربية الإسلامية ، فضلاً عن أن يكون لها موضع قدم بين التخصصات التربوية آنذاك ، مما دفع بكوكبة من الفضلاء لإحيائها والتعريف بها ، وحشرها بين التخصصات التربوية لتكون - بعد زمن يسير - عنصراً منافساً ، بل مناهضاً لتيارات التغريب التربوي ، وأصبح الحديث عنها مألوفاً ، والتخصص فيها متاحاً ، إلا أنه مع ذلك لا تزال فئات من التربويين يرفضون الحديث عن التربية الإسلامية باعتبارها تخصصاً مستقلاً ، فهي في نظرهم لا تعدو أن تكون مجرد اتجاه ضمن تخصص أصول التربية ، ينطبق عليها ما ينطبق على مفهوم مصطلح : " أصول التربية " ، وهذا من شأنه تفريغ التربية الإسلامية من محتواها ، أو على الأقل تسطيح مفاهيمها ومضامينها ، وذلك حين يتولى تدريسها ، والإشراف على أبحاثها ، ومناقشة أطروحاتها من لم تتح له الفرصة الكافية للتعرف على مصادر التربية الإسلامية ومفاهيمها وآدابها ؛ فهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالكتاب والسنة ، ومجمل التراث الإسلامي ، قبل أن تكون مرتبطة بالمفاهيم التربوية ومصطلحاتها الأجنبية ، فكيف يسوغ لغير الدارس للتراث الإسلامي ، المطلع على جملته : أن يتولى تدريسه أو تحكيمه ؟ ومن هنا يكون الخلل ؛ فتختلط المفاهيم ، وتتداخل الأفكار ، فتصدر عن هذا الوضع تربية هجين ، ونتاج خداج ناقص ، لا هي إسلامية خالصة ، ولا هي أجنبية وافدة ، ولهذا يستعين بعض التربويين بالمتخصصين الشرعيين في أعمال التدريس ، والإشراف ، والمناقشة في برنامج التربية الإسلامية في بعض كليات التربية .

         وما زال تخصص التربية الإسلامية في غالب كليات التربية في عالمنا العربي يدرس ضمن أقسام أصول التربية ، التي تعتمد في مصادرها على نتاج الفكر التربوي الغربي ، من خلال الترجمة ، أو نقل الأفكار والمفاهيم ، ضمن الأطروحات الفلسفية ، والنظريات التربوية ، بعيداً عن المنظور الإسلامي .

          ومواجهة هذه الأزمة التربوية تتم بأمرين ، الأول : من خلال عملية التأصيل المستمرة والمتتابعة لنتاج الفكر التربوي الغربي ، في ضوء الأطروحات التربوية الإسلامية ، بحيث تحتل عملية تأصيل العلوم التربوية بؤرة اهتمامات التربويين الإسلاميين .

         والأمر الثاني : هو السعي الجاد في استقلال أقسام التربية الإسلامية بأعضائها ، ومناهجها ، وإدارتها عن أقسام أصول التربية ، بحيث تعامل أقسامها في الجامعات باستقلال ، شأنها في ذلك شأن أقسام الجامعة الأخرى ، وبهذين الأمرين نستطيع مواجهة المشكلات التي تواجه تخصص التربية الإسلامية .


6-ما وجهة نظرك فيما تقدمه المواقع الإليكترونية لخدمة المجال التربوي بصورة عامة ، والتربية الإسلامية بصورة خاصة ، وهل خُدم المجال التربوي على الشبكة كما خدمت العلوم الشرعية ؟

        المواقع الإليكترونية الإسلامية على شبكات الإنترنت خدمة جليلة للقارئ والمطلع المسلم بصورة عامة ؛ حيث يجد فيها المسلم من المعاني الصالحة والنافعة ما لا يجده في غالب وسائل الإعلام الأخرى ، والمواقع التربوية منها هي الأخرى مجالات نافعة ومفيدة لاسيما لغير المتخصصين ؛ حيث يجدون مبتغاهم من المفاهيم ، والاستشارات ، والمقالات ، والبرامج ونحوها ، إلا أنها مع ذلك في حاجة إلى مزيد تطوير وإثراء ، فكثير منها لا يخلو من شيء من السطحية والبساطة ، إضافة إلى قلة مشاركة المتخصصين في التربية الإسلامية في إثراء هذه المواقع بأبحاثهم ، واستشاراتهم ، وتوجيهاتهم ، ولعل القائمين على هذه المواقع التربوية يوفقون إلى وضع آلية عملية تجمع جهود هؤلاء التربويين ، وتوجهها لخدمة التربية الإسلامية ، وتقربها للراغبين ، كما خدمت العلوم الشرعية .  


7-ما هي كلمة الأخيرة التي تود توجيهها للسادة القراء في كل مكان ؟

               أفضل ما أوجه به نفسي وإخواني في الميدان التربوي هو التأكيد على القدوة الصالحة ، الصادقة والناصحة ؛ فإنها من أهم أساليب التربية ، إن لم تكن هي الأهم على الإطلاق ؛ فالنفس الإنسانية مركبة على الميل الفطري نحو التقليد والمحاكاة ، وهذا يشمل الكبار والصغار ؛ فالصغار يقلدون آباءهم ومعلميهم ، ويحاكون طريقتهم في الحياة ، ويسلكون على أسلوبهم في المجتمع ، ولئن كان تقليد الصغار حرفياً صورياً ساذجاً ، يغلب عليه تقليد الصور والأشكال ، فإن تقليد الكبار فكري ثقافي ، يغلب عليه تقليد المذاهب والآراء والمناهج ، وكلاهما تقليد ، لا يخرج عن مفهوم التأثر بالآخرين ، سواء كان التأثير إيجابياً أو سلبياً .

      ومن هنا كان التأكيد على القدوة الصالحة ضرورياً للإصلاح الاجتماعي ، لا يتصور بحال استغناء المجتمع عنها بغيرها ؛ إذ لا بديل لها ، ولا غنى عنها ، وما يعانيه مجتمع اليوم من هبوط شامل عام في مستويات : الالتزام الخلقي ، والانضباط السلوكي ، والتمييز الثقافي والفكري : يُعزى غالبه إلى فقدان أو ضعف القدوة المربية الصالحة ، التي تحمل المعاني الصالحة في نفسها بصورة شاملة ، وتعيش بها في واقع حياتها ، وتتمثلها في واقع ممارساتها ، حين اكتفت القدوة المعاصرة للأسف بالتعبير اللفظي عن التعبير السلوكي ، وبالفكرة العقلية عن الممارسة العملية ، وهذا نهج لا يخدم التربية في شيء ، ولا ينفع الناشئ في نفسه ، بل ربما كان التناقض الاجتماعي ، ممثلاً في مخالفة الأعمال الواقعية للأقوال المعلنة سبباً رئيساً في خروج أجيال من أبناء المسلمين ناقمين على مجتمعهم ، رافضين لثقافته ونهجه ، متذمرين من عاداته وتقاليده ، فكم عانى المجتمع المسلم المعاصر من بعض أبنائه العاقين ، ممن كانوا نتاج تناقضات المجتمع التربوية ، فحملوا عليه معاول الهدم ، يضربونه في أسسه ، ويدمرونه من قواعده ، وما لم يتنبه المصلحون الناصحون لخطر التناقض الاجتماعي على التربية فإن مزيداً من المعاناة والآلام والأحزان سوف يلحق المجتمع .


أشكر موقع تربيتنا على هذه الاستضافة ، وأسأل الله التوفيق للجميع .