الصفحة الرئيسة @ المقال الشهري @ ضرورة شغل وقت فراغ الشباب


معلومات
تاريخ الإضافة: 1/5/1440
عدد القراء: 26
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

مقال شهر جمادى الأولى 1440هـ

ضرورة شغل وقت فراغ الشباب

(من الأرشيف)

لقد أقسم الله تعالى في كتابه العزيز بالزمن إشارة إلى عظم شأنه، وأن الإنسان فيه مُعرَّض للخسارة والربح، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهميته وخطره : (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ))، أي أن غالب الخلق خاسر في الإفادة من هاتين النعمتين على الوجه الصحيح، فكلَّما "قلَّت القيم الصحيحة المتصلة بالوقت ونقصت الاهتمامات، وضعفت المهارات اللازمة لاستغلال أوقات الفراغ: ازدادت فرص اليأس، والملل، والاغتراب، والأنانية، والعنف، والجريمة، والإدمان بين الشباب على وجه الخصوص"، وقد دلَّت الأبحاث العلمية المتعددة بأن وفرة الوقت " تأتي على رأس الأسباب المباشرة لانحراف الشباب"، وانبعاث الأهواء الجامحة في نفوسهم، وبالتالي زيادة نسبة جنوحهم، لا سيما في فترات الصيف، حتى أصبحت مشكلة الفراغ قضية عالمية تعاني منها غالب الدول، خاصة المتقدمة منها، مما دفع بهم - بصورة فردية وجماعية - لدراسة أبعادها وأسبابها، ووضع الخطط العلمية والتربوية، ورصد الميزانيات والأموال الطائلة للحدِّ من خطرها، والتخفيف من سلبياتها على الفرد والمجتمع، وبعد الحرب العالمية الثانية أصبح الفراغ وما يتعلق به من دراسات وأبحاث فرعاً مستقلاً من فروع علم الاجتماع، يُسمى : "علم اجتماع الفراغ"، مما يدل على أهمية الموضوع وحيويته في الحياة المعاصرة.

وقد أشار العديد من الدراسات التربوية الميدانية إلى أن الشباب - خاصة الفتيات منهم - يعانون حاجة نفسية ملحَّة لشغل أوقات فراغهم التي تتوافر لديهم بالساعات المتعددة يومياً، خاصة في فترات الإجازات، وأنهم في الغالب لا يستفيدون منها بصورة إيجابية، بل حتى حكومات الدول التي يعاني شبابها حدَّة مشكلة الفراغ لا تستغل أوقاتهم بصورة نافعة صحيحة، والفتيات في كل هذا أكثر إدراكاً لوقت الفراغ من الفتيان لوفرة الوقت لديهن، ولطبيعة أدوارهن الاجتماعية، وهن أيضاً أكثر معاناة من الأمراض النفسية المتعلقة بالفراغ، " فالهستريا هي عصاب وقت الفراغ، وتظهر أكثر ما تظهر لدى النساء اللاتي يعشن أوقات فراغ طويلة "، فالمسألة من جهتهن أكثر أهمية.

إن مشكلة الفراغ لا تنحصر في مجرَّد إهدار جزء من الوقت في شغل نافع أو ضار، فالمشكلة مع كونها ظاهرة اجتماعية عامة تحمل صفة العموم، فإنها إلى جانب هذا تحمل صفة الازدياد بصورة مطردة مستمرة، حتى إن التوقعات المستقبلية تشير إلى احتمال أن يصبح الفراغ هو الأصل في الحياة الإنسانية، والشغل طارئاً عليها، وعندها تكون البشرية قد قربت جداً من انهيار الحضارة المادية المعاصرة بصورة نهائية، يقول الفيلسوف دور كايم : "التعطُّل يوسوس بالشر، وينطبق ذلك على الجماعات كما ينطبق على الأفراد سواء بسواء، فإذا لم يجد النشاط الفردي ما يشغله فإنه ينقلب ضد نفسه".

إن منبع هذه المعضلة الإنسانية يعود إلى سببين رئيسين :

الأول: الخواء الروحي النابع من اضطراب المفاهيم الدينية الصحيحة، وضعف السلوك العبادي على النهج الحق، ضمن زيف الحضارة المادية المعاصرة، حين فقد الشباب هدف الحياة، وحكمة الوجود، والاستعداد للمصير الأخروي المحتوم الذي يُحيي في نفوسهم المسؤولية الزمنية، والاهتمام بالوقت؛ فإن أهم "خاصية للإسلام أنه عقيدة ضخمة جادة فاعلة خالقة منشئة، تملأ فراغ النفس والحياة، وتستنفد الطاقة البشرية في الشعور والعمل، وفي الوجدان والحركة، فلا تُبقي فيها فراغاً للقلق والحيرة، ولا للتأمل الضائع الذي لا ينشئ سوى الصور والتأملات" الفارغة، فالانشغال النفسي بالعمل الأخروي الصالح، أو العمل الدنيوي النافع هو منهج التربية النفسية في التصور الإسلامي، فالزمن ضمن هذا التصور هو أثمن ما يملكه المسلم، وهو رأس ماله الحقيقي، ووعاء عمله وإنتاجه.

الثاني : طبيعة النظام الاقتصادي المعاصر، حيث الوفرة المالية، وظهور الآلات والمخترعات الحديثة التي أسهمت بصورة كبيرة في تحجيم أوقات العمل، وزيادة نسبة البطالة خاصة بين الشباب، حتى غدت العلاقة وثيقة بين وفرة الوقت وتحسُّن المستوى الاقتصادي، فإن الناس إذا احتاجوا إلى المال زادت رغبتهم في العمل، فقلَّ بالتالي وقت فراغهم العابث ليرتبط بالوقت المخصص للراحة الجسمية، كما هو الحال في المجتمعات الريفية حيث التداخل والاختلاط بين زمني العمل والفراغ.

إن من الضروري لحل هذه المعضلة الاجتماعية أن يتعلم الشباب من الجنسين كيف يقضون وقت فراغهم تماماً كما يتعلمون العلوم والمهن، فتكون التربية للعمل وللفراغ في وقت واحد، مع إفعام حياتهم اليومية بالأهداف الخصبة المتجددة المتلاحقة، المملوءة بالمثيرات المشوِّقة من المشاريع الفردية والجماعية، والمهارات، والهوايات، والمعارف، والعلوم بعيداً عن الرتابة المملة التي تجلب ضعف الهمة والسَّآمة، مع ضرورة تعديل مفهوم الفراغ في أذهانهم من كونه فترة موات فكري، وخمول جسمي إلى جعله فترة تنويع للعمل العقلي، وتجديد لنوع النشاط الجسمي، فإن "الإسلام حريص على شغل الإنسان شغلاً كاملاً منذ يقظته إلى منامه، بحيث لا يجد الفراغ الذي يُشْكى منه، ويحتاج في ملئه إلى تبديد الطاقة، أو الانحراف بها عن منهجها الأصيل، وليس معنى ذلك هو استنفاد المخلوق البشري واستهلاكه"، فإن مبدأ الترويح وقطع الرتابة مشروع في التصور الإسلامي، ومعترف به تربوياً -قديماً وحديثاً- ما دام هادفاً ومباحاً؛ فإنه لولا شيء من الفراغ لكان الإنسان أشبه بالبهائم.

ولعل مما ينبغي تأكيده في علم الناشئ المسلم بأن احترامه للوقت في أصغر وحداته الزمنية كقيمة معنوية غالية : من أهم وسائل المحافظة على شخصيته صحيحة سوية، وأن إهماله للوقت، وإهداره من أهم أسباب هدم شخصيته، وهبوط همته؛ "فإن أفرغ الناس هو الذي لا يستطيع أن يملأ ساعات فراغه".