الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية الاقتصادية للفتاة @ 49- أزمة صراع الأدوار الاجتماعية عند المرأة العاملة


معلومات
تاريخ الإضافة: 3/7/1432
عدد القراء: 4267
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

إن من أعظم القضايا التي أفرزها تشغيل النساء هو أزمة صراع الأدوار الاجتماعية ، المتمثل في التعارض بين النشاط العائلي ، والنشاط الاقتصادي ، ففي الوقت الذي لا يعرف فيه الرجال والنساء العازبات هذا النوع من التعارض : تدركه الفتيات – بصورة خاصة – عند أول خطواتهن إلى الزواج ، ويتيقنَّ حدود قدراتهن ، ومحدودية نشاطهن عند دخولهن عالم الأمومــة ؛ حين تُقيِّد حركتهن الفطرة بما لا طاقة لهن به ، فتختل حينئذِ الرؤية الواضحة لأدوارهن الاجتماعية، بين الدور الأسري ومهام الأمومة والرعاية ، وبين الطموح الاقتصادي والنشاط الاجتماعي خارج الأسرة ، فيظهر في واقع ممارستهن الحياتية ما يسمى بصراع الأدوار الاجتماعية .

ولما كانت مهمة جمع الزوجة العاملة بين عملها داخل البيت وعملها خارجه أمراً واقعاً ، ومسؤولية منوطة بها على المستوى العالمي ، لا تكاد تنفك عن خبرة العاملة المتزوجة ، وجمعها بكفاءة بين المهمتين الداخلية والخارجية أمر بعيد ، لا سيما في ظل غياب الأزواج عن المشاركة الأسرية الإيجابية ، رغم النصائح والتوصيات الدولية : فإن الانعكاسات الناتجة عن هذا التعارض أثرت بصورة سلبية على شخص الزوجة العاملة ، وتكيُّفها الاجتماعي والأسري، الذي أفرز بالتالي صراعاً مصيرياً عند كثير من الزوجات العاملات بين الإبقاء على العمل ، أو الإبقاء على المنزل ، وذلك حين تخفق إحداهن في الجمع بينهما، ولو بالحد الأدنى من الواجب الذي يُعفيها من المؤاخذة الاجتماعية في الأسرة ، والمحاسبة الإدارية في العمل .

إن الضابط الأسري لا يقبل من المرأة المتزوجة أن يطغى عملها الخارجي على مهام بيتها التربوية ؛ فإن النفل لا يُقدَّم على الواجب ، فمن الغرور انشغال الزوجة بالفضل عن الفرض ؛ فإن الأصل في مهمتها رعاية البيت والعائلة ، فإذا تحولت اهتماماتها عنهما وفرطت: فإنها تخرج عن طبيعتها، ونظام هدايتها، وإذا رامت الجمع بينهما بكفاءة : فإنها تحتاج إلى مساندة كل من حولها ، ابتداء بسلطة القرار السياسي ، وانتهاء بالخادمة ، حتى تتمكَّن بشكل ما من التوفيق بينهما.

ورغم هذه المعاناة الأسرية فإن التوجه نحو التوسع في تشغيل النساء والفتيات المتزوجات في تزايد مستمر ، إلا أنهن - مع ذلك – لا يُعفيهن شرعاً من ضبط المسؤولية الأسرية التي كلَّفهن الشارع الحكيم ، كما جاء عن رسول الله   قوله : "  . . . المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها . . . "، فلا تنفك عن إحداهن هذه المسؤولية حتى وإن أعفاها المجتمع ، وخفَّف عنها من تأنيب الضمير ، أو سعى عندها الحالمون بإمكانية الجمع بكفاءة مطلقة بين العمل خارج المنزل ، وبين المسؤولية الأسرية والتربوية ؛ بحيث تكون "الزوجة الدافئة عندما يحتاج إليها زوجها ، والأم الحنون عندما تشعر أن أطفالها في حاجة إلى رعايتها ، والعاملة النشطة عندما تترك بيتها لتذهب إلى عملها " ، فإن هذا أمر بعيد ، لا يكاد يجتمع إلا لنوادر النساء من غرائب بنات آدم ، فقد جاء في تقرير بريطاني : أن المرأة المتزوجة أكثر من العزباء غيابًا عن العمل ، والنساء العاملات – في العموم – أكثر استخدامًا للإجازات المرضية من الرجال ، كما أسفرت عن ذلك نتائج عديدة من الدراسات الميدانية ؛ ولهذا كثيرًا ما يكون الزواج والأولاد سببًا في رفض تشغيل النساء ، أو ذريعة لتسريحهن من أعمالهن .

ومن ألطف ما يشير إلى هذا المعنى الواقعي في التعارض بين المسؤوليتين الخارجية والداخلية عند المرأة المتزوجة ، ما صرَّحت به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت ، حيث قالت : "لا أعتقد أنني كنت سأشغل منصب وزيرة خارجية إذا كنت ما زلت متزوجة " .

إن مسؤولية الضرب في الأرض ، ومكابدة مشاقها ومعاناتها، إنما هي مسؤولية رجولية بالدرجة الأولى ، وما قد يلحق بالنساء من ذلك إنما هنَّ فيه تبع للرجال ، فقد خاطب الله آدم عليه الســــلام بقوله :        ، قال الإمام البغوي في تفسيره لهذه الآية : "  لم يقل : فتشقيا ، رجوعاً به إلى آدم ؛ لأن تعبه أكثر ؛ فإن الرجل هو الساعي على زوجته "  ، فإذا كان عمل الرجل خارج البيت يُعد من الشقاء ، فكيف إذا اجتمع معه العمل داخل المنزل ؟ بل وكيف إذا كان العمل بشقيه : الداخلي والخارجي منوطاً بالمرأة وحدها ؟

ومن هنا فإن ما يلحق النساء العاملات من تصارع الأدوار الاجتماعية في حياتهن ، إنما يأتي من تداخل المسؤوليات ، حين تنبري إحداهن للقيام بدورين : داخلي وخارجي في وقت واحد .